أزمة بريطانيا مع الأتحاد الأوربي.. وبعض دلالاتها على الوطن العربي

 

د. سوسن إسماعيل العساف

إن أزمة البقاء مع أو الخروج من الاتحاد الاوربي التي تمر بها بريطانيا منذ عام 2016، عندما صوت البريطانيون لصالح ترك الاتحاد في استفتاء بفارق بسيط، هي ليست بالازمة الجديدة. فهذا التأرجح وعدم استقرار الرأي لهُ جذوره التاريخية. منذ ان تاسس الاتحاد الأوربي كان البريطانيون منقسمون حول الانضمام اليه او البقاء خارجه. في ستينيات القرن الماضي حاولوا الدخول للسوق الأوربية التي سبقت الاتحاد، ولكن الرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديغول وقف ضد ذلك في عام 1963، واستمر في موقفه حتى تنحى عن منصبه بعد تظاهرات طلابية كبيرة أجبرته على ذلك في عام 1969، بسبب أزمات داخلية كانت تعاني منها فرنسا. وكان سبب هذه المعارضة هو رغبة بريطانيا في الانضمام مع بعض الامتيازات والحفاظ على خصوصية معينة في هذه السوق المشتركة. في عام 1975 دخلت بريطانيا الى السوق الأوربية بعد استفتاء حصل فيه مؤيدوا الفكرة على اكثر من 67%. ثم في عام 1992 اصبحت بريطانيا عضواً في الاتحاد الأوربي الذي تأسس بموجب معاهدة ماستريخت، وحصلت ايضا على امتيازات خاصة مثل احتفاظها بعملتها (الجنية الاسترليني) وعدم تغييرها الى (اليورو الاوربي)، وان لا تكون سمة الدخول اليها (الفيزا) مشتركة في سمة ( الشنكن). ومع كل هذه الامتيازات، والانتعاش الاقتصادي الذي شهدته بريطانيا جراء انضمامها، الا ان الأصوات المطالبة بالخروج ظلت حاضرة، بل وعالية في بعض الاحيان.

في عام 2016، نفذ رئيس الوزراء المحافظ السابق ديفيد كاميرون وعده بإجراء استفتاء حول مسالة بقاء بريطانيا ضمن أوربا الموحدة، على الرغم من نجاح المفاوضين البريطانيين في الحصول على امتيازات جديدة من الاتحاد الأوربي قبل هذا القرار. الخطا الذي ارتكبه كاميرون في هذا المجال تمثل في تحريضه الرأي العام البريطاني ضد الاتحاد الأوربي كي يحصل على تنازلات من الاتحاد، وعندما حصل عليها لم يوضح ذلك بصورة جلية للراي العام وبدا يطالب المقترعين بالتصويت لصالح البقاء في الاتحاد. والامر الاخطر انه لم يرد بصورة واضحة و مقنعة على الادعاءات التي كان يطلقها المؤيدون للخروج من الاتحاد، والتي ظهر فيما بعد ان اغلبها كانت اكاذيب ضللت الرأي العام و رفعت من نسبة المطالبين بالخروج.

و مثلما فعل توني بلير رئيس الوزراء السابق في الحرب على العراق عندما ضلل الرأي العام البريطاني ليقود بلاده الى المشاركة في حرب احتلال وتدمير ذلك البلد، كذلك فعلت الأحزاب والشخصيات الرافضة للبقاء في الاتحاد الأوربي حيث استخدمت أساليب مضللة في غالبها و مخادعة لتمرير وجهة نظرهم. و كما رفض بلير الاستماع الى أصوات الملايين من المتظاهرين الذين خروجوا في الشارع رافضين الحرب، رفضت رئيسة الوزراء الحالية تيريزا ماي، التي حلت محل كاميرون بعد استقالته، الأخذ بطلب اكثر من مليون ونصف شخص طالبوها بعريضة بإعادة الاستفتاء، الذي كان لصالح خروج بريطانيا بنسبة بسيطة ( 52% مع الخروج مقابل 48% مع البقاء)، وقالوا فيها بانهم ضللوا قبل الاستفتاء بإدعات كاذبة مما جعلهم يصوتون لصالح الخروج. (في استطلاعات بعد أسابيع من الاستفتاء، وبعد ان تنصل بعض مناصري الخروج عن بعض اقوالهم، ظهر ان 51% يرغبون في البقاء ضمن أوربا مقابل 41% يطالبون بالخروج).

وبالنتيجة اندفعت رئيسة الوزراء ماي بشكل كبير في سبيل وضع خطة لخروج بريطانيا من الاتحاد الاوربي، التي أصبحت تعرف بالبريكست،(Briexit)، وذلك عبر تفعيل المادة (50) من اتفاقية لشبونة والتي تمنح الدول الأعضاء حق المطالبة بالخروج الاختياري من الأتحاد. وتم تحديد شهر آذار/مارس القادم كموعد نهائي للخروج. بدأت خطوات ماي تواجه رفضا متزايدا من الأحزاب والمؤسسات الاقتصادية والمالية الكبيرة التي أخذت  تشعر بالتأثير السلبي لانفصال بريطانيا عن أوربا، خاصة بعد ان انخفضت العملة البريطانية وتأثر سوق العقارات والاهم من ذلك لجوء بنوك و شركات أوروبية الى خفض تواجدهم في بريطانيا. وبالمقابل تعرضت رئيسة الوزراء وحكومتها الى هزات وخسائر كثيرة.

