أحمد عزيز الحسين: علي كنعان: بين حنظل الحياة ورحيق الشِّعـر

 

أحمد عزيز الحسين

أصدر الشّاعـرُ السُّوريّ علي كنعان كتابه (الحنظل والرّحيق: رؤى وهواجس في الشّعر والحياة) عن دار التّكوين بدمشق في عام 1919، وقدّم فيه قبساتٍ من سيرته الذّاتيّة، وسلّط الضّوء على تجربته الشِّعريّة، وما قام به من أنشطة ثريّة في حقول الصّحافة الثقافيّة، والتّرجمة، وأدب الرِّحلات، وقد أتاح للقارئ أن يطّلع، من خلال هذه السِّيرة، على ما اختطّه جيلُه الشِّعريِّ من مسارٍ محدَّد كان له أثره الكبير في الحياة الثّقافيّة في وطنه،  ونبّه، في مقدِّمة كتابه، إلى أنّه لا يتحدّث، عن نفسه بوصفه فرداً، بل يتحّدث عن أبناء جيله أيضاً، لأنّ السِّياق الذي عاش فيه جعله جزءاً من مجموعة لم يكن الفردُ فيها يحبّ أن يرى نفسه وحيداً، ولهذا لم يستطع أن يتحدّث عن ذاته بمعزل عن ذلك الجيل العروبيّ المتألِّق الذي ارتاد جامعة دمشق في الخمسينات وأوائل السّتينات من القرن المنصرم، وكان يطمح إلى تحقيق قيمٍ وطنيّة وقوميّة، ومثلٍ جماليّة عليا، ويتطلَّع إلى تشكيل فضاءٍ اجتماعيٍّ مُفعَم بالحريّة والعدالة، والنُّزوع الإنسانيّ الغامر والفيّاض؛ ولذلك حين يتحدّث عن ذاته، في هذا الكتاب، فإنّما يتحدّث عنـها بوصفها خلية من نسيج اجتماعيّ محدَّد يشكِّل صعودُه جزءاً من صعود وطن، وتفتُّح شهيّته للحياة والنّهوض، وامتلاكه الرّغبة العارمة في بناء هُويّته على الصّعيدين الوطنيّ والقوميّ.

في المنهج وآليّة الكتابة

وقد نبّه كنعان، في المقدّمة التي كتبها لذكرياته، إلى أنّ استدعاءه لها لم يخضع للتّسلسُل الزّمنيّ التّعاقُبي؛ لأنّ الفكر الإنسانيّ، في رأيه، لا يسير على سكّة قطارواحد، كما أنّ الخيال الشِّعريّ لا يخجل من تكرار الفكرة أو الواقعة بصور مختلفة تجعلها تتوهّج حارّةً صارخةً، أو تسترخي في هدوء بارد؛ ولذلك أفسح في المجال لتيّار التّداعيات كي يجري بأناة وسلاسة دون الوقوع في شرك الشّطط والتّردُّد، أو الوقوع في فخِّ الإسهاب والاسترخاء؛ ولذلك يستطيع المتلقِّي أن يلحظ أنّ صورة الحنظل والرّحيق تتردّد في ثنايا كتابه، وتتجلّى بأعداد لاحصر لها من الحوادث والقصص التي مرّ بها، أو رآها، أوسمعها في مسيرة حياته الثّريّة، الحافلة بالأحداث والوقائع. كما نبّه، أيضاً، إلى أنّه سوف يقتصر، في عرض ذكرياته، على القرن العشرين وحسب، أمّا ما جرى في بلاده من أهوال وحشيّة ودمويّة خلال سنوات غربته عن سورية  فسوف يكتب عنها بعد عودته إليها، وبعد أن يطوف بين مدنها، ويزور ما تبقّى من أصدقاء الزّمن الجميل، ويتحقّق بنفسه ممّا جرى فعلا، ويستجلي كوامن الأحداث دون أن يقع في إسار ما تروّج له قنواتٌ فضائيّة مُغرِضة كـ(الجزيرة) وغيرها.

