أشرف صالح: حول خطاب الرئيس في الأمم المتحدة

أشرف صالح

هو ليس مجرد خطاب فحسب , بل هو ترسيخ لهوية دولة فلسطين أمام العالم , فمهما قال الرئيس من كلمات تنال من إسرائيل والولايات المتحدة , فلن تكون أقوى من حصولة بإجماع على توليه رئاسة مجموعة السبعة وسبعين , والتي أصبحت مئة وأربعة وثلاثين دولة يمثلون أكثر من ثلاث أرباع العالم , وهذه بحد ذاتها تعبر عن التعريف الحقيقي للشرعية , والتي تعرضت للطعن من قبل بعض الأحزاب السياسية الفلسطينية بقيادة حركة حماس , وذلك قبل صعود الرئيس محمود عباس على منصة الأمم المتحدة بيوم واحد , ولا زالت الطعونات مستمرة حتى هذه اللحظة .

في هذه المناسبة أود أن أوجه رسالة توضيح لكل من شكك أو طعن في شرعية الرئيس , ونزعها عنه بكلمات لا تغني من جوع , فهناك فرق بين إنتقاد بعض سلوك الرئيس وبين نزع شرعيته , فالإنتقاد متاح للجميع , فنحن ككتاب ومحللين أحيانا ننتقد الرئيس وغيره من صناع القرار , فالخلاف لا يفسد للود قضية .

أما من يريد نزع شرعية الرئيس بمجرد أنه إختلف معه , فهذا ينقصه معرفة الشرعية من وجهة نظر القانون الدولي , وأيضا من وجهة نظر الواقع الفلسطيني والتي يتسم بالخصوصية , فالقانون الدولي والمنبثق عن هيئة الأمم المتحدة ومجلس أمنها , ينص على إحترام الشرعيات , ولا يجوز بالطعن إلا لمن يمتلك الأدلة والبراهين والتي تدين بإختراق القوانين الدولية والمواثيق المتفق عليها أو الموقعة بين الكيانات والدول . وهذا في حال أن الطاعن يمتلك المكانه الدولية بالتوازي مع مكانة منظمة التحرير مثلا , فإذا كان الطاعن يقف على منصة المجلس التشريعي , فكيف يستطيع طعن من يقف على منصة رئاسة الدولة ورئاسة منظمة التحرير وهم الأعلى صلاحية من المجلس التشريعي في نظر المجتمع الدولي , وهذا ما يأخذنا الى الواقع الفلسطيني الخاص , فالشرعية في فلسطين لا تكتسب من خلال صندوق الإنتخابات فقط , كرئاسة وتشريعي , إنما لها وضع خاص فهي تكتسب من خلال حاضنة المجتمع الدولي لها , وجامعة الدول العربية وعلى إعتبار أن منظمة التحرير هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في الداخل والخارج .

أنا لست خبيرا متخصص في القوانين الدولية , ولكني أعلم جيدا أن هناك فرق بين السلطات والمؤسسات السيادية , وهذا مربط الفرس في خلافاتنا كفلسطينيين , فلا زالت فلسطين تحت الإحتلال وبناء على ذلك لا زالت منظمة التحرير كجامع للكل الفلسطيني بما فيها الأحزاب السياسية وحركات التحرر , هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في الداخل والخارج , فعندما حصلت منظمة التحرير عام 1974 على إعتراف من الأمم المتحدة كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني وبدعم وإجماع عربي , كانت هذه أول محطات الشرعية مرورا بمحطات كثيرة , وحتى إنبثقت عنها السلطة بقرار من مجلسها المركزي , ووصولا الى مسمى دولة فلسطين في الأمم المتحدة عام 2012 م .

أن الأمر المهم والذي يجب أن يعرفه الجميع وخاصة المشككين في شرعية الرئيس , أن هناك فرق بين منظمة التحرير ومجالسها الوطني والمركزي ولجنتها التنفيذية , وبين المجلس التشريعي والحكومة المنبثقة عنه , فكل له دور مختلف وصلاحيات مختلفة , وما يجري الآن هو خلط للأوراق وهذا ما جعلنا في حرب دائرة مع الشرعية , فمنظمة التحرير هي مخولة بإدارة الصراع مع العدوا ممثلة بأحزابها المختلفة وشرائحها المجتمعية , أما المجلس التشريعي وحكومته فمن مهامه إدارة الدولة وسن قوانينها الداخلية ومراقبة أداء الحكومة , فإذا كان هناك خلاف على إدارة الدولة بمؤسساتها بين الرئاسة والمجلس التشريعي , على إعتبار أن الجميع قد إنتهت ولايته القانونية على قاعدة الإنتخابات , فلا يجوز أن يكون خلاف على إدارة الصراع مع العدوا , فالأمر بالنسبة لمنظمة التحرير واضح ويكتسب شرعيته من المجتمع الدولي , فإذا كان المشككين في شرعية الرئيس يلعبون على وتر أن الرئيس إنتهت ولايته القانونية كرئيس للدولة , فيجب أن يعلموا أن الرئيس لا زال يتربع على عرش منظمة التحرير وذلك من خلال إنتخابه كرئيس للجنة التنفيذية والتي تعتبر حكومة منظمة التحرير .

بعيدا عن الحرب الدستورية والقانونية والتي تشغل أحزابنا المتنافسة , فهناك حالة تقييم لخطاب الرئيس يجب أن تكون في الحسبان , فالرئيس ومن خلال خطابه قد يخطئ ويصيب , فكل البشر خطائين , فهناك محطات كثيرة مر بها الرئيس من خلال خطابه , منها ما يقصف وجه الولايات المتحدة وإسرائيل من خلال فضح الإنتهاكات أمام العالم , والطلب برفع يد الولايات المتحدة من عملية السلام , على إعتبار أنها ليست جذيرة بذلك , ومنها ما يتسم بالدبلماسية الزائدة من خلال الحديث المتكرر عن السلام في الوقت التي لا يحترم فيه السلام , والحديث عن السلام هو سلاح ذو حدين , الحد الأول قد يضعف من قوة ردع الرئيس , والسلاح الثاني قد يستدرج العالم للتعاطف مع القضية الفلسطينية على إعتبار أنها واقعة تحت آلة الظلم .

أما المحطة الأبرز في الخطاب فهي حديث الرئيس عن الفرصة الأخيرة للمصالحة , وهذا يعني وجود بدائل جاهزة لدى الرئيس في حال فشلت المصالحة بمساعي المصريين في الوقت الراهن , وفي هذه الأيام تطفوا على السطح ملامح عقوبات جديدة على غزة , بالتزامن مع نفي بعض قيادات حركة فتح بوجود عقوبات أصلا , فهناك ضبابية تهيمن على مشهد المصالحة , بالرغم من مساعي المصريين القوية , ولكن تلميح الرئيس بالفرصة الأخيرة للمصالحة يشير أنه يريد إلقاء مسئولية غزة بالكامل على كاهل حماس في حال فشلها , من خلال عقوبات قانونية وسياسية وإقتصادية تقتصر على حركة حماس بعيدا عن المساس بواجباته المباشرة تجاه بعض القضايا الإنسانية .

كاتب صحفي ومحلل سياسي

فلسطين – غزة

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. كل فئات الشعب انتقدت وسخطت على الخطاب لانه كان ذليل وخانع اما عندما ذكر حماس وغزه كان يزبد ويرغي هاذا الشخص لايمثل إلانفسه وسحيجته المنافقين كفى تسحييييييييييج وتطبيل يا أستاذ أشرف صالح

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here