أحمد عبد الرحمن: في موسكو … الصقيع جمَّد التوقيع!

أحمد عبد الرحمن

يبدو ان الاحوال الجوية الباردة والعاصفة في العاصمة الروسية موسكو قد أثّرت على توقيع الفصائل الفلسطينية على بيان موحد بعد سلسلة اللقاءات التي عقدوها هناك بدعوة من وزارة الخارجية الروسية ، وهو الأمر الذي دفع السيد عزام الاحمد إلى الاعتذار لروسيا على هذا الإخفاق من وجهة نظره .

ولكن في  الحقيقة  الصقيع لم يكن هو السبب المباشر الذي منع التوقيع على ذلك البيان المنتظر والذي حاول البعض تسريب أجزاء منه لوسائل الإعلام مبكرا ربما لجس نبض البعض ومعرفة ردود افعال البعض الآخر .

وكي تتضح الصورة اكثر يجب العودة إلى اول القصة منذ الدعوة التي وجهتها وزارة الخارجية الروسية لعشرة فصائل فلسطينية لزيارة موسكو وعقد لقاءات مباشرة يشارك فيها الجميع .

والعنوان العريض الذي أُعلن عنه قبل بداية هذه اللقاءات هو الخروج من حالة الانقسام التي يعاني منها الشعب الفلسطيني منذ اكثر من أحد عشر عام ، والوصول لقواسم مشتركة بين الفصائل الفلسطينية تكون خط دفاع صلب في وجه صفقة القرن التي يروّج لها ترامب ومن خلفه جوقة العازفين والمطبلين من العرب والعجم وبعض الفلسطينيين .

ولكن يبدو أن هذا العنوان لم يكن بهذه البراءة التي ظهر عليها فقد كان وراء الكواليس ما هو أبعد من ذلك واخطر !! حيث اُريد لهذه اللقاءات ان تخرج بنتائج معينة تؤدي إلى هدف لا يبتعد كثيرا عن أهداف صفقة القرن الشيطانية .

وربما هذه النتائج لو قُدّر لها ان تخرج إلى العلن لكانت روت ظمأ البعض الذي يسعى إليها منذ زمن بعيد ويطبقها على ارض الواقع ،ولكنه بحاجة إلى شرعنتها عن طريق دفع الجميع للاعتراف بها والقبول بتداعياتها الخطيرة على القضية الفلسطينية .

 واهم وأخطر هذه المخرجات التي أراد البعض وهم كُثر للأسف اشراك ”  الفئة الرافضة ” لها في تحمل تبعاتها وإعطائها الشرعية من خلال الإجماع عليها هي القبول بوطن او دولة أو قل دويلة على في حدود الرابع من يونيو حزيران 1967 م ، وهو ما يعني الاعتراف للعدو الذي اغتصب أرضنا وشرد شعبنا بالسيادة الكاملة على اكثر من 78% من أرض فلسطين التاريخية بما فيها الجزء الغربي من القدس الشريف الذي تبلغ نسبته 84% من مساحة مدينة القدس .

  وهذا بحد ذاته تنازل خطير عن الثوابت التي رفعها البعض كشعارات في فترة معينة ثم تراجع عنها وأصبح يقر علنا بقبوله بدولة على اقل من 22% من أرضنا المغتصبة مع تبرير ذلك كحل مرحلي أو ضمن سياسة ” خذ وطالب ” .

والمُخرج الآخر الذي حاول البعض تمريره هو إعطاء الشرعية لمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل “شرعي ووحيد” للشعب الفلسطيني بصورتها الحالية والتي تُظهر بوضوح سيطرة فريق واحد عليها واتخاذه لها  كعصا غليظة يستخدمها متى شاء لإرهاب خصومه ومعارضيه ، والإشكال حول المنظمة  يتمحور بعدم تنفيذ اتفاق القاهرة 2011م والذي نص على إعادة هيكلة مؤسسات المنظمة وانضمام حركتي “حماس والجهاد الاسلامي ” إليها  وان تكون إطارا جامعا للكل الفلسطيني وليس لطرف دون طرف .