الخسارة الاولى تمثلت في استقالة خمسة وزراء من الحكومة، سبقهم آخرون، اعتراضا على خطتها. صحيح انها استطاعت ان تستبدل المستقيلين وتحصل على موافقة الوزارة على خطتها، الا ان الكلفة لهذه الموافقة كانت عالية تمثلت في خروج وزراء يتمتعون بمكانة كبيرة في حزبها وانضموا الى الجبهة المعارضة لها. الخسارة الثانية تمثلت في التنازلات التي قدمتها ماي لأوربا، مثل الموافقة على دفع مبلغا ماليا كبيرا للاتحاد الاوربي، ( تم خفض المبلغ من مائة مليار جنيها إسترليني االى 39 مليار جنيه، اي ما يعادل 50 مليار دولارا)، كتعويض عن التزامات بريطانيا تجاه الاتحاد.

الالتزام الأهم هو الذي اعطته ماي لإسبانيا حول جبل طارق، ولتأمين عدم معارضة اسبانيا لخطة الخروج من الاتحاد، وافقت بريطانيا برسالة مكتوبة لرئيس وزراء اسبانيا على اجراء محادثات بشان مستقبل سيادة بريطانيا على منطقة جبل طارق، و هو امر كانت بريطانيا ترفض حتى الحديث عنه رفضا قاطعا، وتعتبره مساسا بسيادتها. (المفارقة هنا ان اسبانيا التي تصر على استعادة صخرة جبل طارق، ترفض الحديث عن اعادة منطقتي سبته ومليله للمغرب وتصر على اعتبارهما جزءا من سيادتها، على الرغم من تشابه الحالتين بصورة تامة). وأخيرا فان الخسارة الثالثة الأكبر التي تنتظر رئيسة الوزراء هو فشلها في تمرير خطتها داخل البرلمان للخروج، مما يعني ضرورة استقالتها من منصبها او من رئاسة حزبها.

من جهته يحاول البرلمان ان يجد مخارج، ليس من اجل بقاء رئيسة الوزراء في منصبها وإنما لاجل المصلحة البريطانية العليا وخشية تتعرض البلاد لهزات اقتصادية و سياسية لا تحمد عقباها. فهناك من اقترح ان ترجيء ماي الدعوة للبرلمان للمصادقة على خطتها، و هؤلاء ايضا يقترحون عليها ان تعود الى التفاوض مع الاتحاد الأوربي و تحاول ان تخفف من اعباء خروج بريطانيا من الاتحاد، و دعا رئيس حزب العمال جيرمي كوربن رئيسة الوزراء الى الاستقالة في حال فشلها تعديل خطة الخروج.

قسم اخر دعاها  الى اجراء استفتاء ثان على مسالة الخروج، الامر الذي ترفضه رئيسة الوزراء وتعتبره إهانة لأصوات البريطانيين الذين صوتوا سابقا لصالح الخروج. اما الاقتراح العقلاني الذي فيه دلالات استراتيجية على لعب الدور الوسطي لحل ازمة مصيرية تهم الملايين من البريطانيين تمثل في مطالبة رئيسة الوزراء بعرض برنامجها لترك الاتحاد الأوربي للاستفتاء العام. فمن ناحية يعتبر هذا تصويت على موضوع جديد، ومن ناحية ثانية فان الرفض سيكون رفضا لمشروع الخروج. وهناك طرف اخر يقول ان المشكلة يمكن ان تنتهي برفض مشروع ماي وبالتالي تعتبر فكرة الخروج وكأنها لم تكن، ويعود الحال الى ما كان عليه قبل الاستفتاء وانهاء الازمة بضبابية مداراتها المستقبلية.

من ناحيته يحاول الأنحاد الأوربي ان يسهل هذا الخيار بالقول أن بريطانيا تستطيع أن تعتبر نفسها مستمرة كعضو في الاتحاد إذا ما ألغت فكرة الخروج منه. وعلى العموم سيستمر الجدل حول هذه المواضيع طالما ظل الانقسام موجودا بين معسكري الخروج من والبقاء في الاتحاد الأوربي.

استطلاعات الرأي العام تقول ان عدد مؤيدي البقاء يتزايد بعد الركود الاقتصادي الذي بدأت تلوح بوادره. كما ان اراء اخرى تقول ان الذهاب الى اي انتخابات جديدة مبكرة سوف لن يحقق فيها اي من الحزبين الكبيرين، العمال والمحافظين، اية أغلبية، وسيضطر الحزبان الى البحث عن حلفاء وتوافقات مع وتنازلات لاحزاب أصغر، مما يعني تشكيل حكومات ضعيفة و مكبلة بموافقة الأحزاب الصغيرة. وفِي كل الأحوال فان بريطانيا ستحتاج الى سنين عديدة قادمة لاصلاح الضرر الذي تسبب فيه الغرور البريطاني والشعور الخاطيء المبني على فكرة ان بريطانيا ستكون في حال افضل اذا ما انفصلت و بقيت لوحدها.

