أزمات المنطقة تُطلق عنان الأردن للبحث عن تحالفات جديدة

عمان/ الأناضول 

أزمات لا تنتهي، حروب دائمة ودول هائمة، وصراعات دولية للتسابق على استغلال “واقع الحال”، الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط.

السياسة لا تلتفت لمبادئ ولا يعنيها الخراب والدمار والتشريد، فكل ذلك أساليب في نظر كثير من الدول لتحقيق أهداف عنوانها “كل شيء مباح في عالم مستباح”.

الأردن دولة أثبتت ذاتها، رغم أزمات المنطقة وحروبها المستعرة والمحيطة بها، وعلى الرغم من حفاظها على استقرار دام سنوات، لكن تفاقم ما يجري عبر مخططات تقودها واشنطن، و”إسرائيل”، دفع عمان للتفكير مليًّا في البحث عن تحالفات جديدة تُحافظ من خلالها على الوضع القائم والنهوض باقتصاد بات يشكل معضلة كبيرة لها.

“صفقة القرن” المرتقبة، يحوم حولها الكثير من علامات الاستفهام في بنودها وأهدافها، فالأردن وتركيبته الديموغرافية مع وجود غالبية فلسطينية وضعه على المحك، مع قرب الإعلان عن الصفقة المشبوهة.

عاهل الأردن، الملك عبد الله الثاني، لم يُخفِ بأنه تعرض لضغوط شخصية فيما يتعلق بتلك الصفقة والوصول إلى تسويات للصراع الفلسطيني الإسرائيلي؛ لكن موقف عائلته التاريخي تجاه القدس ووصايته على المقدسات فيها، دفعه للإعلان وعلى الملأ بأن بلاده لن تقبل بأي تنازلات.

انطلاقًا من ذلك، أصبح الأردن كغيره من الدول، تنطبق على صورته العامة مقولة “ونستون تشرشل”: “في السياسة ليس هناك عدو دائم أو صديق دائم هناك مصالح دائمة”.

**

المحور التركي القطري

شهدت العلاقات التركية الأردنية تطورًا لافتًا في عهد حزب “العدالة والتنمية”، تخللها زيارات متبادلة بين المسؤولين في البلدين، وبدا ذلك جليًّا من خلال مواقف أنقرة الداعمة لعمان في وصايتها على القدس والمقدسات الإسلامية فيها.

تلك المواقف أذابت جليدًا دام لسنوات، وفق ما يراه محللون، في طريق التقارب بين الأردن وتركيا، فقد أثبتت تركيا من خلالها حسن نيتها تجاه المملكة، قاطعة الطريق على المشككين بأنها تسعى لإزاحة عمان عن ملف القدس.

معطيات كانت كفيلة بأن تنفتح المملكة الأردنية من خلالها على الجمهورية التركية، فقد أظهرت لقاءات المسؤولين في كلا الدولتين توافقهما الكلي ووحدة القرارات المصيرية، خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية.

أما قطر، فرغم قرار عمان بتخفيض تمثيلها الدبلوماسي وإغلاق مكتب قناة “الجزيرة”، إبان أزمة الخليج، عبرت الدوحة في مواقف كثيرة عن وقوفها إلى جانب عمان، متجاهلةً بصورة أخلاقية موقفها غير المنحاز لدول الحصار عليها.

ومنذ يونيو/ حزيران 2017، تعصف بالخليج أزمة كبيرة، بعد ما قطعت كل من السعودية والإمارات والبحرين ومصر، علاقاتها مع قطر، وفرضت عليها إجراءات عقابية، بدعوى “دعمها للإرهاب” رغم نفي الأخيرة.

وبعيد الاحتجاجات الشعبية التي اجتاحت الأردن في يونيو 2018 وأطاحت برئيس الوزراء السابق هاني الملقي، أعلنت قطر في الشهر ذاته تقديمها حزمة استثمارات في الأردن بقيمة 500 مليون دولار، تستهدف مشروعات البنى التحتية والمشروعات السياحية، وتوفير 10 آلاف فرصة عمل للشباب الأردني بالدوحة.

في السياق، قال أستاذ العلوم السياسية في جامعة “اليرموك” (حكومية)، أحمد سعيد نوفل، إن “كل الدول تتغير في تحالفاتها، لأن العالم يتغير وخاصة منطقة الشرق الأوسط، فالبيئة الحالية تحتم على الأردن اختيار حلفاء جدد”.

وأضاف نوفل في حديث للأناضول: “الولايات المتحدة كان كانت أكبر داعم للأردن، ولكنها تخلت عنها في موضوع القدس رغم مكانتها بالنسبة لعمان وما نصت عليه اتفاقية وادي عربة (1994)، وعلى الرغم من ذلك ضربت واشنطن كل ذلك بعرض الحائط، ولم يحترم كوشنر (مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب) ذلك عندما قال إن السيادة على القدس إسرائيلية”.

واعتبر الخبير السياسي الأردني والأكاديمي المخضرم، أن “المراهنة على النظام الرسمي العربي لم تعد كما كانت، والأردن مطالب بإعادة رسم النظام العربي من خلال تحالفات جديدة كتركيا وإيران وروسيا”.

وأشار أن “الأردن بحاجة لتطوير علاقاته مع دول قوية كتركيا، وليس مع اليونان كما جرى مؤخرًا وهي دولة معادية لأنقرة”.

