أحمد عبد الرحمن: ما قبل قمة العرب في القاهرة ليس كما بعدها!

أحمد عبد الرحمن

في الخامس عشر من أكتوبر عام 1973م وكردٍ على الدعم الامريكي والغربي لإسرائيل سياسيا وعسكريا ،قامت الدول العربية المصدّرة للنفط في منظمة “أوبك” بالإضافة إلى مصر وسوريا بفرض حظر نفطي شامل على الدول الغربية والولايات المتحدة .

وكانت تلك هي المرة الاولى التي يُستخدم فيها سلاح النفط كورقة ضغط مؤثرة في الصراعات والنزاعات بين البلدان المختلفة ، حيث تركت تلك الحادثة تأثيرا كبيرا على السوق العالمية في ذلك الوقت .

 الملك السعودي الراحل فيصل بن عبد العزيز آل سعود كان له الدور الأبرز في تلك الحادثة ، وتزعّم الدول التي شاركت في ذلك الحظر لكون السعودية تتبوأ صدارة الدول المنتجة للنفط ، وحينها اضطر الرئيس الامريكي ريتشارد نيكسون لزيارة السعودية للدفع باتجاه تغيير أو إلغاء هذا القرار .

وبغض النظر عن بعض المؤرخين الذين قلّلوا من أهمية ذلك القرار ،والبعض الآخر الذي رآه موقفا تاريخيا قلّ نظيره، فإن الحد الادنى من النتائج والتداعيات لذلك الحدث هو استخدام العرب لواحد من أسلحتهم الكثيرة المعطَلة وتشكيلهم قوة ردع يُحسب لها ألف حساب .

اليوم وبعد 47 عاماً من ذلك الحدث المهم تحول العرب من أمة قادرة على فرض ولو جزء من شروطها إلى امة تستجدي وتستعطف ولو جزء من حقوقها !! أصبح العرب رغم ما يملكون من إمكانيات وأدوات وجغرافيا وتاريخ مجرد شعوب متنازعة تنهشها الخلافات وتتخطفها مخالب النسور الجامحة القادمة من وراء المحيطات .

فلماذا كل هذا الهوان والذل !! لماذا كل هذا التراجع والانهيار على كافة الصعد والمجالات !! لماذا بات العرب أو معظمهم على الأقل يكرهون ويبغضون الجار والاخ والشقيق والحليف !! ولماذا رموا بكل بيضهم في سلة الأمريكان رغم تجربتهم المرّة مع تلك الدولة المارقة وما جلبته عليهم وعلى امتهم من قتلٍ ودمارٍ وإرهاب !!

لقد أصبحت الشعوب العربية الآن تحن إلى العصر الذي كانت تسمع فيه عبارات الشجب والاستنكار والإدانة من زعمائها وحكوماتها !! أصبح العرب يتمنوا أن يسمعوا خطابا كخطابات القذافي أو عبد الناصر أو صدام حسين !! باتوا يتحسرون على تلك الأيام التي كان الزعماء والقادة يتداعون للقمم لمجرد حدث هنا او حدث هناك !!

اليوم وفي ضوء الإعلان الأمريكي الإسرائيلي عن ” سرقة القرن ” التي تؤسس لنهب وطن بأكمله ، والتي تفوق في حجمها وتأثيراتها إن طُبِقت وعد بلفور المشؤوم واتفاقية اوسلو ، لا نجد من الزعماء العرب الذين نُصّبوا على عروشهم كرهاً وغصباً الحد الأدنى مما كان يقوم به أسلافهم ، فالتنديد شديد اللهجة أو الاستنكار والشجب باتت مدجّنة وتغيرت مصطلحاتها وتبدلت معانيها .

حتى قممهم التي لم نثق بها يوما من الأيام ،باتت أقل ألقاً وأسوأ حالا، ولا تُنتج سوى الحد الادنى من الوعودات الكاذبة والامانيّ الخادعة.

المواقف التي سمعناها ورأيناها خلال الاجتماع الاخير لوزراء خارجية الدول العربية في القاهرة كانت الأسوأ في تاريخ هذه المؤسسة التي أكل عليها الدهر وشرب ، وباتت مجرد جوقة تعزف ألحانها البائسة على مسامع الاموات من شعوبهم المنكوبة والمقهورة .

كنا نعتقد في الماضي أن الأنظمة العربية وجزء كبير من الشعوب ترقدان في قسم الموت السريري، وتعيشان بواسطة اجهزة التنفس الاصطناعي ،وكان يحدونا الأمل بإمكانية تعافيها وتجاوزها لتلك الأزمة !!

  ولكن بعد ما جرى خلال الأيام الماضية وردود الفعل الباهتة على المستويين الرسمي والشعبي باستثناء بعض الساحات وعلى رأسها اليمن السعيد والعزيز أصبحنا ندرك أن ما كنا نتمناه أصبح جزءً من الماضي ، وان بصيص الامل الذي كنا نحاول التمسك به ذهب ادراج الرياح !!

ما بعد قمة القاهرة يبدو انه أسوء بكثير مما قبلها ،وما كان ممكنا أصبح الآن كأنه يبدو مستحيلا !! فالسنين العجاف التي كنا نتوق للتخلص منها وتجاوزها بنهضة عربية تُعيد الامور إلى نصابها ، وتضع هذه الامة في مصاف الامم التي تملك زمام مصيرها ، وتصبح في موقع الفاعل بدل المفعول به !! يبدو ان تلك السنين ما زالت تلازمنا وتشتد وطئتها يوماً بعد يوم وعاماً بعد عام !!

فهل لهذه الامة من نهضة !! هل من حقنا ان نحتفظ ببقايا حلُمٍ جميل كنا نستيقظ عليه في بعض الصباحات ليمدنا بالأمل والرغبة في الحياة !!

هل سنصحو في يوم من الأيام لنجد أن خير أمةٍ أخرجت للناس قد تعافت من مرضها ، ونفضت عن كاهلها غبار اليأس والإحباط والعجز والكسل !! هل من يومٍ قريبٍ يعيد لنا ولامتنا مجدها المفقود ودورها المنشود !!

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here