من البادية إلى المدينة

وقد تطرّق الشاعر كنعان، في مُستهلِّ سيرته، إلى العوامل الموضوعيّة الموجودة في قريته المشلوحة على كتف البادية، والتي كانت تشكِّل عاملَ إحباطٍ له في تلقِّي العلم، ومنها: الفقرُ الشّديد، وبُعْدُ قريته عن المدينة، وعدمُ وجودِ مدرسةٍ فيها، ومع ذلك استطاع تجاوزَ ذلك كلِّه بإرادته الصُّلبة، ورغبته العارمة في تحقيق ذاته؛ إذْ حفِظ القرآنَ الكريم على يدي أبيه وأخيه الأكبر، وألمّ بمبادئ القراءة والكتابة والحساب، واطلّع على قسطٍ وافر من القصائد التُّراثيّة الشّهيرة التي كان يحفظها أخوه الأكبر، ويترنّم بها، كما اطّلع على السّير الشّعبيّة العربيّة، وبعض ما وقعت عليه يداه من روايات وقصص وقصائد عربيّة، ومالبث أن انتقل من قريته الرِّيفيّة إلى مدينة حمص، التي كانت تُعَدُّ بيئةً منفتحةً على الآخر، ومتسامحةً معه، فضلا عن توفُّر مدرِّسين أكفياء غذَّوا فيه الرّغبة في طلب العلم والقراءة، وأمسى بعضُهم في عداد الشّخصيّات العلميّة والفنيّة المرموقة في وطنه، كـ(شاكر الفحّام، ورضا صافي، وعبد المعين الملوحي)، وغيرهم.

ويذكر كنعان أنّه أصيب بمرض عُضال حال بينه وبين الاستمرار في دراسته، وأجبره على مغادرة حمص إلى لبنان للاستشفاء، ثم انتقل إلى دمشق لاستكمال العلاج، ولكنّه عاد إلى طلب العلم برغبة شديدة بعد انقطاع دام ثلاثَ سنواتٍ؛ حيث نال الشّهادة الثّانويّة من المعهد العربيّ الإسلاميّ في مدينة حمص، ثمّ انتسب إلى قسم اللغة الإنجليزيّة في جامعة دمشق، واستوطن مدينة دمشق مع زملاء آخرين له وفدوا إليها من محافظات سوريّة أخرى، في مقدّمتهم : فؤاد نعيسة، وممدوح عدوان، وفواز عيد، وسعدالله ونوس، وتيسير سبول، وفايز خضور، وعبد الكريم كاصد.

ولم تكن دمشق، كما يذكر الأستاذ كنعان، فضاءً طارِداً للطُّلاب الرّيفيّين في الخمسينات والسّتينات من القرن العشرين، بل كانت بيئةً جاذبةً لهم؛ إذ احتضنتْ منْ قصدها منهم، وعاملتْهُم كأبنائها، ووقفتْ إلى جانبهم؛ ولذلك لم يرَ في مواطنيها إلّا أهلاً وإخوةً وأصدقاء؛ وهذا ما حفزه على إثراء عقله وحياته بما شاهده في أحيائها وبيوتها الحميمة المُتعانقة من جمال يأسر اللبَّ، وعن هذا يقول :” زرْتُ بلاداً شتّى في هذا العالم من أميركا إلى اليابان، مروراً بالعديد من الدُّول الأوروبيّة، إضافة إلى الهند والصّين، لكنّ لقاء دمشق بأحيائها القديمة والحديثة، والتّنزُّه بين بساتين غوطَتَيْها الغربيّة والشّرقيّة، كان حالة حضاريّة مختلفة، وكانت أجملَ وأغلى من معالم الدُّنيا كلِّها. وإذا كان بعضُ المغتربين العرب يتحدّثون عن صدمةِ الحضارة، وشعورِهم بالذُّهول والاستلاب أمام ماشاهدوه في بلدانٍ أخرى، فقد كانتْ مشاعري الأولى في دمشق كالبدويِّ الدّاخل في واحة حافلة بالينابيع والرّياحين والأشجار، بعد رحلة مضنية عبر منعرجات الصّحراء ورمالها المتحرِّكة”(ص19).

