أربع عناصر مفصليّة من أجل مكافحة الإرهاب

deif-hamzah-seif-very-new

ضيف حمزة ضيف

 

 

دعونا نتفق أولاً على أن الإرهاب هوإقصاء نهائي أونسبي يهدف إلى إنهاء حالة بعينها دون الأخذ بالمبررات والأسباب القانونيّة التي تفصل بين الحق في الدفاع المشروع عن النفس والوطن إزاء احتلال خارجي، والواجب الضروري والإلزامي بالكفّ عن ممارسة هذا الحق بعد انتفاء السبب والمبرر، مع الحق في المتابعة القضائيّة من أجل التعويض عن الضرر المادي والمعنوي بما ترتب عن ذلك التعويض من عقوبة مقدّرة من لدن الجهاز القضائي الدولي، والتي لا تخرج عن نطاقين : عقوبة سالبة للحريّة، وتقدير مادي لجبر الضرر المعنوي والأدبي، مع إمكانيّة الجمع بينهما بحسب تحديد جنس الضرر  بما للقاضي من سلطة نصيّة قوامها المواد والآليات الجزائيّة، وسلطة تقديريّة تخضع لتقدير القاضي متى لم تشتمل النصوص على نظرية “كفاية التشريع”، مع الحق في الدفع بعدم كفاية هذا التشريع من قبل الدول الأعضاء تفادياً للاجتهاد المطلق فيما لا نص فيه .
هنالك نقطة مهمة يمكن أن تكون محطة البدء في مكافحة الإرهاب، وهي التوافق على تعريف دقيق لهذه الكلمة الملغومة، وأن حادت البوصلة عن التعريف الدقيق لهذا المصطلح ستغدوجميع الإجراءات والتوصيات مجرد كلام مرسل لا قيمة له، وعلى الأرجح لن يزيد عن كونه اجتماع دولي يضمّ أربعين دولة تتبادل الأنخاب دون أن تجد مستقراً ملموساً لتفادي خطر الإرهاب ومكافحته، ذاك أن الأمم المتحدة ومنذ 1975 لم تجد تعريفاً جامعاً لـ”الإرهاب”، وما الغبش الذي يلف مضمون هذه الكلمة إلا دليلاً على الالتباس الشديد، في التفرقة بين المقاومة والإرهاب، وكل الخلاف الذي غذته هذه الدول وأولها الولايات المتحدة الأمريكيّة جاء لكي يضيف كمّاً من الدسم المضر لهذا المعنى، إذّ أن الدفاع المشروع عن النفس والوطن قد يكون إرهاباً متوازناً مع الاجتهادات الشخصيّة لهذه الدول في ضبط هذا المصطلح، وقد رأينا كيف يتم درج الجماعات الوطنيّة المقاومة في خانة الإرهاب دون تعلة قانونيّة جاهزة للنقاش ومحفزةً  للمرافعة.
والحال أن مؤتمر بروكسل 1926 قد فتح المجال واسعاً للاختلاف حول تعريف الإرهاب، وما ترتب عنه كان عطفاً غير محموداً على تطبيقات هذه الكلمة، والاختلاف في تحديد فعل الإرهاب بات خاضعاً لتقديرات ثقافويّة من جهة التحديد الاجتماعي لمعنى الكلمة، وإنسانوياً مطاطياً بحسب ما تقتضيه مصلحة إنسان يعيش في مكان بعيد عن المتضرر منه بشكل مباشر، لذلك وجب من الدول التي تزعم أنها ستكافح الإرهاب إدراج تعريف فقهي قانوني لمعنى الإرهاب، قبل أن يخوضوا في مكافحته، لأن المنطق القانوني السائد في كل أعراف الدول أنّه “لا جريمة إلا بقانون” و”لا حماية لحق إلا بنص ملزم “، والرغبة الملحة لقصّ جذور هذه الآفة، منوط بمدى توافق التقدير الدولي الموحد حول الفصل القانوني بين المقاومة والإرهاب، قبل أن تبدأ ملامح التصدّي الثقافي والتربوي لهذا الفكر، الذي يخضع دائماً إلى نزعة عالمثالثيّة غير فاعلة .
الولايات المتحدة التي لم تتقيّد باتفاقية “جنيف – 1949″ القاضيّة بحماية الأشخاص المدنيين في زمن الحروب، وإيجاد ديناميّة فعّالة لتطبيق هذه الحماية، تجعلها قريبة الذاكرة مما وقع في العراق وأفغانستان، ذلك أن القصف العشوائي الذي حدث ولّد خرقاً قانونياً في جوهر المعاهدة التي اشتملت على 159 مادةً مشمولة بالإلزام والنفاذ المعجّل، فضلاً عن التقيد بالمعيار القانوني الدولي الذي ينتصر لسموالمعاهدة والاتفاقية عن القوانين الداخليّة، سيما وأننا شهدنا كيف أن الأمين العام للأمم المتحدة السابق السيد” كوفي عنان” قال : ” إنّ احتلال العراق أمر غير قانوني”، بيد أن هذا التصور سوف تذروه الرياح بمجرد أن نطّلع على مذكرات “بطرس بطرس غالي” الذي قال فيها وبصراحة تامة فيما معناه، أن أيّ مسودة قرار تمر على الولايات المتحدة الأمريكيّة قبل طرحها للتصويت الأممي، ومع هذا التململ والصراحة في ذات الوقت، يطفوالاعتقاد الراسخ بأن أكبر جهاز قانوني في العالم  بات رهيناً لمزاج أمريكي موجه وغير منصف، ومنه ما يحدث ردّاً على هذه السيطرة الأمريكيّة على القانون الدولي في صيغته العمليّة يؤكد أنّه سوف يتصف بالعنف من جهة، وسيتجاوز كل الأعراف والقيم من جهة أخرى ..
