أحمد عزيز الحسين: سرديّة الفوضى وتجليّاتُها في المدينة العربيَّة المعاصرة

 

 

  • أحمد عزيز الحسين

 منْ يـتأملُ الفوضى الهائلة التي تعجُّ بها المدينة العربيّة، وتزخر بها شوارعُها وأحياؤها السّكنية ومؤسساتُها الحكومية المختلفة؛ يُخيَّلُ إليه أنَّ قبضة أنظمة الحكم العربية متراخية ضعيفة، لا تُمسِك بمفاصل السيروة الحياتيّة في مُدُنِها بشكلٍ مُحكَم، وأنَّ هناك ما يستعصي على إرادتها، ويتمرَّد على استراتيجيَّتها المرسومة، وأنَّ ثمّة قوَّةً مفارقةً للكون هي التي تتحكّم بهذه السّيرورة، وتُسيِّرها  لمآربَ خفيّة لا يعرفها إلا الرّاسخون في العلم .

    والواقع أن كلَّ ما يجري في شوارع المدينة العربيّة وأحيائها ومقاهيها مُراقَبٌ بشكل دقيق، وتتمُّ متابعتُه يوميّاً والموافقةُ على آليّة حركته من لدُن السُّلطة نفسها، وحين يحدُث أيُّ اختلالٍ في مسار هذه الحركة؛ تقومُ أجهزة السُّلطة المعنيّة بالتَّدخُّل الفوريّ؛ فتعيد النظامَ المرسومَ إلى سابق عهده، وتسهـرُ على متابعة حركته الرَّتيبة كما كانتْ، وبالشّكل الذي لا يشكّل أيَّ خطورة على وجودها؛ وهذا يعني أنّ هناك سقفاً مُحدَّداً للفوضى لا تسمح معظمُ الأنظمة العربيّة لرعاياها بتجاوزه، أو تخطِّيه، ولا سيَّما إذا كان يشكل خرْقاً للمسار الذي رسمتهُ، أو الاستراتيجيَّة التي اختَّطتْها لنفسها، أو الرُّؤية السّياسيَّة القارّة التي تنشدها لأوطانها ومحكوميها.

   وفي الواقع إنّ هذه الأنظمة لا تجد مانعاً، في كثير من الأحيان، بأن يقوم بعضُ رجالها والمنفِّذون لسياساتها بخرق القانون العامّ أو انتهاك الدُّستور، بل إنّ ذلك هو الأساس الذي تنهض عليه آليّة حكمها لأوطانها، وتستمرّ فيه لتتسيَّدَ في هذه الأوطان، وتتأبَّدَ في مراكزها، وتُراكمَ الأموال في خزائنها وحساباتها الخاصّة، ولو أدّى ذلك إلى حرمان غالبيّة النّاس من حاجاتهم الحيويّة الأساسيّة .

     وفي هذه الحالة يُمسِي النِّظامُ عدوًّا لدوداً لها تقف له بالمرصاد، وتُبِيح لمؤسّساتها ورجالها أن يخرقوه باستمرار من دون أن تقوم بمساءلتهم أو محاسبتهم، بل إنّها تحثُّ غالبيّة القطيع الذي تحكمه على تخطِّي القانون وتجاوُز النّظام أيضاً، كما تُتِيح له فرصة الانخراط في لُجَّة الفوضى ومستنقع الفساد، ولكنْ إلى الحدّ الذي لا يُشكِّل خطورة على وجودها، أو رسوخ مؤسّساتها، فإنْ خطرَ لأحد أفراد هذا القطيع تجاوُزُ الحدِّ المسموح به من الفوضى التي أشاعتها، واستثمارُ خرق النّظام والقانون لمصلحته الخاصّة لا لمصلحة من حدَّدوا له موقعاً معيَّناً في الهرم الوظيفيّ الذي يتموضع فيه؛ تدخّلتْ أجهزةُ المراقبة والمعاقبة التي عيّنتها لإيقافه عن ذلك، ووضْعِ حدٍّ لتطاوُله على ما لا ينبغي له تجاوزُه؛ وهذا يعني أنَّ الأنظمة العربيّة تتدخّل فقط حين يخرجُ قطارُ (الفوضى الخلّاقة) عن الخطّ الذي رسمته لحركته، فتعيده في كلّ مرّة إلى سكّته التي تعود أنْ يسلكها، من دون أن تُعنَى بترسيخ أسسِ نقيضِه في الحياة الاجتماعيّة على مستوى الشِّعار أو الممارسة.