وقد أتيح له في هذا الفضاء المُثرِي للذّات أن يقرأ ماكتبه شعراءُ دمشق وأدباؤُها والمُقيمون فيها، ويشاهد ما كان يُعرَض في صالاتها السِّينمائيّة والمسرحيّة من أنشطة مختلفة، ويزور مقاهيها الثّقافية المتعدّدة الضّاجّة بالحياة، ويلتقي معظمَ أدباء دمشق وفنّانيها، ويناقشهم في القضايا الفكريّة والثقافيّة والفنيّة التي كانت تؤرِّقه؛ فأمسَتْ حياته ثريّةً، وأصبح راضياً عن المسار الذي اختطّه، وساهمت قراءاتُه للتُّراث العربيّ، والأدبِ العربيّ المعاصر، والرّواية البوليسيّة والعالميّة، والشّعر الرّومانتيكيّ العالميّ، وانفتاحُه على الثّقافة الإنجليزيّة، وما أنتجه عمالقتُها من شعرٍ ونثرٍ رفيعِ المستوى، في صقْل موهبته الشِّعريّة، وحثِّه على استلهامها في كتابة نماذج شعريّة يعبِّر فيها عمّا كان يختلج في نفسه من أفكار ورؤى ومشاعر محتدِمة. وكان لتوافُر منابر ثقافيّة مهمّة، كمجّلة (الآداب) اللبنانية، دورٌ في احتضان موهبته الشّعريّة البازغة؛ إذ بدأ يكتب قصائد تنحو منحى تجديديّاًّ واضحاً في المتن والمبنى مع زملاء حلقته الشِّعريّة التي كان يحلو لبعض زملائه أن يصفوها بـ(الصّعاليك)؛ لأنّها كانت تعشق الحريّة، وتنحو إلى التّمرُّد، وتعتبر (الأحزابَ) السّياسيّةَ قبائلَ معاصرةً لحرصها على تدجين الأديب والمثقّف، وكبْحِ جموحه، ومنْعِه من تحقيق رغبته العارمة في تغيير السّياق الذي يعيش فيه، أو محاولة تجاوُزه.

الحياة الثّقافيّة الدّمشقيّة

ويروي لنا الأستاذ كنعان، بعد ذلك، أنّه لم يستطع إكمال دراسته العليا بعد تخرُّجه من الجامعة لأسباب متعدِّدة منها: غرقُه في لعبة الصّحافة اليوميّة التي بدأ يشتغل فيها، وجمالُ الصّداقة، وغنى أجوائها، إضافةً إلى المسؤوليّة الملقاة عليه في تعليم إخوته الصِّغار، وتقديم العون الممكن لعائلته؛ ولذلك انغمس في الحياة الثّقافيّة والفنّيّة الدّمشقيّة، وانشغل بمتابعة العروض المسرحيّة التي كانت تُقدَّم في الصّالات المسرحيّة المختلفة، كـ(مسرحَيْ القبّاني) و(الحمراء)، فضلا عن المواسم المتجدّدة التي كانت تحتضن نجوم المسارح العربيّة، وقد أجرى في هذا الصّدد مراجعة نقديّة لتجارب سعدالله ونوس، وفواز السّاجر، وعلاء كوكش، وما سجلّتْه من حضور في سورية والبلاد العربيّة، فضلا عن الأنشطة الفنيّة المتميّزة التي كانت تجري في استيوهات المؤسّسة العامّة للسِّينما والتّلفزيون العربيّ السّوريّ، وأفلحت في تقديم أسماء متميِّزة لها مشاريع فنيّة كـ(محمّد ملص) و(هيثم حقي)، وغيرهما.

وقد تطرّق كنعان بعد ذلك إلى تجربته في الصّحافة الثقافيّة السّوريّة، وخوضه غمارَ الكتابة فيها، وتعرُّفه خلالها إلى عدد من المفكِّرين والكتّاب المتميّزين في مقدّمتهم المفكّر عزيز العظمة والدّكتور غسان الرّفاعيّ، كما أولى الأحداث العاصفة التي جرت في النّصف الثّاني من القرن العشرين (الحرب الكوريّة- تأميم قناة السّويس- العدوان الثلاثيّ على مصر- سقوط حلف بغداد- ثورة الجزائر في جبال الأوراس….) اهتماماً كبيراً، وتحدّث عن أثرها الكبير في جيله، وكيف جعلته يكبر، ويدخل معترك الحياة من بابها العريض، فضلًا عمّا تركتْهُ من أثر كبير في الأدب؛ إذ استلهمها المبدعون العرب، وأنتجوا من وحيها نصوصاً أدبيّةً مهمّة، في مقدّمتهم: عبدالحميد بن هدوقة في (ريح الجنوب)، ومحمّد ديب في (الدّار الكبيرة)، والسّيّاب في (أنشودة المطر)، وصلاح عبدالصّبور في (النّاس في بلادي) فضلا عمّا كتبه عبدالله البردّوني، ومحمّد الفيتوري، وخليل حاوي، وأدونيس، وعلي الجندي، وسعد الله ونوس، وغيرهم.