والحق أن ما تقدم ذكره ليس تبريراً على الإطلاق، بقدر ما هومحاولة للبحث في السبب الذي يؤجج حاجة النفس إلى الانتقام بعيداً عن فرامل العقل،  وبالتالي يصعب ضبط هذه الأعمال بعيداً عن تجفيف منابعها ..
واقع الأمر أن الاتفاق على تعريف ضابطٍ لمصطلح الإرهاب، وتوسيع العضويّة الدائمة لمجلس الأمن، ووضع نصاب قانوني في الجمعيّة العامة يصبغ قراراتها بالإلزام، يمكّن للدول الصغيرة توخي شيئاً من الأهميّة يؤهلها لصناعة القوانين وحق التحفظ  عليها، مع تفعيله بما يمنحهُ قدرةً قانونيّة على إبطال القرار أوإلغائه، بدل تصنيفه في زاوية الممتنع الذي يخرج من نصاب التصويت، إضافةً إلى الأخذ بالتصنيف القانوني “إرهاب أشخاص، وإرهاب دول” بعين الاعتبار، وضرورة التعامل مع كل الدول كأشخاص قانونيين يطالهم القانون في شقه العقابي والإجرائي، يولّد اتفاقاً دولياً على أن المشاركة في تحقيق عالم آمن مسؤوليّة عامة وليست حكراً على دول دون أخرى .
ولنعطي مثالاً واحداً على جذور التردي الأممي حيال أول المسائل وأصلها على الإطلاق في منطقة الشرق الأوسط، وهي “القضيّة الفلسطينيّة”، ملتزمين بالاستفهام المشروع حول الملابسات المعروفة التي رافقت إلغاء قرار أممي مجمع عليه من قبل أثنين وسبعين دولةً ؛ يعتبر الصهيونيّة ” شكل من أشكال العنصريّة والتمييز العنصري” ويطالب دول العالم بالتصدّي لهذه الإيديولوجيّة العنيفة والعنصريّة باعتبارها تقوّض السلام والأمن العالميين، ويحق لنا التساؤل بصرامة  حول الجذر الخفي وراء إبطال هذا القرار  : هل إلغاؤه بموجب قرار آخر 86/46 (1991) يمتلك قيمة قانونيّة تجعلهُ يملك حزماً مفصلياً وشاملاً يجعله يبطل القرار الأول ؟
يمكن القول  أن ما قاله الفقيه القانوني الألماني “أهرنج”، كفيلاً بإجمال المسألة كلها : ” إنّ تاريخ العقوبة هوإلغاء مستمر لها ” .
قصارى القول ؛ ثمة أربع عناصر أساسيّة لمكافحة الإرهاب، هي على التوالي :
أولاً : العودة إلى القرار الأممي رقم 3379 المؤرخ في 10 نوفمبر1975، وإلغاء القرار86/46 المؤرخ في 16 ديسمبر 1991 .
ثانياً : منح أعضاء الجمعيّة العامة مقدرةً قانونيّة على اكتساب قراراتها إلزاماً قانونياً دون المرور على مجلس الأمن .
ثالثاً : توسيع العضويّة الدائمة في مجلس الأمن مع سن مرسوم تنظيمي يلزم دول الفيتوببيان أوجه الاعتراض، وإخراج المحكمة الدوليّة من قمقمها لتطال جميع الدول والأشخاص، وفق اتفاق دولي على التوقيع على برتوكولها المؤسس .
رابعاً : إيجاد صيغة تعريفيّة عامة ومجردة وواضحة لمصطلح “الإرهاب” .
خارج هذه التوصيات كل ما سوف يكتب لن يساوي ثمن الحبر الملقى على الورق، ولا يزيد عن كونه “كلام نواعم”، طبعاً مع الاحترام والتقدير لكل نواعم العالم ..

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. فعلا كما يقال ” القانون الدولي بلا اسنان ” او بالاحرى له طقم من الاسنان يستعمله حين تريد القوى العظمى ذلك ويستغني عنه حين لا تريد ذلك ، واتى مفهوم الارهاب لكي يصبح شماعة للنيل من اي قوى تخرج عن الخط الامريكي فيوزع تارة على قوى مقاومة ولا يناله من يعبر عن الارهاب بعينه كاسرائيل مثلا والتي اجمع على ارهابها الراي العالمي قبل العربي وعبرت عنه قرارات الجمعية العامة – كما اوردت في المقال – صحيح ان العالم تجيش لمحاربة الارهاب – حسب نظره – ولكن دون القضاء عليه لما يمثل من منفذ مختصر وجاهز لاي اطماع او مصالح تراها تلك القوى، ياصديقي اظنّهم لن يأخذو برايك وبراي كل من يريد للعالم ان يعيش في سلام .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here