أحمد خلف: هل للأكراد حق في إقامة دولتهم المستقلة؟

ahmad khalaf

أحمد خلف

ثارت نقاشات مؤخرًا بخصوص حق الأكراد في تقرير مصيرهم وإقامة دولتهم.

وفي الحقيقة هذا النقاش يجب أن يكون مبنيًّا على إدراك أوسع لفكرة القومية وأهميتها لتفسير نشأة الأمم والدول.

هناك العديد من النظريات التي تفسر وتبحث عن الاعتبار القومي الجدير بالاعتبار في تقرير أحقية مجموعة ما من البشر في إقامة دولتهم، فهناك عدة عناصر تتنافس النظريات المختلفة على اعتبارها أساسًا لتفسير أحقية مجموعة ما من البشر إعلان انتمائهم لدولة ما وتميزهم عن غيرهم، مثل: الجغرافيا أو التاريخ المشترك أو اللغة أو المصالح  المشتركة أو الدين أو العرق…. إلخ.

الكثير من النظريات تتحدث عن اشتراك مجموعة من العوامل في تحديد العنصر الأكثر فاعلية لنجاح إقامة دولة ما، وكل منها يركز على عامل يقود غيره من العوامل ويهيمن عليها ويحدد الصيغة التي تبرر وتسوغ أهمية إقامة دولة ما، كالعِرق مثلا كما هو في حالة كردستان مع مراعاة مساعدة العوامل الأخرى كالتقارب اللغوي والديني والجغرافي والشعور بالتمييز ضدهم… إلخ.

وفي تقديري فإن العامل الحاسم في تقرير فاعلية جانب معين بفرض نفسه على قوم معينين ليسعوا في سبيل إنشاء دولة معينة، يكون في جانب فريق منهم لديه سطوة أو نفوذ مادي أو أدبي على باقي الجماعة يركز على جانب ديني أو جغرافي أو عرقي أو غيره ليجعله رأس حربة لتأسيس القومية التي يسعى بها لتأسيس دولة ما، وقد يكون في تقديم هذا العنص على غيره ظلم لعنصر آخر كان يستحق التقديم، كتقديم رابطة الاشتراك في مصالح معينة بين بعض المجموعات وإهمال الروابط الثقافية أو تهميشها، بالرغم من أنها ربما تكون أوثق من تلك المصالح المشتركة وأكثر جامعية وأحفظ للاستقرار أو غير ذلك.

وهناك عدة أسباب قد تتدخل لتفضيل تصور عن غيره كانحياز أيديولوجي للفريق صاحب النفوذ الأكبر، أو لنفوذ احتلال سابق عمل على تشكيل مستعمراته في ظل استقلال شكلي يسمح له باستمرار الهيمنة؛ فيعمل على ترويج جانب يُمَكِّنُ من تأسيس فكرة قومية يُمْكِنُ إنشاء دولة على أساسها بما يُمَكِّنُ المحتل السابق من استمرار بسط هيمنته ونفوذه، أو استغلالا لتغيرات إقليمية ودولية حادثة وهكذا.

وتأتي في هذا السياق قضية “حق تقرير المصير” وهي قضية شديدة الحساسية؛ لأن لها أكثر من بُعْد، فلا يجوز اختزال القضية في جانب الحرية فقط لأي مجموعة بشرية في تأسيس دولة جديدة أو الاندماج مع دولة قائمة بدعوى “تقرير المصير”، فهناك تأثيرات قد تكون شديدة الضرر ببقية مجتمع الدولة التي تسعى مجموعة منه للانفصال عنه، كحرمان الدولة الأصلية من مزايا جيواستراتيجية تتعلق بموقعها، أو في عمل تغيير ديموغرافي لشكل هذا المجتمع وتوازنات القوة فيه قد تؤدي إلى مخاطر تصل إلى حد الاحتراب الأهلي أو المواجهة العسكرية مع دول أخرى، لذلك إذا كان من حق مجموعة بشرية أن تسعى لتقرير مصيرها بالاستقلال، فإن من حق المجموعة الأخرى أيضًا أن تقرر الاحتفاظ بالمكاسب التاريخية لها أو بالمزايا الجغرافية أو الاقتصادية أو بوحدتها مع المجموعة الأخرى أو بتمسكها بالتنوع داخل مجتمع واحد.

بطبيعة الحال فإن دعوات الانفصال تستند غالبًا على وقائع تمييز ضد المجموعة البشرية التي تريد الانفصال، أو نزاعات عرقية أو دينية أو اقتصادية، سواء حقيقية أو مفتعلة، ويترافق معها بطبيعة الحال وعود برفع الظلم وتغيير الأوضاع للأفضل وتحقيق مكاسب، وفي مدى صلاحية النزاعات ووقوع التمييز من فئة ضد أخرى لتقرير السعي نحو الانفصال نقاش كبير؛ لأن رفع الظلم أو إيقاف النزاع لا يكون سبيله الوحيد في كل الحالات إعلان الانفصال والاستقلال، وكذلك فإن وعود رفع الظلم وتحقيق الاستقرار غير محققة الوقوع خاصة بالنسبة لدولة ناشئة على غير رغبة جارها الأصيل على الأقل؛ فتكون عرضة للتهديد من جانبه، والاستغلال المُفْقِدِ لإرادة الدولة الجديدة من قوى دولية أخرى تكون في الغالب مناوئة للدولة التي تم الانفصال عنها، وهذا يؤدي إلى وجود مخاطر جسيمة تتعلق بأمن وسلامة الدولة الجديدة ومواطنيها، وأمامنا نموذج واضح لما وقع في جنوب السودان على سبيل المثال بعد استقلالها مباشرة عن السودان من انشقاقات وحرب أهلية وموجة كبيرة من الاضطراب وعدم الاستقرار والنزاع الحدودي.

ولذلك تخضع هذه القضية لتعامل حساس من جانب كل الدول، ولا تتم بسهولة، كما حدث مؤخرًا في جنوب السودان، وكما يحدث حاليًّا في قضية الصحراء المغربية في المغرب، وإقليم الباسك في أسبانيا وكذلك إقليم كتالونيا بها أيضًا، ولا ننسى محاولات إسكتلندا المتكررة للانفصال عن بريطانيا، وهذا كله بالرغم من تمتع هذه الأقاليم بمقاربة توفيقية حيث تخضع للحكم الذاتي والتمتع باستغلال مواردها الخاصة.

لكل ما سبق نستطيع أن ندرك مدى خطورة الخطوة التي أقدم عليها إقليم كردستان باستفتائه على الانفصال عن العراق، ولماذا تبدو خطوات جيران هذا الإقليم بل والقوى الدولية الأخرى على هذا القدر من ردود الفعل العنيفة والاستنفار ضد هذه الخطوة، وهو أمر مثير للفكر أيضًا حول تقييم وتقدير فكرة الدولة القومية الحديثة والسعي نحو تطويرها بما يؤدي إلى تمتع الأفراد والجماعات بالعيش داخل مجتمعاتهم باستقرار هُوِيَّاتِيٍّ وتمتع بالحقوق الإنسانية وبما يؤدي إلى تحقيق السلام والأمن الدوليين.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here