سقوط الحلم الطُّوباويّ

بعد ذلك توقّف كنعان عند محطّاتٍ تاريخيّةٍ وسياسيّةٍ مهمّة صاغتْ وجدانه ووعيه، وكان لها أثرُها الكبيرفي حياته وحياة جيله منها: إعلانُ الوحدة بين سورية ومصر في 22 فبراير (شباط) /1958، الذي شكّل نوعاً من الاستجابة للمشاعر الوطنيّة والقوميّة الطّافحة التي كانت تختلج في نفسه ونفوس أبناء جيله، وفي ظلّ الوحدة العتيدة نشِط الشّاعر كنعان في الكتابة، وفاز في مُستهلِّ عام 1960 بالجائزة الأولى مناصفةً مع الشّاعر الفلسطينيّ محمود صبح، إلّا أنّ أحلامه الوحدويّة ما لبثت أن تبدّدت، وتكشفّت عن سراب؛ إذ ترافق قيامُ الوحدة المنشودة مع القمع السّياسيّ ومصادرة الحريّات، وأخذ البوليسُ السّريّ للحكومة الوحدويّة الجديدة يزرع الشّوارع، ويبثُّ الخوف في النُّفوس، ويصادر حريّة الرّأي، وانجلت مداهماته عن إيقاع العديد من الضّحايا في مقدّمتهم فرج الله الحلو، وسعيد الدّروبيّ، ثم ما لبثت الوحدة نفسها أنْ تصدّعت، وسقطتْ؛ فترك ذلك أثراً عميقاً في حياته، فتقوقع على نفسه، وشرع في مراجعتها، وإذا كان الانفصال قد وجّه ضربةً قاسيةً لأحلامه الوحدويّة؛ فإنّ هزيمة حزيران/ يونيو 1967 قد أكملتْ تلك الضّربة، وقضتْ على الحلم الجميل الذي كان يتطلّع إليه مع أبناء جيله، ثم تبيّن له أنّ السّير في طريق الاشتراكيّة ليس أكثر من بقايا حلم طوباويّ أخير، وأنّ المؤسَّسات الأمنيّة والبيروقراطيّة، المُصَابة بفقر دمٍ مزمنٍ، لا يمكن أن تُحرِّر أرضاً محتلّة، أوتبني اشتراكيّة، أوتفتح باباً صغيراً يساعد الجيل على تحقيق حلمه الإنسانيّ المضيء، وفي مراجعة له مع صديقه الرّوائيّ حيدر حيدر بعد ثلاثة عقود ونيّف ممّا جرى، اتّفقا على أنّ “البشريّة لم تبلغ المستوى الحضاريّ والوعي الكافي اللذين يؤهّلانها لتحقيق أحلام العدالة في أيّ مجتمعٍ من المجتمعات” وأنّ “الحلم بتحقيق ذلك أمسى عصيّاً على التّحقيق”(ص89).

التّجربة الشّعريّة

وقد أولى الأستاذ كنعان تجربته الشّعريّة أهميّة كبرى في كتابه هذا؛ إذ حرص على تحديد مفهومه للشّعر، وذكَر أهمّ المؤثّرات في هذه التّجربة، كما وقف عند أهمّ محطّاتها، وعدّد أشهر من تأثّر بهم من الأدباء العالميّين والسّوريّين والعرب، كما فصّل في آليّة تأثُّره بغيره، مبيِّناً أنّه بدأ حياته الأدبيّة بتقليد شعراء التّراث بدءاً من شعراء المعلَّقات، ووصولا إلى عصر النّهضة، ثمّ تبيّن له أنّ الطّرائق القديمة لا تكفي للتّعبير عن مشكلات داهمة وحالات معاصرة، وأنّ التّعقيد والتّشابُك والغنى اللّذين تتميّز بهما الحياةُ المعاصرة يتطلّبان نهجاً جديداً وشكلا مختلفاً لِيَكُونا قادِرَيْنِ على استِكْناه ما تنضوي عليه هذه الحياةُ من تجدُّدٍ وثراء وعمق، وقد كادت موجة الوجوديّة الوافدة إلى المشرق العربيّ تجرفه، وتُغرِيه باستلهامها والنّسْج على منوالها، إلا أنّ وعيه ضمِن له النّجاة من الغرق فيها بعد أن أصابت غيره من الأدباء كـ(مطاع صفدي) و(جورج سالم) وغيرهما، إلا أنّه تماهى مع النُّهوض القوميّ الذي قاده جمال عبدالناصر، كما تأثّر بالثّورات العالميّة التي اندلعت في فيتنام والجزائروكوبا وبوليفيا وفلسطين، وما طُرِح من مفاهيم حول الطّريق العربيّ إلى الاشتراكيّة، كما تأثّر بالمدّ الاشتراكيّ الذي أحدث بزخْمِه تأثيراتٍ كبيرة في جيله، وآليّة كتابته.

