أردوغان في دمشق لمقابلة الأسد؟

fawzi hadid.jpg 44444

فوزي بن يونس بن حديد

بعد أن فشلت القوى الامبريالية والاستعمارية في تطويع المنطقة نحو مشروعها الاستعماري والاستفزازي وأدخلت دولا بأكملها في دوامة من الاضطراب السياسي والاقتصادي والاجتماعي، قامت هذه الدول الاستعمارية بعد احتلال العراق عبر صواريخها المباشرة إلى تفتيت العراق والضرب على الطائفية والقبلية وإشعال نار الفتنة بين السنة والشيعة والأكراد لتقوم بدورها في مسلسل النهب والاستغلال، بسرقة الثروات الطبيعية والتحف الفنية غالية الثمن وغيرها من الموارد  الطبيعية والقضاء على الثروة البشرية بسياسة التضييق أو النفي أو الاغتيالات أو الاعتقالات، كلها سياسات لا تحترم إنسانية الإنسان ولا حرمة المكان.

هذا الوضع تورّطت فيه عدة دول عربية وإسلامية ومن بينها تركيا التي كانت يوما دولة محايدة لها موقفها السياسي الخاص الذي يحترمه الصديق والعدو، ولكن بعد أن تورّطت في الحرب على سوريا بدعوى مساعدة الشعب السوري وتحريره من الظلم والاستبداد، ثم بعد أن فتحت حدودها للإرهابيين أن يدخلوا من حدودها بأعداد هائلة تفد إلى سوريا من كل صوب ومن كل فج عميق حتى يغرسوا الإرهاب في نفوس المسلمين ويغيّروا وجه المنطقة من جديد ويؤسّسوا لشرق أوسط جديد، بانت الحقيقة بعدها أن القوى الامبريالية تريد أن تنشر الفوضى وتنهب الثروات وتغيّر ديموغرافية البلدان عن سبق إصرار وترصد دون حياء، وهذا ما حدث عبر إنشاء هذا  الأخطبوط  المسمى داعش الذي عاث في الأرض فسادا باسم الإسلام شرقا وغربا وامتد إلى العراق وتمدّد إلى أن وصل شمال إفريقيا وعبَر القارات، وبدأ يهدد أوروبا وربما نهش الكلب صاحبه وولّى عليه حينما بدأ ينهش من أسّسه.

هذه التداعيات استفاد منها عدد من الدول لا سيما الدول المستهلكة للنفط، حيث سيطر داعش على حقول النفط في العراق وسوريا وبدأ يروج للسلعة وتعاملت معه جملة من الدول مما أحدث هزة كبيرة في سوق النفط كادت دولٌ بأجمها أن تفلس لولا رحمة الله ولطفه بهذه الشعوب الفقيرة المحتاجة المغلوب على أمرها، ومن بين الدول التي استفادت أيضا تركيا كما جاء في التقارير الدولية، خاصة وأن النفط قد انخفض إلى أدنى مستوياته منذ سنوات طويلة مما أحدث تشوّها في الميزانيات لدى كثير من الدول التي اتبعت سياسة التقشّف وإنهاك شعوبها لتتخلص من التبعات والخسائر الهائلة.

وبينما بدأت فصول الحرب تتضح دخلت قوى أخرى في الحرب على سوريا لها وزنها العالمي وثقلها العسكري، فتغيّرت الموازين وفرضت روسيا الأمر الواقع وأفسدت الخطة الأمريكية الصهيونية المبنيّة على السيطرة التامّة على مقدّرات الشعوب العربية والإسلامية وإذلالها، وفرضت واقعا جديدا آخر مخالفا للواقع الذي رسمته أمريكا وإسرائيل وبدأت الحقائق تنجلي للعالم بأجمعه. خافت القوى الكبرى التي كانت دوما تنادي برحيل الأسد من السلطة وغيّرت رأيها تصريحا أو تضمينا وأقصد بالدول الكبرى ليست الدول الصناعية الكبرى وإنما الدول العربية التي لها ثقلها في المنطقة كالسعودية وغيرها التي كانت دائما تنادي برحيل الأسد، بل حتى الدول الغربية نفسها بدأ موقفها يتغير وفق الأحداث الجديدة التي ظهرت على الساحة.

