أسس ومبادئ وطنية في الدستور السوري الجديد

مالك الحافظ

تنطبق الحالة السورية في صياغة دستور جديد على دول أخرى عاشت ظروف مختلفة و توائمت في ضرورة إعادة تحديد توزيع السلطة السياسية سعياً إلى الخروج بدستور أكثر ديمقراطية وتحسين آليات ضبطه وكفالة استجابته لرغبات المواطنين على نحو أفضل بعد نزاع بات لزامًا بعده إنشاء نظام دستوري جديد ومجانسة رؤية تساهم في تهيئة مجتمع أكثر مساواة وإنصافًا.

و لعل الأسس الأهم في أي تغيير/إصلاح دستوري تنطلق من ضمان تعزيز حقوق الإنسان والحريات الأساسية واحترامها وحمايتها، إضافة إلى معالجة القواعد الدستورية التي أوقعت سوريا في شراك السلطة المطلقة لمقام الرئاسة و تغولها على باقي السلطات وتهميشها وفسادها.

تبدو مهام اللجنة الدستورية السورية معقدة بقدر تشابك الملفات المتداخلة لمصالح الدول المنخرطة في الشأن السوري، ولولا ذلك لما كنا احتجنا إلى أكثر من 3 سنوات منذ إقرار المبعوث الدولي الأسبق إلى سوريا السلال الأربع في مباحثات جنيف كخطوة أولى تنفيذية لمخرجات القرار الدولي 2254، حتى نبدأ أول التحركات الصغيرة نحو الأمام في اللجنة منذ شهر فقط، فلولا تلك التشابكات ما احتجنا انتظار كل ذلك الوقت الضائع لكتابة عقد اجتماعي لكل السوريين.

كان من الواضح أن الجولة الثالثة والتي اختتمت نهاية شهر آب/أغسطس، بحثت في مبادئ عامة أساسية تمحورت حول الحقوق والواجبات والهوية الوطنية وسيادة سوريا، لكن هذه المبادئ الأساسية تحتاج إلى جوانب أوسع وجلسات مكثفة مركزة تفاديًا لمضيعة الوقت الحاصلة.

لا بد من التأكيد على مدنية الدولة السورية القائمة على المواطنة في الدستور السوري القادم، ضمن إطار نظام جمهوري ديمقراطي تشاركي يفصل بين السلطات، فيه يكون الحكم الرشيد أساس التنافس السياسي، فالدولة المدنية تحمي حقوق مواطنيها وتضمن حرياتهم العامة ويتساوى الجميع بالحقوق والواجبات، فالسوريين أجمع متساوون في الحقوق والواجبات ويجب أن يكونوا سواء أمام القانون من غير تمييز، بحيث تضمن الدولة السورية الجديدة لمواطنيها الحقوق والحريات الفردية والعامة، وتحمي كرامة الذات البشرية، لذا فإن بحث مفهوم مدنية الدولة كان الأولى والأهم من التفرع في تفاصيل دستورية كان الأجدى توزيع الوقت في تقديمها.

هذا و لا يتعارض مفهوم الدولة المدنية مع ثوابت الشرعية الإسلامية التي ينادي بها طيف لا بأس به من شرائح السوريين و هم الذين ينظرون لهذا الجانب من مبدأ الأكثرية، لاغين بذلك أهم أسس المواطنة. كذلك فإن الدولة المدنية لا تعني الأخذ بالعلمانية، أو فصل الأخلاق عن السياسة.

كما أن الدولة المدنية يلجأ إليها السوريون حال انتهاك حقوقهم، وكذلك تكفل الحرية الدينية لمواطنيها، وتكرّس التسامح وخطاب المحبة والسلام واحترام الآخر، فضلًا عن محافظتها على أفراد المجتمع بغض النظر عن انتماءاتهم الفكرية والدينية، فحرية الرأي و الفكر والتعبير والنشر مضمونة في كنف الدولة المدنية، ولا يمكن ممارسة رقابة مسبقة على هذه الحريات، بحيث تضمن الحق في الإعلام والحق في النفاذ إلى المعلومة.