جيل السّتينات

والواقع أنّ الحديث عن جيل كنعان لا يستوي من دون ذكر أهمّ الأسماء التي تكوِّنه، ويأتي في مقدِّمتها : ممدوح عدوان، وفوّاز عيد، وسعدالله ونّوس، وعبدالكريم كاصد، وتيسير سبول، وفوّاز السّاجر، وهاني الرّاهب، وفايز خضّور، وحسني شيّاب، وقد كان هؤلاء يشكّلون مجموعة منسجمة تقوم بينها قواسم مشتركة، وقد حرص كنعان على التّطرُّق إلى أهمّ هذه القواسم؛ ففضلا عن أنّ أفرادها يتحدّرون من الشّريحة الفلاحيّة الفقيرة، إلّا أنّهم كانوا متلهّفين لبناء ذواتهم الفرديّة، وتحقيق أحلامهم الوطنيّة والقوميّة والإنسانيّة، ولذلك انخرطوا في النّشاط الثّقافيّ والفنيّ الذي كانت تشهده دمشق ومدنُ سورية الكبرى كحلب وحمص، وانتهج كلٌّ منهم آليّة تميِّزة من غيره، ففي حين أقبل سعد الله ونوس وفوّاز السّاجر على النّشاط المسرحيّ، وأمسى لكلٍّ منهما ما يُميِّزه عن الآخر، سلك ممدوح عدوان سُبُلا مختلفة للكشف عن موهبته؛ فكتب الشّعر، وأولى النّشاط المسرحيّ اهتماماً لافتاً، كما بدأ في التّرجمة، وخصّص جزءاً من وقته للكتابة في الصّحافة، كما عشِق الحياة بنهم، وعبّ منها حتّى الثّمالة، وكان أكثر أفراد المجموعة صخباً وحبّاً للنُّكتة اللّاذعة التي لم تكن توفِّر أحداً، أمّا حسني شياب (الأردن) فكان أكثرَ أفرادِها أناقةً وإقبالا على تطعيم لغته الأدبيّة بنماذج مبتكرة من الشّتائم التي كانت تخترق المحظورات، وتنتهك المحرَّمات، وهو ما لم يكن للمجموعة عهدٌ به من قبل، في حين كان عبدالكريم كاصد (القادم من العراق) أكثرَ أفرادِ المجموعة انشغالا بالشِّعر، وتفرُّغاً له، وأصفى أفرادِها هدوءاً وسماحةً وتحاشياً للخِصام، وجنوحاً إلى الهدوء ومُجانَبة الصّخب والتّهكُّم والعراك، وقد تميّز فواز عيد من بين أفراد المجموعة جميعاً بكتابة قصائد شعريّة تمتاز بعذوبة خاصّة، وتشكِّل أبهى وأرقّ إبداعات جيله، وهو ما انعكس في عناوين مجموعاته الشّعريّة: (في شمسي دوار، أعناق الجياد النّافرة، من فوق أنحل من حنين)، وفي كتاب ذكرياته (نهارات الدفلى)، أما تيسير سبول (الأردنيّ) فقد غادر المجموعة، وآثر الرّحيل عن الدُّنيا في ظروف غامضة،  بعد أن ترك في نفوس زملائه حرقةً وألماً، ولم تكن حياتُه سوى قصّةٍ فاجعةٍ لأديب حسّاس انسحب من الحياة العربيّة العامّة يأساً واحتجاجاً على ما كانت تعيشه من حالة اختناقٍ لم يرَ إمكانيّة لخروجها منها، فأدار ظهره إليها، ومضى غيرَ نادمٍ، وهوما فعله خليل حاوي فيما بعد.