وأمام هذا الواقع الجديد الذي نحن فيه اليوم وبعد أن هُزم داعش في عقر داره وبدأ يضمحلّ ويندثر في المنطقة، أدركت تركيا أنها مذنبة وأنها على غير صواب حينما عارضت نظام بشار الأسد وحينما كان موقفها مساندا للإرهاب، وحينما وقفت تنادي بأعلى صوتها أنها ستحارب النظام السوري، كانت وقفتها هزيلة بعد أن رأت الدب الروسي ينزل بكل ثقله في المنطقة، بل أدرت تركيا اليوم وأيقنت أنه لا مجال إلا بالعمل مع نظام بشار الأسد.

ومما زاد الطين بلة ما حدث يوم الاثنين الأسود 25 سبتمبر 2017م في نظر تركيا، وهو الحدث الأبرز في المنطقة وهو الاستفتاء الذي جرى في كردستان العراق وصوّت عليه الأكراد بنعم، كان قنبلة نووية انتشرت في جميع أنحاء تركيا معلنة الحرب على الأكراد العدو اللدود لها، فماذا كان هذا؟ لا شك أنه كان نتيجة لسياسة خاطئة اتبعتها تركيا في تعامها مع الملف السوري وتجني اليوم ما جنت يداها من قبل.

اليوم وبعد ما حدث، وهو لا شك مؤامرة واضحة على المنطقة برمتها، يشكل لاعباها الأساسيان أمريكا وإسرائيل اللتان ترحبان بانفصال كردستان، رغم إخفاء الأولى فرحتها وإظهار الثانية دعمها الكامل واللامحدود، كل ذلك يصب في مصلحتهما وتبقى تركيا الضحية الأولى والخاسرة الأولى جراء هذا الانفصال الذي يبدو أن برزاني وأتباعه مصرون عليه ويكرسونه واقعا كما قالوا، وما تحرّك تركيا والعراق وإيران إلا زوبعة في فنجان. لا شك أن أردوغان لا يخفي اليوم أنه مستعد للتعاون مع سوريا في جميع المجالات لأنه سيخسر سوقا كان يدرّ عليه الأرباح وبالتالي لا بد له من مخرج من هذه الأزمة السياسية الاقتصادية.

وعندما ذكرتُ لصديق كان محبّا جدّا لأردوغان ومعارضا لسياسة سوريا أنك سترى أردوغان يوما يصافح الأسد في دمشق سخر مني واعتبرها مِزحة، لكنها اليوم ربما تتحقق واقعا ويزور أردوغان دمشق طالبا الصفح والعفو عما بدر منه من أخطاء جسيمة على كل المستويات، فهل سيغفر له الأسد؟ أم أن مساعدته للشعب السوري عندما آوى المهاجرين منهم ستشفع له في ذلك؟

 [email protected]

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. في السياسة لا مجال للعواطف . سوريا تكبدت خسائر فادحة نتيجة صمود اهلها ، مشكلة تركيا ليست مع الاكراد ستكون مع الآتي من الجيل السوري الذي ولد وراى وطن يدمر بلا رحمة بتمويل خليجي وتواطئ تركي ومباركة امريكية . لقد انفرط عقد العروبة والاسلام . لا احد اصبح يثق في احد . لا زلنا عبيد لافكار واطماع صانعي لورانس العرب .

  2. هل مسألة السياسة الإقتصادية هو الدافع الرئيسي لتركيا وإنفصال الكرد في العراق سيجعل التعاون بين الأسد و أردوغان مباح و أكثر ضرورة من أجل إنقاذ مايمكن إنقاذه بينما هم أرتكبوا بالنهاية أخطاء حيث مصالحهم الخصوصية أهم من الشعب والوطن. هل التدخل الخارجي في قضية العراق من الخارج لا سيما من يوجد بهم أكراد بالسلاح والحديد والنار بحجة عدم تفكيك وتفتيته أمر إجباري وضروري حتى لا يتكرر في بلدان أخرى من تكرار ذالك إذا كانت هذه الأقلية مظلومة ومقهورة مثل الأغلبية القومية العرب وغيرهم دون الرجوع إلى المنطق والعقل والحل الديبلوماسي إذا كانوا الساسة يريدون الرجوع إلى الطريق المستقيم والغفران والتوبة وأن يوضحوا ويؤكدون لشعوبهم أنهم شبعوا مالا ونعام ولا يريدون التنافس والتصارع على المناصب والحكم الغير الشرعي إذا ظنوا لا قدرة لهم ولا طاقة في إدارة شؤون وما يخص الشعوب والأطان.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here