وترتكز أيضًا على السلام والتسامح والعيش المشترك، وتمتاز باحترامها وضمانها للتعددية، واحترام الرأي الآخر، بحيث تكون حقوق الانتخابات والاقتراع والترشح مضمونة وفق ما يضبطه القانون الانتخابي، بموازاة حرية تكوين الأحزاب والنقابات والجمعيات، إلى جانب ضمان حرية الاجتماع والتظاهر السلميين.

ولا بد لتكريس الدولة المدنية من أن تتوفر عناصر عدة في سوريا الجديدة، أهمها تلك العناصر الشرعية الدستورية والسياسية حيث تقوم على أساس العقد الاختياري بين الحاكم والمحكوم، إضافة إلى ملازمة عنصر آخر لهذه الشرعية وتتمثل بأن تكون الأمة السورية مصدر السلطات بمعنى أن تكون السلطة بيد الشعب السوري تمارس حسب نصوص الدستور النافذ.

كذلك التأكيد على سيادة القانون، والإيمان بسيادة القانون، يطبق على الجميع، ويحكم به الجميع وهدفه خدمة المصلحة العامة، و يتوازى مع ذلك بألا تكون السلطة من دون مسؤولية، ولا مسؤولية من دون محاسبة، فالسلطة التنفيذية مقيدة بنصوص دستورية وأطر قانونية ومفوضة بحدود، إلى جانب حماية وضمان حقوق الجميع دون تحيز أو تمييز، و الحقوق العامة مضمونة ومحمية والحفاظ عليها يكون في إطاري العدل والمساواة.

ومن أبرز العناصر الواجب الإشارة إليها هو عنصر العيش المشترك بين كل المكونات السورية، بحيث يكون التسامح قيمة سائدة في العلاقات العامة والحفاظ على السلم الاجتماعي، مع ضمانة الفصل بين السلطات، وعدم السماح بتغول سلطة على سلطة أخرى، وكل سلطة تقوم بأعمالها واختصاصاتها ضمن إطار الدستور والقانون النافذ.

كاتب و باحث سياسي سوري

malek.alhafez1@gmail.com

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. مصطلح “الدولة المدنية” غير معترف به بالأوساط الأكاديمية التي تعنى بفلفسة السياسة والفكر السياسي . وللتاريخ فقد أوجد هذا المصطلح محمد عبدو(1849-1905) حين كان حاكما لمصر فقال مقولته الشهيرة “لايجب أن تكون للإسلام سلطة في الدولة” وهو بذلك قد سبق الأوربين بفصل الدين عن الدولة. كما أن العديد من المثقفين المتنورين المصريين وغيرهم يستخدم مصطلح “الدولة المدنية” ويقصد بذلك الدولة العلمانية ذلك أنه قد نجحت القوى الدينية في شيطنة مفهوم الدولة العلمانية وتصويرها كدولة إلحادية وهي غير ذلك. فالدولة العلمانية لاتدعو للإلحاد مثلما لاتدعو للإيمان . الدولة العلمانية هي نظام سياسي يفصل الدين عن الدولة .
    لافرق على الإطلاق بين بين دولة مدنية ودولة علمانية ومايتقدم به الكاتب من مرتكزات ” الدولة المدنية” هي موجودة أصلا في قوام وجوهر الدولة العلمانية .
    في النهاية لابد من التعريف ب المرتكزات الأساسية للدولة العلمانية وهي فصل الدين عن الدولة فيكون الدستور والتشريع مبني على أسس مدنية وضعية من تساوِ في المواطنين في الحقوق والواجبات
    وبنفس الوقت التكفل في حق الأديان في حرية التعبد والتعبد فقط.
    الشعب السوري في سوريا المثخنة بالجراح بعد تكالب الأعداء عليها وعلى رأسهم العدو الصهيوني الوجودي .هذا الشعب بمجمله يصبو إلى دولة علمانية (مدنية) فهي الحل وهي الوسيلة الكفيلة بدحر العدو الوجودي الذي يستند على وعد ديني توراتي لإحتلال الأرض وإستعباد الأمة السورية . ومرة إخرى يظهر الدليل الجلي والواضح على أن تداخل الدين في السياسة -أي دين- وإستثماره في السياسة إنما يمهد لعدو داخلي وعدو خارجي .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here