مصابيحُ وصُوى

وفي معرض حديثه عن المؤثِّرات في حياته تطرّق الأستاذ كنعان إلى بعض من استلهمهم من أساتذته وفي مقدّمتهم الدكتور غسّان المالح الذي ترك أثراً إيجابيّاً طيّباً في وعي أفراد المجموعة وثقافتها، وحثّها على حبّ المسرح، والنّهْل ممّا كان يُقدَّم من عروض مسرحيّة على مسارح دمشق المتعدِّدة، كما أفاد أفرادُ المجموعة من البروفسور الأميركيّ الزّائر ليو هاماليان الذي فتح أمامهم فضاء رحباً للاطّلاع على روائع الشّعر والملحمة والرّواية، وناقش معهم كيفيّة تذوُّقه، ممّا أغرى كنعان بالكتابة واستمرار النّشر في مجلة (الآداب)، وقد تكلّلت هذه المرحلة من النّشاط بصدور مجموعته الشِّعريّة الأولى (درب الواحة) عن منشورات وزارة الثّقافة بدمشق في عام 1966؛ إذ احتفى بها المفكّرالسّوريّ أنطون مقدسي، وكتب كلمةً على غلافها نبّه فيها إلى أنّ هناك سمةً واضحةً توضّعت في قصائدها هي حضورُ الفكريّ في إهاب الفنيّ، وقدرةُ صاحبها على إظهار” لمساتٍ ناعمةٍ ولطيفةٍ، وصورٍ أثيريّةٍ، ساهمتْ في تطوير عمود الشّعر دون أن تقوّضه، وأحدثتْ ثورةً في داخله، وجدّدتْهُ، ونمّتْهُ دون أن تعمل على قهره، وتمرّدتْ عليه دون أنْ تحطّمه”، وذكر مقدسي في كلمته أنّ “كنعان انحاز، في كتابة قصائد المجموعة، إلى المقاربة الانطباعيّة، وأنّه، على التزامه بقضيّته، لم يجعل شعره يفقدُ فنيّته، وبقي الفنُّ يرشح بقدرته على التّحرُّر من إسار الأيديولوجيا والفكرة المُسبَقة التي تُعَدُّ مقتلا للشّعر الحقيقيّ”. وقد أحدثت كلمةُ المقدسي أثراً كبيراً في نفس كنعان، ودفعته إلى التّحرُّز فيما يكتب، وإنْ كان قد آثر نشرَ القليل منه حرصاً على التّجويد والإتقان، وهذا ما دفع صديقه أحمد دحبور فيما بعد إلى اتّهامه بأنّه شاعر مقلٌّ بالموازنة مع أفراد جيله المُكثِرين.

على بساط الرّيح

في عام 1966 تلقّى الشّاعر كنعان دعوة لحضور معرض لايبزيغ في ألمانيا الدّيموقراطيّة بوصفه محرِّراً ثقافيّاً في صحيفة (البعث) السّوريّة، وكانت أوَّل رحلة سياحيّة وثقافيّة يقوم بها إلى خارج وطنه، فاستجاب لها سعيداً، وقد وصف، في كتابه هذا، ما أحدثتْهُ من أثر طيّب في نفسه، كما وصف أهمّ المدن التي زارها، ووقف عند روعة معالمها، وتطرّق، في حديثه، إلى زيارة جسر برلين، وكيف أنّ المواجهة الدّعائيّة بين الشّطرين الشّرقيّ والغربيّ من المدينة كانت تعبِّر برمزيّة صارخة عن الصِّراع المديد بين عدالة النّهج الاشتراكيّ كما كان يبدو له، وفضاء الاتّجاه الليبراليّ، وقد تتالتْ زياراته بعد ذلك إلى أصقاع العالم المختلفة، فزار الولايات المتّحدة، والشّمال الأسكندنافيّ، والصِّين، والهند، واليابان، ودول الاتّحاد السوفياتيّ، والعديد من الدّول الأوروبيّة، فضلا عن الدُّول العربيّة، وقد شكّل أدبُ الرّحلة جزءاً كبيراً من نتاجه النّثريّ، وأصدر فيه عدّة كتب، منها: (في مدار التّنين) الذي نُشِر في عام 2010 ضمن منشورات مجلّة (الرّافد) في الشّارقة، وأعادنا فيه إلى جماليّة أدب الرّحلات،؛ إذ أنعم النّظر في العلاقة العضويّة التي تربط الفكر الصّينيّ بالطّبيعة، كما توقّف أمام التّنِّين وما يرشح به من رمزيّة شاملة في الثّقافة الصِّينيّة بوصفه ممثِّلاً للخير والسّعادة والقوّة والخلود، الأمر الذي يُحيلنا إلى المركزيّة الواضحة  في حضور التّنِّين في الثّقافة الصِّينيّة، بعدها توقّف أمام خريطة مدينة بكين، وأعادنا إلى فلسفة الدّوائر، إذ لاحظ عند زيارته لها أنّ المدينة مُقسّمة إلى دوائر تنزاح عن بعضها بعضاً، ويمثّل مقرّ الإمبراطور التّاريخيّ قلب الدّائرة، ولهذا يكمن معنى الولاء والانتماء للقيادة في آليّة تشكيل العمارة نفسها، ذلك أنّ النّماء والتّطوُّر لا يستقيمان من دون أن يرنو النّاس إلى المركز، وينسجموا في أفعالهم وأقوالهم مع مرئيّاته ومعطياته، كما يقول الدكتور عمر عبدالعزيز في تقديمه للكتاب .

