أشرف شنيف: نحو التعايش مع كورونا!

 

أشرف شنيف

من خلال متابعة أخبار الفتح التدريجي للاقتصاد العالمي والحياة الاجتماعية -رغم عدم القضاء على فيروس كورونا- نستنتج بأننا نسير في طريق التعايش مع الفيروس والتطبيع معه وتطبيق “مناعة القطيع” رغم الانتقادات التي واجهت هذا الطريقة في بداية الأزمة العالمية، وذلك بعدما أيقنت قيادات العالم والشعوب بأن خطر الإغلاق الكلي أسوء من خطر كورونا، لأن نتائجه كارثية على الاقتصاد بسبب انخفاض مستوى الدخل ، وتحقيق خسائر فادحة، وارتفاع الدين العام ومعدل التضخم ومعدل البطالة، وانهيار للأسواق المالية والأسهم والسندات والنفط، باستثناء قطاع التكنولوجيا الذي شهد نمو قوي وحقق عمالقته أرباح عظيمة وتضاعفت ثروات أثريائها حتى 19‎%‎ منذ بداية أزمة كورونا، بالإضافة إلى القطاع الصحي الذي استفاد نسبيا بسبب ارتفاع الطلب على الأدوية والمعقمات ووسائل الحجر الصحي مثل الكمامات والقفازات.

لقد اتضح مع الوقت والتجربة أيضا، بأن فيروس كورونا كان بحاجة لإدارة أزمة على كافة الأصعدة منها الاقتصادية والتجارية والسياسية والإدارية.. وعدم الاكتفاء بالتعامل الصحي الجاد والحازم مع الفيروس فقط، فذلك يولي الأهمية القصوى للجانب الصحي على حساب باقي الجوانب الإنسانية عن طريق الإغلاق الكلي، وهذا له أضرار اجتماعية تؤدي لمشاكل بالغة الخطورة على المجتمع والسلم الاجتماعي بسبب تنامي معدلات الفقر والاضطرابات والمجاعة التي من الممكن أن تكون في حال تضرر سلاسل التوريد وتدهور الأمن الغذائي -والتي ناقشتها قمة العشرين في المكسيك- خصوصا للدول التي تعتمد إعتماد تام على دول أخرى في سلاسل التوريد للمواد الغذائية، وكذا على المواد الخام التي يحتاجها اقتصادها، بالإضافة إلى المشتقات النفطية التي تعتبر أهم محرك لعملية التوصيل لكل شيء في العالم.

في وقت ذروة تفشي فيروس كورونا في إيران، صرح حسن روحاني بأن ليس هناك حل مع فيروس كورونا سوى التعايش معه. في المقابل، قالها ترامب بطريقة أخرى،فلن يتم إغلاق الاقتصاد الأمريكي في حال تعرض الولايات المتحدة الأمريكية لموجة ثانية من فيروس كورونا، كما رفعت إيطاليا الحجر الصحي الكلي تدريجيا وكذلك أسبانيا وهما من أكبر بؤر كورونا في أوروبا والعالم، وبالمثل قامت باقي دول أوروبا وأسيا والعالم العربي بفتح اقتصادها ورفع الحجر الكلي تدريجيا وذلك يعزز مبدأ التعايش مع فيروس كورونا.

يعزز كل ذلك، عودة فتح أهم شركات الطيران للطلب على بعض الخطوط التي فتحت عبر فتح بعض مطارات الدول التي رفعت الحجر الصحي الكلي إبتداء من منتصف يونيو، بل أن الاتحاد الدولي للنقل الجوي IATA والمنظمة الدولية للطيران المدني ICAO ناقشتنا مع بعض الدول إجراءات السفر بعد أزمة فيروس كورونا بغرض إعادة التشغيل واستعادة ثقة جمهور المسافرين، وذلك سيعزز حركة نقل الركاب التي تعتبر العمود الفقري لقطاع النقل الجوي الذي تعرض لانهيار حاد بسبب الإغلاق الكلي وذلك أدى لانهيار قطاع السفر والسياحة حول العالم.