فكيف يمكن لهذا الكيان الذي لم يبقَ منه إلا اسمه بفعل ممارسات البعض أن يكون ممثلاً وحيداً للشعب الفلسطيني في حين أنه لا يضم بين جنباته أقوى حركتين مقاومتين في الوقت الحالي وتحملان على كاهلهما مسئوليات جسيمة للدفاع عن شعبنا في وجه التغول الصهيوني وهما حركتي حماس والجهاد .

وهاتان النقطتان بالتحديد هما اللتان عصفتا بسير اللقاءات وجعلتا التوافق على بيان مشترك يوقع عليه الجميع صعبا إن لم يكن مستحيلا .

  وللإنصاف كان أبرز المواقف الرافضة لتوقيع ذلك البيان “الملغوم ” هو موقف حركة الجهاد الاسلامي والتي كان على رأس وفدها الدكتور / ” محمد الهندي ” وهو السياسي المحنك والقائد الصلب الذي كان على مستوى المسئولية التاريخية التي فرضتها تلك اللحظات الحاسمة التي سبقت توقيع البيان وأعلن بشكل واضح موقف حركته منه وبيّن الأسباب الموجبة لهذا الامتناع عن التوقيع والتي ذكرناها آنفا .

ولكن حتى لا تكون الصورة قاتمة لهذه اللقاءات فنحن نعتقد انها حملت بعض الايجابيات وإن كانت محدودة ، منها كسر الجليد في العلاقات بين حركتي فتح وحماس وعودتهما للقاءات المباشرة المنقطعة منذ اكثر من عام وهذا من شأنه تخفيف الأعباء عن المواطن الفلسطيني الذي عانى الكثير جراء العقوبات التي فرضتها السلطة نتيجة هذا التشاحن والتباين في المواقف .

وكذلك من الايجابيات المهمة هو احتضان موسكو لهذه اللقاءات وهذا يشكل اختراقا للسيطرة الامريكية على مجمل التحركات السياسية التي شهدتها القضية الفلسطينية خلال السنين الماضية ، قد يقول البعض أن اللقاءات والحوارات كانت تجري في دول عربية ولم تستضف امريكا أي اجتماع منها  وهذا صحيح !! ولكن كل ما كان يجري من مبادرات ولقاءات وتوقيع اتفاقيات كان بضوء اخضر امريكي ، ولهذا لم يُكتب له النجاح ، وعليه دخول روسيا وهي صاحبة نفوذ كبير في المنطقة والعالم قد يُضعف هذا التحكم الامريكي وهو المنحاز على الدوام لصالح العدو التاريخي للامة ” اسرائيل ” .

نرجو البناء على ما حدث في موسكو وبالتحديد إنهاء القطيعة بين طرفي الانقسام التي لم تحمل الخير ابدا لشعبنا الفلسطيني ، والعودة من جديد لطاولة الحوار الوطني الجاد والبنّاء ، وأن يكون هذا الحوار على قاعدة تغليب المصلحة العامة لعموم الشعب الفلسطيني دون النظر للتوجهات الحزبية او الانتماءات الفصائلية .

كفى هذا الشعب ما عاشه من معاناة وحصار وفقر !!

كفاه هروبا من الموت جوعا نحو الموت غرقا في البحار والمحيطات بحثا عن الامل والحياة الكريمة!!

كفاه ما يرتكبه العدو الظالم بحقه من قتل وتشريد واعتقال وحصار !!

فليبحث الجميع عن القواسم المشتركة التي توصل شعبنا إلى بر الامان والسلام ،، فهذا الشعب الطيب والمكافح والصابر يستحق الأفضل !! يستحق ان يعيش بكرامة وحرية على أرضه كما شعوب كل العالم .

كاتب سياسي فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here