أشرف شنيف: تركيا .. نحو الشرق أم الغرب؟

 

أشرف شنيف

برزت مؤخرا مشكلة جديدة أمام تركيا- التي كلما تخلصت من أزمة وقعت في أخرى- والعنوان هذه المرة “ادلب”، من خلال استعراض الأخبار المتداولة يتضح لنا مدى تعقد وضع تركيا في هذه الأزمة، كون العدو هو الجيش السوري في الأراضي السورية، وقد كان دخول تركيا في العمق السوري بهدف القضاء على خطر التواجد الكردي الذي يتنامى بدعم أمريكي على حدودها الجنوبية. فكان تدخل أردوغان العسكري مباشر، وهذه الخطوة قوبلت في بدايته برفض أمريكي وتحفظ روسي ورفض سوري، فما لبث وإن تحول الرفض الأمريكي مؤخرا إلى تأييد سياسي -بسبب رضوخ أردوغان لطلبات ترامب- وذلك بعد تعرضت القوات التركية لهجوم من قبل الجيش السوري مما خلف قتلى وجرحى في الجيش التركي المساند للمعارضة السورية مع قوى الغرب ضد نظام بشار الأسد، فعرضت واشنطن على تركيا المساعدة وهددت بفرض عقوبات إضافية على دمشق، كما دعمت بريطانيا تركيا في خطوة متناغمة مع الخطوة الأمريكية، ولهذا صار الوضع أكثر تعقيدا لتركيا في سوريا، فسوريا حليفة إيران وروسيا، وكذلك تركيا ولكن بدرجة أقل، حيث تحكم العلاقات الروسية الإيرانية التركية المصالح الاقتصادية المشتركة إبتداء من مشروع السيل التركي للغاز والعابر من روسيا عبر تركيا نحو أوروبا، مرورا بالمشاريع المشتركة في مجال النقل وسكة الحديد التي تربط طهران بأسطنبول وموسكو ضمن المبادرة الصينية لطريق الحرير، ولهذا نرى مدى التضارب العلاقات والمصالح المشتركة بين تركيا والغرب من جهة ومع الشرق في الجهة المقابلة.

أما بالنسبة للمصالح التركية الاقتصادية الأخرى والمتمثلة في الحدود البحرية، فقد برزت لها مشاكل حقوق الامتياز في التنقيب على النفط والغاز بسبب الخلافات التاريخية مع اليونان وقبرص، والخلافات الحالية مع مصر بسبب صعود السيسي على حساب حلفاء أردوغان” الإخوان المسلمين”.

قبل أسابيع عقد أردوغان اتفاقية ثنائية حول الحدود البحرية مع حكومة الوفاق الليبية القريبة من قطر والإخوان المسلمين بغرض مقايضة الحماية لحكومة الوفاق الليبية من خطر جيش حفتر -الحليف لروسيا- مع منح تركيا إمتداد بحري يمنحها حق الامتياز الاستغلال الاقتصادي في البحر المتوسط، وذلك ما آثار حفيظة مصر وبعض الدول الأوروبية وروسيا، وهنا أيضا تناقضات في التحالفات التركية السياسية والاقتصادية في ليبيا بالإضافة لسوريا كما سبق ذكره.