    ولا يُنبِئ حضورُ السُّلطة المكثَّف في المدينة العربيّة عن هيمنة النّظام والقانون على مقاليد الحياة في هذه المدينة، بل إنّه قد يعني العكسَ تماماً، إذ تتجاور، في بعض هذه المدن، الفوضى الضّاربة الأطناب مع الوجود الرّمزيِّ المُكثّف لأجهزة السُّلطة نفسِها، من دون أن يعني ذلك تحسُّناً في النظام، أو حرصاً على تطبيقه، فأنت تستطيع أن ترى المركبات، وهي تنتهك قانونَ المرور في معظم شوارع المدينة العربيّة على مدار اليوم، ولاسيَّما مدن المشرق العربيّ بشكل خاصٍّ، من دون أن تأبَه لوجود شرطة المرور القابعة بجوارها في الشّارع نفسه، بل إنَّ شرطة المرور، في بعض هذه الدُّول، قد تكون عاملاً يحرِّض بعض السّائقين على تجاوُز القانون وإشاعة الفوضى المُنظَّمة مقابل أن يدفعوا الرّشوة المطلوبة لقاء ذلك؛ ولذلك لا عجبَ أن يغدو السّائق وشرطيُّ المرور صديقين (حميمَيْن) في معظم هذه الدُّول، وأن يحُلا الإشكاليَّة القائمة بينهما بالتّراضي؛ وذلك بأنْ يتَّفقا على راتبٍ شهريٍّ (مقطوعٍ ) يدفعه الأوّل للثّاني لقاء أن يُسمَح له بارتكاب المخالفات التي تحلو له، ويسير في الشّارع على هواه معتبِراً أن الشارع ملك له، وليس فضاءً اجتماعيّاً عامّاً يعبُرُه كلُّ الناس، ويحقِّق منفعتهم جميعاً .

    وفي هذه الحالة ومثيلاتها تتحوَّل الفوضى إلى إجراءٍ مدعوم من لدُن السُّلطة نفسها، وهو إجراءٌ تتَّخذه السُّلطةُ الفاسدةُ نفسُها في سعيها المحموم إلى تحقيق ذاتها بأكثر السُّبُل وضاعة وتعفُّناً، وهو سعيٌ يبعثر جهد الأمة، ويضرب عرض الحائط بمصالح المجتمع المدنيّ ومؤسّساته، ويقدِّم مصلحة شريحةٍ منها على مصلحة الجماعة، ويهدر قواها وإمكاناتِها، ويشلُّ إمكانيّة تكوُّنها بوصفها أمَّةً عصريَّةً، ويعمل على إعاقة تقدُّمها ودخولها خانة التَّقدُّم والتّحضُّر باستمرار .

     ولا شكَّ في أن الفوضى تبقى مقبولة بالنّسبة إلى أغلب الأنظمة السِّياسيّة العربيّة إذا لم تتخذ طابَعاً سياسيّاً يهدِّد استقرارَها السّياسيّ، أو يعوق احتفاظها بمواقعها؛ ولذلك تمنع أغلبُ الأنظمة العربيّة شعوبَها من حريّة التّظاهُر في الشّارع، أو من حريّة تأسيس أحزاب سياسيَّة مناوئة لها، وإذا أتاحتْ لهم تأسيسَ أحزابٍ معارضةٍ؛ فإنّها تسعى إلى محاصرتها، ووضعها بين فكّي كمّاشة، ومنعها من القيام بأي نشاطٍ  سياسيٍّ أو إعلاميٍّ فعّال يُفضِي إلى امتدادها جماهيرياً ممّا يؤدي إلى خنقها ومنعها من التّنفُّس والتّجذُّر في الحياة الاجتماعيّة والسّياسيّة، وإبقائها هياكلَ صوريّة لا أثرَ إيجابيًّا لها في حياة النّاس على المستويات كافّة .

