أحمد بنميمون.. وجوب عودة الوعي إلى الإبداع

 

ahmad bin yanmoon

أحمد بنميمون

ألم يحن الوقت ، وقد دخل الزمن المغربي والعربي لحظة ثورية متميزة، ليدرك أدباؤنا وفنانونا عمق المؤامرة الثقافية و الفنية، التي روج لها دعاة فصل العمل الإبداعي، عن تراثه وتاريخه وواقعه وحماعته الإنسانية؟ فجاءت البنيوية لتقول:بالنص ولا شيء إلا النص،فكانت الدعوة إلى فصل الذات عن المجتمع، لنصل إلى انتاج إبداعي مصطنع لايقول شيئا ولا يحلم بشئ، الآن يجب الدفاع عن استعادة العمل الإبداعي لعلاقاته التاريخية والاجتماعية، فمن هنا يجب أن نبدأ.إن ناقداً يحكم بتأخير نص أدبي أو عمل فني، لا لشيء إلا لكونه يعكس ملامحه الاجتماعية بقوة، ويثبت الهوية التراثية للغته، لهو ناقد ينطق في الحقيقة بأحكام وصلت إليه عن طريق جدده له أعداء ثقافة الإنسان المغربي والعربي، ففي زمن الثورة العربية الراهنة على الإنتاج الفني والأدبي ألا يخشى من أن يعكس أحلام وتطلعات الإنسان  ،وأن يدرك حقيقة الأوهام التي زعمت بوجود ذات معلقة في فراع، لاتنتمي لعصر أو مكان، فمن حق هذه المرحلة من تاريخنا وحياتنا، أن تظفر بمن يعبر عنها فنيا وإبداعيا، وأن يحس إنساننا أن هناك فناً و أدباً يتوجهان إليه ، ويعبران عن واقعه،وقد تحمل الأيام  الآتية نوعا جديدا من “التوبة”، يقدمها أدباء ونقاد ومثقفون، قاموا منذ نحو نصف قرن، بالدفاع عن أطروحات مغلوطة ، في الأدب والفن، قالت بإمكانية وجود “فن للفن” ـ  ;أدب قيمته في ذاته، والحقيقة أن ما قالوه ، إنما كان جزءا من صراع شامل، كان كل طرف فيه، يتكلم عن أهداف سياسية، بمفردات النقد الأدبي، ولكن ليحقق أهدافاً بعيدة عن الفن تماماً،  ولمن شاء أن يلمس حقيقة ذلك الصراع ، فليتأمل لغة النقد الأدبي عند كل من أتباع الواقعية الاشتراكية وعند نقيضتها المدرسة البنيوية في كل تجلياتها، فهل لنا أن نعي مقدار الأهداف التي حققهادعاة فصل الأدب عن الحياة والتاريخ؟

لقد أصبح هناك ـ مع سيادة نظرية الفرد الخلاق ، والذات المنفصلة عن مصادر الذكاء الإنساني، من يقولُ بأن الفرد يمكن أن يعيش بلا بيئة ولا عائلة ولا مجتمع، وقدأدى ذلك للأسف إلى تعميق احتقار الذات، وانفصالها حتى عن مصادر قوتها الاجتماعية والتاريخية والثقافية ، فلذلك لا نعحب أن وجدنا لغتنا العربية قد عاشت اسوأ مراحل ضعفها ، خلال الخمسين سنة الأخيرة، لسيادة مفاهيم ومزاعم غربية تقول أن مصادر الثقافة الحقيقية توجد في الغرب ، وأن هذا العالم لا يمكن التعبير عنه إلا انطلاقا من وجهة النظر الغربية ، وتلك الأهداف لم تتحقق لأعداء مجتمعنا السياسيين والثقافيين ، إلا لتوالي أحداث عمقت ثقافة الهزيمة في مجتمعنا، واليوم نرى أن اللحظة الثورية في الوطن العربي ، تقدم لنا الفرصة لتصحيح هذه الرؤية ، ليعود لنا الوعي بذاتنا، ونتغلب على ما ينشره أعداء مجتمعنا بيننا ـ وعلى ألستنا ،فقد شاع بيننا التخويف من الأصولية ومن ثقافة المقاومة، وممن يتكلم في التجمعات بلسان عربي مبين، إذ لايكاد يصنع أحد ذلك ، حتى يصنف في أحسن الحالات ضمن الفئات الرجعية المتخلفة!!

إن نظرية خلود الأدب نظرية رومانسية، وقد ظهرت بعدها نظريات أخرى تقول بوجود أدب يتجه لقارئ العصور المقبلة ،وكلا النظريتان تتنصل من مسؤولية مواجهة الواقع، حقيقة أن هناك مواضيع كبرى في الأدب يستطيع بعض الشعراء والأدباء أن يبلغوا في تأملها مستويات إبداعية مثل الموت والمصير الإنساني وحقيقة الكون والحب و الغضب والتعلق بالطبيعة والحق والجمال والخير، فينبهر الناس بما يقوله المبدعون حولها، فيكتب لها أن تظل مفيدة لقراء جميع العصور،ولا يستطيع تحقيق ذلك المستوى إلا قلة من الكتاب تهيأت لهم فرص المعرفة العميقة التي تتيح إدراك عبقرية اللغة التي يكتبون بها، فتأتي كتاباتهم معجزة في الإبداع، وقمة في مجالها الذي تخوض فيه، ويبقى الخلود مسألة نسبية، فالكاتب يكتب لتجدي الموت في الحقيقة، وإثبات ذاته ، لكننا حين نبحث عما نجنيه من الكتابة ، لا نخرج إلا بجملة مكاسب رمزية.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here