كان بزوغ نجم تركيا في الشرق الأوسط مع تولي أردوغان الحكم فيها عام 2002 مشابها إلى حدا ما ظهور عبدالفتاح السيسي في مصر حاليا، فالرجلان تصدرا المشهد السياسي في ظل تدهور اقتصادي وتفكك سياسي في دولهم، وقاما بدور المنقذ والمصلح ليحصدا الدعم الشعبي داخليا والمباركة الأمريكية خارجيا، بل ويتمد نفوذهما نحو الإقليم بدور محوري،  يتبع ذلك تقارب وتعاون مع إسرائيل سياسيا واقتصاديا وعسكريا. إن الدراسات الاقتصادية تتنبأ بنمو الاقتصاد المصري ليصل في 2030 للمرتبة السابعة عالميا، وكذلك تضع تركيا في المرتبة الخامسة، ذلك التناغم بين الدور التركي والدور المصري في المنطقة يهدد بصدام عسكري بينهما في ظل إرتفاع وتيرة الاحتقان السياسي بين النظامين المصري والتركي، بالإضافة إلى التقارب النسبي بين تصنيف القوات المسلحة التركية “الثامنة عالميا” مع نظيرتها المصرية “العاشرة عالميا” يجعل يسهم في التنافس بين الدولتين، مع أن الكفة تميل نحو مصر التي تمتلك تحالفات أقوى إقليميا ودوليا على حساب تركيا، وذلك ما يجعل ليبيا تهديد آخر ضد تركيا وهذه المرة من مصر وروسيا اللتان تدعمان الجنرال المتقاعد حفتر ضد حكومة الوفاق حليفة تركيا وقطر.

كل ما سبق كان نتيجة لحسابات اقتصادية لتركيا وأمريكا وبريطانيا وفرنسا وإسرائيل والسعودية والإمارات وروسيا والصين وإيران في الشرق الأوسط الغني بالنفط والغاز والذي يقع في منتصف الطرق التجارية العالمية، فهناك اكتشافات واعدة للغاز في البحر الأبيض المتوسط والجزيرة العربية، بالإضافة للنفط والغاز المكتشف وبكميات غزيرة وذلك يجعل الشرق الأوسط أغنى مناطق العالم في الطاقة، وذلك يتكامل مع تمركزها وسط العالم على الطرق الملاحية، مما يجعلها منطقة أطماع وصراع للدول العظمى إقليميا ودوليا لصياغة عالم جديد، وذلك ما دعى ببريطانيا للتحرر من قيود الإتحاد الأوروبي لتنطلق نحو العالم والفرص التي يتيحها لها في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا، فشاهدنا قمة بريطانية أفريقية، واهتمامها بجنوب اليمن، وسعيها لفتح آفاق اقتصادية جديدة في الهند والصين ودول آسيوية وتعاونها مع الصين في مجال طريق الحرير البري.

إن ما نشاهده حاليا في الشرق الأوسط وحالة العداء بين تركيا وبعض الدول العربية يتطابق مع ما حدث قبل أكثر من قرن ضد الدولة العثمانية ومحاولة اسقاطها والنيل من تركتها، فهناك تحالف تقوده السعودية والإمارات وبإيعاز من بريطانيا وأمريكا لضرب تركيا سياسيا واقتصاديا بحجة محاربة مد الأخوان المسلمين، وكذلك تقومان بنفس الدور ضد إيران لمحاربة المد الشيعي، بينما تقومان بالتمهيد للشرق الأوسط الجديد والتعاون الاقتصادي والسياسي والعسكري مع إسرائيل على حساب الحركات الإسلامية والقومية العربية، تكون فيه إسرائيل هي اللاعب الأساسي سياسيا واقتصاديا وعسكريا معتمدة على ذاتها ماليا عبر نشاطها الاقتصادي في الشرق الأوسط الجديد لتتخلص أمريكا من عبئها المالي. إن ما تسعى له أمريكا وبريطانيا هو جر قدم تركيا لصراعات ثانوية واقليمية بغرض تفكيك قواها الداخلية، وتستنزفها اقتصاديا، لتصير في النهاية دولة هشة يسهل نهشها كما تم مع الإمبراطورية العثمانية، وسيحتفل أعداء تركيا العرب مع أمريكا وبريطانيا بسقوط السلطان أردوغان الذي لم يحدد حتى الآن بوصلته، فهل يعود نحو الغرب بمؤامراتهم أو يتجه نحو الشرق بتحالفات متناغمة سياسية واقتصادية وعسكرية مع قيصر روسيا والتنين الصيني والجار الفارسي؟! إن ما يقوم به أردوغان وما قام به من فتح عداوات مع الجميع لا يخدم تركيا مطلقا بل يخدم اعدائها الذين صاروا كثر متربصين بها بسكاكينهم.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here