وفي تجواله في المدن القديمة رأى الأستاذ كنعان أنّ أروقتها الضّيّقة تذكِّره بالمدن العربيّة القديمة، مع فارق جوهريّ بينهما يكمن في أنّ الشّوارع الضّيّقة للمدن الصِّينيّة تزدهي بالأشجار المعمِّرة التي يتمُّ تسويرها بقواعد من رخام، وتحديد مسمَّياتها وأعمارها بقطع معدنيّة مُلصَقة عليها، في إشارة عميقة إلى علاقة الصّينيّ بالطّبيعة، وتقديسه لعناصرها الحيويّة، ممّا نفتقده في العالمين العربيّ والغربيّ معاً. وقد تجاوزت هذه الرّحلة، في رأي الدكتور عمر عبدالعزيز، تخوم الأوصاف المشهديّة إلى حدود الملامسات اللمّاحة لجملة من الأسئلة والتّساؤلات، التي انزاحت بمرئيّاتها صوب العالم برمّته، وقدّمت إجابات عادلة عن محنة الإنسان وتنكُّباته التّاريخيّة.

أمّا كتابه (السّيف والمرآة/ رحلة في جزر الواق واق- ط2-دار التنوير- بيروت ودار السويدي – أبوظبي – 2017″ فقد سجّل فيه تجربة ثلاث سنوات حافلة عاشها في اليابان، وانتهى فيها إلى حالة من الوَجْد والانخطاف والعشق لكلّ ما رآه في رحلته وعاشه هناك، وسجّل فيها تجربة عاشقٍ في الثّمانين من عمره أسره جمالُ الطّبيعة، ودفءُ ينابيعها الحارّة، وقسوةُ زلازلها، وطيبةُ أهلها، وحُسْنُ عشرتهم، وصفاءُ مودّتهم، فكتب صفحاتٍ مفعمةً بالوله والإعجاب عن تاريخ هؤلاء النّاس، وأساطيرهم، وقدرتهم غلى اجتراح المعجزات، وأتاحت له إقامتُه في اليابان، وتدريسُه الأدبَ العربيَّ في جامعة طوكيو، ومخالطتُه لأساتذتها وأدبائها الاطّلاعَ على التّجربة الأدبيّة اليابانيّة عن كثب، فكتب كتابه (أعلام الرّواية اليابانيّة- دار التّكوين- دمشق-2018)، ووقف فيه على أهمّ هؤلاء الأعلام؛ فتناول نتاجهم الرّوائيَّ بشيءٍ من الاستفاضة، ووقف على ما يُميِّزهم من أقرانهم الغربيّين، ويسّر لنا الإمساكَ برؤية بانوراميّة للمشهد الرِّوائيِّ الحديث في اليابان، من خلال عرض تجارب أبرز المبدعين فيه، وأتاح لنا الولوج إلى عوالمهم الرّوائيّة، وقدّم لنا شهادة نابعة من معايشة حقيقيّة ومعرفة باليابان بلداً وشعباً وحضارةً وأدباً، ومن خلال صلات مباشرة عقدها مع كتّاب مهمِّين جرى تناوُلُ بعضهم في هذا الكتاب، في حين خصّص كتابه (الدّرب الضّيق إلى أوكو- دارالتّكوين- دمشق- 2019) للحديث عن الشّاعر الكبير (ماتسو باشو) الذي يُعَدُّ أعظم شاعرٍ يابانيّ رائد في قصيدة ( الهايكو)، ورصد في الكتاب رحلة (باشو) الرُّوحيّة التي تُعَدُّ من أروع رحلات الحجّ بالمعنى الفنيّ والصُّوفيِّ لهذا الشّعر الكونيّ العجيب الذي أنتجه صاحبه، وقدّم فيه خطرات وجدانيّة في الشِّعر التّأمُّليّ معجونةً بشطحات صوفيّة، كونيّة، ومحكومة بصبغة الصُّوفيّة البوذيّة، وذلك بلغة مبتكرةٍ خاصّةٍ به لا يرقى إليها أيُّ شاعرٍ عالميٍّ آخر.