وتابع: “هناك فوضى في المنطقة، ولا بد من بناء تحالفات جديدة في المنطقة.. كل دولة عليها أن تعمل لمصلحتها ومصلحة الأردن في بناء تحالفات جديدة”.

من جانبه، قال النائب نضال الطعاني، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأردني (الغرفة الأولى للبرلمان) إنه “من السهل على الأردن أن يفتح علاقات مع كل دول العالم، وهو في حالة توازن مع كل الأطراف ومحب للسلام ومحارب للإرهاب”.

وأشار الطعاني في حديثه للأناضول إلى أن “الأردن يمر بظروف استثنائية، وله محور يمشي عليه، ولا يمكن إلا أن يقوم بتموضع يخدم الوطن”.

واستدرك الطعاني بالقول: “لا يوجد محرمات سياسية، فبالتالي من حقه أن يجد تحالفات تخدم مصلحته أولًا وأخيرًا، وبما يحقق له مصالحه”.

**

”صفقة القرن” نقطة التحول

تعتزم واشنطن، بعد شهر رمضان الجاري، إطلاق خطة للسلام (صفقة القرن)، يتردد أنها تقوم على إجبار الفلسطينيين، بمساعدة دول عربية، على تقديم تنازلات مجحفة لصالح إسرائيل، خاصة بشأن وضع القدس وحق عودة اللاجئين.

قرارات أمريكية غير مسبوقة، رافقت تولي دونالد ترامب قيادة البيت الأبيض، ابتداءً من الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وصولًا لاعتراف واشنطن بالسيادة الإسرائيلية على الجولان المحتل.

مجمل تلك القرارات، اعتبرها محللون أنها تعكس أن “إسرائيل أولوية أمريكية”، وأن واشنطن تدير ظهرها لأي دولة في المنطقة، متجاهلة تحالفات استمرت لعقود، بما فيها الأردن.

قطع الولايات المتحدة مساعداتها عن “وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين” (أونروا)، كانت خطوة كافية تُشعر عمان بتخلي واشنطن عنها، في ظل وجود عشر مخيمات للاجئين الفلسطينيين فيها، حيث كانت المنظمة الأممية تحمل عن المملكة الأردنية جزءا من الأعباء.

ظروف اقتصادية صعبة تعيشها عمان لا تحتاج فيها للمزيد، دفعتها لتحرك دولي غير مسبوق لاستمرار تقديم الدعم لأونروا؛ تعويضًا لما أوقفته الولايات المتحدة عنها.

بدوره، قال مازن العقيلي، أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة الأردنية (حكومية)، إن “الإدارة الأمريكية الحالية تنحاز بالكامل إلى المصالح الإسرائيلية وبدعم من بعض الدول العربية، وهذا الانحياز على حساب مصالح الدول الحليفة للولايات المتحدة الأمريكية ومنها الأردن”.

وأضاف العقيلي في حديث للأناضول: “لذلك نجد البرود في العلاقات بين عمان وواشنطن، بما أن صفقة القرن وما تسرب من معلومات عنها أنها تصفية للقضية الفلسطينية على حساب الأردن، وبدون أن يكون للأردن وفلسطين دور محوري فيها”.

وتابع: “هذا الموقف وضع الدول المعنية بموقف محرج جدًا وبالذات الأردن، لذلك لا بد من تحصين الجبهة الوطنية وكذلك البحث عن تأييد دولي يدعم الموقف الأردني.. أعتقد أن قطر وتركيا ربما تكون المخرج المؤقت لمقاومة الضغوطات الأمريكية والإقليمية”.

**

تخاذل خليجي

الموقف الخليجي الذي يصفه بعض المحللين بـ”المتخاذل”، كان من أبرز دوافع عمان نحو تحالفات جديدة، فهم يرون أن “الموقف الإماراتي السعودي” الحلفاء التقليديين، ليس بالمستوى المطلوب تجاه الأردن، الذي كان ولا يزال قلعة أمنية حصينة لتلك الدول.

وقال نوفل إن “دول الخليج أدارت ظهرها للأردن خاصة في الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها، وقد تحدث العديد من المسؤولين الأردنيين عن ضرورة تقديم دول الخليج مساعداتها للمملكة كي لا تقع في أزمات داخلية”.

واصفًا سؤاله بـ”البرئ”، مضى نوفل بالقول: “هل توافق دول الخليج على أن يقع الأردن في هذه الأزمة الاقتصادية؟ هل من مصلحة الخليج أن تقع الأزمة في الأردن وتؤثر على استقراره ما ينعكس على الاستقرار في المنطقة؟”.

فيما نوّه العقيلي إلى أن “دول الخليج لم تقدم الدعم الذي كان يقدم سابقًا للأردن، وبالذات في الصراع العربي الإسرائيلي والقضية الفلسطينية، وأصبحت الاتصالات مع الكيان الإسرائيلي ودول الخليج على مستويات عالية جدًا”.

وأشار أن “الاختلاف في مصادر التهديد للأردن ودول الخليج زاد من حدة الخلاف بينها وزاد التوتر في العلاقات؛ لان كل منها يبحث عن تحقيق مصالحة بدون الأخذ بعين الاعتبار مصالح الدول الأخرى”.

وفي السياق ذاته، أوضح العقيلي أن دول الخليج تنظر إلى أن إيران باعتبارها هي من تهدد أمنها، فيما يرى الأردن أن حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي أولوية.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here