أكاديمية عراقية

Print Friendly, PDF & Email

7 تعليقات

  1. شكرا للدكتورة سوسن اسماعيل العساف على هذه المقالة الرائعة أن شاءالله التألق الدائم لك مني كل الاحترام والتقدير

  2. شكرا جزيلا على هذا المقال الرائع الذي يختصر الموضوع بشكل دقيق ووافي .
    تقبلي خالص تحياتي وتقديري.

  3. حضرة السيدة الدكتورة سوسن إسماعيل العساف الموقّرة
    تحياتي لشخصك ولقرينك المقدّس لديّ أستاذي د.سعد ناجي المحترم
    ليس من قبيل المجاملة -التي لا أحتاجها- فإني قرأت البعض من المقالات التي تكرّم البعض عن معضلة خروج بريطانيا من الإتحاد الآوروبي وإرتبكت عليَّ المعلومات كوني لستُ بصورة واضحة عن السوق لآوروبية المشتركة والإتحاد الذي أعقبه، فكلاهما -مثلما تعرفين- خارج إختصاصي وإهتماماتي.
    أما مقالتك المختصرة هذه فقد جعلتني وسط الإطار وتوضّحت لدي صورة وافية عن مجريات الأمور.
    فألف شكر لك يا سيدتي “أم مريم” على ما أبدعتِ، والله يسترك وجميع العائلة من كل مكروه ويحفظك ذخراً لهم ولنا.
    وإلى المزيد بعونه تعالى فقد غبتُ عن قراءة كتاباتك منذ 2006 ولحد هذه المقالة الممتازة.
    وتقبّلي وافر الإحترام والتقدير من كل أقراد عائلتي.
    مخلصكم
    د.صبحي ناظم توفيق
    إستانبول.. في 14/12/2018

  4. حضرة السيدة الدكتورة سوسن إسماعيل العساف الموقّرة
    تحياتي لشخصك ولقرينك المقدّس لديّ أستاذي د.سعد ناجي المحترم
    ليس من قبيل المجاملة -التي لا أحتاجها- فإني قرأت البعض من المقالات التي تكرّم البعض عن معضلة خروج بريطانيا من الإتحاد الآوروبي وإرتبكت عليَّ المعلومات كوني لستُ بصورة واضحة عن السوق لآوروبية المشتركة والإتحاد الذي أعقبه، فكلاهما -مثلما تعرفين- خارج إختصاصي وإهتماماتي.
    أما مقالتك المختصرة هذه فقد جعلتني وسط الإطار وتوضّحت لدي صورة وافية عن مجريات الأمور.
    فألف شكر لك يا سيدتي “أم مريم” على ما أبدعتِ، والله يسترك وجميع العائلة من كل مكروه ويحفظك ذخراً لهم ولنا.
    وتقبّلي وافر الإحترام والتقدير من كل أقراد عائلتي.
    مخلصكم
    د.صبحي ناظم توفيق
    إستانبول.. في 14/12/2018

  5. أتمنى لهذه المتعجرفة تيريزا ماي المزيد من التخبط والفشل وكذلك أتمنى لبريطانيا المزيد من التراجع لأنها لم تترك اي ذكرى جميلة نتذكرها لماضيها في وطننا العربي فكل ماضيها مخز لها وعلى رأسه مأساة فلسطين التي شردت الشعب الفلسطيني وتسببت لمعظم الدول العربية بماسي كثيرة جائت كتداعيات للنكبة الفلسطينية منها مثلا فصلت التواصل الجغرافي بين شرق الوطن العربي وغربه ومنها ايضا قيام الانقلابات والدكتاتوريات بالتحكم ببلادها وعدم اتاحة الراي لشعبها بحجة التحضير لتحرير فلسطين….(ولا شيء يعلوا على صوت المعركة),
    وكان أخر عجرفة من تيريزا ماي وهي تمثل الاستعمار البريطاني رفضها الاعتذار عن تسببها بالمأساة الفلسطينية في الذكرى المئوية لوعد بلفور المشؤوم (2 تشرين ثاني نوفمبر 2017) والذي وعدت فيه بريطانيا اليهود باعطائهم وطنا قوميا في فلسطين(وعد من لا يملك باعطاء وطن لمن لا يستحق)
    دعواتي لبريطانيا بمزيد من التراجع والتخبط لكون تداعيات القضية الفلسطينية لا زالت حتى يومنا هذا تتسبب بالمزيد من الماسي للفلسطينيين وللعرب

  6. شكرا للدكتورة سوسن، فقد وضحت لنا تفاصيل كثيرة لم نكن نعرفها حول الموضوع

  7. شكرا لكِ دكتورة سوسن إسماعيل العساف كثيرا على هذا المقال…

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here