     وفي الظنّ أنَّ إخفاق معظم هذه الأنظمة العربيّة في إنجاز استقلالها الاقتصاديّ والسّياسيِّ، وعجزَها عن تحقيق متطلبات التّنمية الوطنيّة بسبب  تبعيّتها للخارج، ووقوعها تحت هيمنة  القوى السّياسيّة العظمى في العالم؛ دفع بمعظم أبناء الشّريحة المتوسِّطة إلى الارتماء في أحضان التّيّارات الأصوليَّة المتشدِّدة سعياً منها إلى إيجاد مخرج متاحٍ لها لتجاوُز أوضاعها الصّعبة على المستويات كافّةً، ولذلك أًصبح الشّارعُ العربيُّ، في كثير من الأحيان، فضاءً للصّراع بين بعض الأنظمة العربيّة الحاكمة والشّرائح المتوسِّطة التي نزلت إلى الشّارع مطالبة بحقوقها، ولم تجد بعضُ هذه الأنظمة سبيلاً للرّدِّ عليها إلا بانتهاج العنف واستعمال الإرهاب المُنظَّم بغية توليد الخوف الجماعي لدى عموم المحكومين والرّعايا، وهو الخوف الذي تراكم عبر فترات طويلة من القهر والقمع والصّراع الدّامي بين الأنظمة العربيّة والشّرائح الاجتماعيّة المناوئة لتسلُّطها وحكمِها غير الشّرعيّ.

     وإذا كانت معظمُ الأنظمة العربيّة قد فهمت حريّة التّظاهُر في الشّارع على أنَّه نوعٌ من الفوضى الهدَّامة، وردَّت عليه بعنفٍ متزايدٍ أفضى إلى مفاقمته أحياناً، أو تراجُعه ونكوصه أحياناً أخرى، وترك ندوباً وقروحاً في التّجربة السّياسيّة العربيّة والوعي الجمعيّ العربيّ؛ فقد تعاملت بتسامح وليونة لا مثيل لهما مع العاملين في الحقل الفنيّ الهابط، وأفسحت في المجال لرموزه كي يهيمنوا على الفضاء الاجتماعيّ العامّ بطريقة منظَّمة بغية تسفيله وتخريبه وإشغاله بقضايا ثانويّة لا تمسُّ جوهر حياة النّاس من قريب أو بعيد، ومن دون أن تقوم بحماية الحساسية الجماليّة العربيّة، أو تضع حدوداً أو قيوداً من أي نوع كان على من يمتهن صناعة الغناء وفنّ الموسيقا؛ ولذلك كثر المطربون والممتهنون لفنّ الموسيقا والغناء في هذه الأيام، وغدَوا نسخاً مُكرَّرة لا يمكن التّمييز بينها من حيث الشّخصيّة الفنيّة أو المقوِّمات التي يجب أن يمتلكها المطرب أو الموسيقيّ ليُتاح له مزاولةُ هذه المهنة بأصالة واقتدار، كما أشار إلى ذلك الموسيقار زياد الرحبانيّ في مقابلة هامّة  له مع برنامج “مع رابعة ” الذي بثّته  قناة ” الجديد ” اللّبنانيّة قبل عقدين من الزّمن.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. مقال جميل جدا يشير إلى بعض الأنظمة العربية والتجاوزات التي تنفذ على شكل قانوني

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here