شهب ساطعة

في القسم الباقي من الكتاب يكتفي الأستاذ كنعان بتقديم لمحات خاطفة عن أصدقائه من الأدباء والمثقّفين العرب الّذين التقاهم في أسفاره، أو خلال إقامته في الإمارات، ومنهم عبدالعزيز المقالح، وكمال أبوديب، وحميد سعيد، وماجد السّامرائيّ، وياسر شرف، وجمعة اللامي، وواسيني الأعرج، ومحمّد عيد إبراهيم، وزينب الأعوج، وصلاح صلاح، فيعطي انطباعاتٍ سريعة عنهم، يندرج أغلبها في الإطار الشّخصيّ، وقد يطال نتاج الأديب أو النّاقد، ويعطي حكماً حول قيمته الوجدانيّة والثقافيّة، وما يمثّله بالنّسبة إليه بوصفه شاعراً، ومن ذلك ما يقوله عن واسيني الأعرج، وكيف كوّن لنفسه صوتاً خاصّاً عبر به المحيط العربيّ إلى الفضاء العالميّ بجدارة وتألُّق واقتدار، ثم ما يراه في شاعريّة زينب الأعوج من أنّها تلامس الرّوح بعفويّة الطُّفولة وبساطة العبارة التي سرعان ما تطفر بصورتها الفنيّة إلى فضاء جماليّ مدهش يؤكِّد أنّ الشّعر لغة الرّوح، وإن اتّشحتْ بغلائل شفيفة من الرّمز والمجاز.

خاتمــة

يبقى أن أقول في ختام هذه المراجعة النّقديّة: إنّ هذا الكتاب يُعتبَر مرآةً لجيل، وسيرة ذاتيّة ثقافيّة لشاعر ترك بصمة خاصّة به بين أفراد جيله، وهو ماجعل النّاقد صبحي حديدي، الذي قدّم لمجموعة أعماله الكاملة يقول فيها:” إنّ شعريّات علي كنعان ارتقت وتطوّرت ضمن معادلة كبرى: أنّه كان حامل براءة شعريّة رعويّة ثاقبة الرّؤيا والحسّ والحساسية، وباصرة تصويريّة وتشكيليّة خارقة، وانتماء نبيل في أتون اغتراب لا يقلُّ نبلا، من جهة أولى، وأنّ حامل الحامل هذا كان شعريّةً فريدةً لم ينهض امتيازها على أوهام حداثة نخبويّة جوفاء أو ألعاب تجريب مجانيّة عزلاء وانعزاليّة، من جهة ثانية، وتلك معادلة، صنعت قسمات كنعان الشّعرية الخاصَّة، وأفردت له مكانة عالية في المشهد الشّعريّ السُّوريّ على امتداد النّصف الثّاني من القرن العشرين، كما ضمنتْ له، صوتاً متميّزاً راسخ السِّمات في حركات التّجديد الشِّعريِّ العربيّة منذ أواسط السّتينيّات ومطالع السّبعينيّات (الأعمال الشعرية:علي كنعان- المؤسّسة العربيّة للدِّراسات والنّشر- بيروت- ط1، ج1-2010، ص20).

  • ناقد سوريّ

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here