أحمد عبد الرحمن: الأموات لا يهبون شعوبهم الحياة.. والسلطة الفلسطينية مثال على ذلك!

أحمد عبد الرحمن

كنت أعتقد قبل عدة أشهر بأن “السلطة الفلسطينية ” بقيادة رئيسها “محمود عباس” قد وصلت إلى مرحلة الموت السريري ، وانها تنتظر فقط رفع اجهزة التنفس الاصطناعي عنها لِتُفضي غير مأسوف عليها إلى ما قدمت يداها .

ولكني اعترف الآن بأنني كنت مخطئاً في ذلك الاعتقاد ، حيث تبيّن لي بالأدلة الدامغة بأن تلك “السلطة” التي جاءت لتشكل نواة الدولة الفلسطينية المستقلة، وتكون ملجأً لكل اللاجئين والمبعدين في مشارق الأرض ومغاربها قد ماتت بالفعل منذ زمنٍ طويل ، وان ما نراه الآن هو شبحها فقط ، وهذا الشبح يحضّره البعض من السحرة والسماسرة في الغرف المغلقة ليواصلوا عملية النهب والارتزاق على حساب الشعب الفلسطيني المنكوب والمنهوب.

فكيف يمكن ان تكون هذه السلطة حيّة وجميع وظائفها الحيوية لا تعمل ،فعلى المستوى السياسي مواقفها أقل ما يُقال عنها بأنها مترهلة وضعيفة ، وعلى المستوى الأمني ليس لها وظائف إلا ما يقرره الاحتلال ، وعمليات الاقتحام للمدن من جانب جيش العدو بدون أدنى مقاومة لا تخطئها عين !!

السلطة منذ نشأتها لعبت دورا خطيرا في التفريط بحقوق الشعب الفلسطيني ، وكانت على الدوام الشمّاعة التي يستخدمها “المطبّعون” العرب لتبرير خضوعهم واستسلامهم امام العدو المركزي للامة ” إسرائيل ” ، وحديث “برهان السودان” قبل أيام معدودة خير دليل !!

ورغم كل التصريحات العنترية التي كنا نسمعها من رئيس وأقطاب السلطة عن قطع العلاقة مع إسرائيل وامريكا ، ووقف التنسيق الامني ، واللجوء للمنظمات الدولية والمحكمة الجنائية ، رغم كل ذلك كانت الاوضاع على الأرض تشهد تطوراً ملحوظاً لتلك العلاقة خصوصا على المستوى الامني والذي هو الوظيفة الرئيسية للسلطة، ومن دونه لن تكون لها مبرر أو حاجة !!

وهذا الامر كان واضحاً في تصريح رئيس السلطة محمود عباس “بعد الإعلان عن ” صفقة القرن “عندما هدد بتغيير الدور الوظيفي للسلطة ، فما هو يا تُرى هذا الدور الذي كان منوطاً بتلك السلطة ويتم التهديد بالتخلي عنه او تغييره.

ربما تفاءل البعض بعد إعلان “ترامب” بموقف مختلف من السلطة للرد على تلك الصفقة التي رفضها الجميع ، وربما خُدع البعض الآخر بالتصريحات الرنّانة والنبرة عالية السقف التي سمعوها في تلك الفترة ، وظنوا ان ما كان مستحيلاً يمكن ان يصبح حقيقة !!إلا أن ظنهم قد خاب ، وتفاؤلهم ذهب ادراج الرياح !!

فالخطاب الباهت لرئيس السلطة في مجلس الامن الدولي ، ومشاركة الوفد الفلسطيني في اللقاء التطبيعي الذي عُقد في ” تل أبيب “تحت عنوان ” برلمان السلام الإسرائيلي ” ،واستضافة قاضي القضاة ” محمود الهباش ” لمجموعة من المستوطنين الصهاينة وتناول طعام الغداء معهم، بالإضافة لانخفاض سقف التصريحات ضد الصفقة وداعموها ،وعرقلة زيارة وفد المنظمة إلى غزة ، والكثير من الخطوات الاخرى ،كل ذلك أعاد للأذهان موقف السلطة المعتاد من جميع القضايا التي تهدد مصير القضية الفلسطينية.

لذلك بات واضحاً لكل المتأمّلين خيرا من سلطة لا تُجيد سوى فن الكذب والخداع والاستقواء على شعبها ،في مقابل إجادتها التامة لسياسة الانبطاح والهروب امام  العدو الذي يحتل الأرض ويقتل الشعب وينهب الخيرات ، بات واضحا لهم أن رهانهم كان خاسراً ، وان أملهم لن يتحقق ،وأن سلطة تم تشكيلها لأداء وظيفة أمنية بالدرجة الاولى لن تكون قادرة على تحقيق آمال شعبها ، ولن تتحول بين ليلة وضحاها إلى مشروع تحرر وأداة مقاومة في وجه المشروع الذي شُكلت من أجل حمايته !!

قد أبدو متحاملاً على تلك السلطة التي لم نرَ منها ما يشفع لها خلال أكثر من 27 عاما من تشكيلها ، وقد يعتقد البعض خصوصا من الذين يستفيدون منها بشكل او بآخر أنها قدمت لهم الكثير من الخدمات خصوصاً على المستوى المادي !!

ولكن ما لا يجب ان يغيب عن بال الجميع أن تلك الاموال التي يتم دفعها هي بمثابة ثمن للسكوت على نهب الارض والاستيلاء على المقدسات وتهجير الشعب !!

العالم تحت القيادة الامريكية ليس جمعية خيرية توزع الأموال والمعونات بدون مقابل ، فكل دولار بثمن !! وكل العطايا والمساعدات لا تعدو كونها رشاوى لبيع الاوطان والتنازل عن الحقوق .

في الختام نقول أن فاقد الشيئ لا يُعطيه ، وان الاموات لا يستطيعون أن يهبوا الحياة للآخرين .

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

3 تعليقات

  1. مقال ممتاز ومتوازن شكرا للكاتب المحترم

  2. jaklin
    ان تهديد عباس بوقف التنسيق الامني قد اصبح ممجوجا. وكل ما يقوم به وعصابته الفاسدة هو المماطلة كي يجنوا الأموال ليثروا على حساب هذا الشعب المنكوب.هؤلاء المرتزقة وخاصة الامن الوقائي يسهرون على أمن المستوطنين ويبطشون بأهلنا. انها ثورة المليون عقيد!!

  3. هذا كله صحيح، والكاتب ليس متحاملا على السلطة وحكامها، بل انه إظهار للحقيقة كما هي والتي اصبح معظم الشعب الفلسطيني يدركها الا من كان مستفيدا منها او مخدوعا بشكل تام. نريد المزيد من تعرية هذه الشرائح والشلل التي تحذو حذوها.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here