في نفس الاتجاة، لقد تعرض الاقتصاد الرياضي حول العالم لانتكاسة كبيرة في ظل الإغلاق الكلي والحجر الصحي وذلك عبر توقيف وتأجيل وإلغاء أهم دوريات وبطولات العالم، منها دورة الألعاب الأولمبية في طوكيو التي مئات الملايين والخسائر تتجه نحو المليارات، بالإضافة إلى تخفيض أجور اللاعبين حول العالم وأسعار الصفقات، كما طالت الخسائر لتوقف بطولة أبطال أوروبا والدوري الأسباني والإنجليزي والإيطالي وغيرها، وهذا أدى لمطالبات لإعادة فتح تلك البطولات تدريجيا، وبالفعل فقد عاد الدوري الألماني دون جمهور، وهناك مؤشرات لعودة باقي البطولات تدريجيا في شهر يونيو القادم.

مع عودة تطبيع الحياة اليومية في أوروبا وآسيا وأفريقيا وأمريكا يعود العالم تدريجيا نحو الحياة الاجتماعية الطبيعية، وبالتأكيد ستضيف مرارة التجربة السابقة مع فيروس كورونا إلى رصيد التجارب الإنسانية في التعامل مع الأوبئة، ولهذا سيكون الهاجس الصحي مسيطر في مرحلة ما بعد كورونا، وسيهتم العالم بالإجراءات الصحية التي تحد من انتقال الفيروسات والأوبئة عالميا وإقليميا ومحليا، والبداية ستكون في المطارات والطائرات التي من الممكن أن يكون مستوى التعقيم فيها مرتفع جدا ليصل إلى تعقيم المستشفيات وغرف العمليات، يليها من ناحية الأهمية المنافذ البرية بين الدول، فالبحرية وسيرتفع مستوى التعقيم في الشحن جوا وبرا وبحرا أيضا، وسيمتد الاهتمام بالتعقيم والتباعد الاجتماعي حتى باقي قطاعات الاقتصاد، مع تعزيز دور التقنية في الحد من الاختلاط عبر الاجتماعات والعمل عن بعد، وابتكار الحلول التكنولوجية لتسهيل الحياة والعمل في ظل أي إغلاق أو حجر صحي في مستقبل الأيام لا سمح الله.

في الأخير، هناك عدة عوامل ترجح التعايش مع كورونا قبل إنتاج أي لقاح ناجع له، وهذا يعزز أهمية التعامل مع جميع مخاطر كورونا الاقتصادية طويلة المدى بالإضافة للمخاطر الصحة قصيرة ومتوسطة المدى، فالتقارير الاقتصادية تحذر من كساد اقتصادي خطير يهدد العالم والسلم العالمي، وبأن الملايين من الشركات الصغيرة والمتوسطة أعلنت إفلاسها مع بعض الشركات العملاقة، وفي مقدمتها شركات الطيران والبيع بالتجزئة والسفريات والسياحة، وهذا خطره أكبر بكثير من خطر كورونا حيث سيعزز الفوضى في الدول والصراعات الدولية في ظل نمو معدل الفقر والكساد كما حدث سابقا مرات عديدة..

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. مع التقدير، التعايش قد يكون سلبيا، ولابد من سياسة عامة فاعلة وذكية، تقوم على الاحاطة بالمخاطر دون تعميم او تضخيم او توسيع او تجاهل، ومن ثم ادارة هذه المخاطر باقل الطرق كلفة على الحرية والاقتصاد والصحة. اهم من ذلك كله، لابد من الاجابة على السؤال الجوهري: وماذا بعد الايدز وسارس وكورونا؟ ما دور الفساد والظلم والذنوب في انتشار الاوبئة القاتلة؟

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here