أحمد القاعود: ضرورة إيجاد مصالحة في مصر وإنقاذ ألاف المعتقلين

أحمد القاعود

رسائل من سجون مصر حيث يقبع عشرات الألاف من الأبرياء في ظروف غير أدمية للتنكيل الجسدي والنفسي تطالب جماعة الإخوان ممثلة في قيادتها الحالية ، وهي تعيش في الخارج، بإيجاد مخرج مع السلطة التي يرأسها عبدالفتاح السيسي وإنهاء مأساة هؤلاء وأسرهم ووقف نزيف الأرواح المستمر بلا انقطاع في ظل سلطة تتوحش يوما عن الأخر ولا تعبئ بالإنسان أو الوطن.

تقول قواعد العقل أن كل حرب بين طرفين مهما طالت سيتحاور في النهاية قادتها، وأي حرب بلا نهاية تعد ضربا من ضروب العبث وغياب الحكمة. والوضع البائس في مصر خير دليل على هذا العبث.

مرت أكثر من ست سنوات على الانقلاب العسكري على الرئيس محمد مرسي، الذي تمسك كقائد وزعيم تاريخي بدوره وضحى بحياته في السجن ليصبح شهيدا لمصر والثورة دون أن يحدث أي حلحلة في الوضع المتأزم واداد إنسداد الأفق السياسي وغياب أي رؤية للحل في الصراع الدائر بين جماعة الإخوان المسلمين والقوى المدنية وشركاء ثورة يناير من جهة وبين الدولة العميقة التي يحكمها الجيش والأمن من جهة أخرى.

مرت السنوات وأضاعت جماعة الإخوان المسلمين زخما ثوريا أسطوريا صاحب الانقلاب على الرئيس مرسي مرورا بمذابح العسكر المروعة وحتى هولوكوست رابعة النازي، وغيرها العشرات من الوقائع والانتهاكات غير الأخلاقية والانسانية التي كان يمكن أن تديم حصار النظام العسكري في مصر وتدينه دوليا على الرغم من وجود الحقيقة الأزلية التي مفادها أن العالم لا يعترف إلا بالقوة، والقوة كانت ولا زالت مع السيسي.

فقد الزخم الثوري بريقه في بدايات العام 2015، حيث كانت المظاهرات لا زالت مشتعلة والثوار يجوبون الشوارع والأزقة دون كلل أو ملل، رغم محاولة النظام وحلفائه في الخارج تجاهلها والتعتيم عليها بحجة أن الاخوان فقط هم من يتظاهرون لإعادة مرسي إلى منصبه.

فقدان الزخم هذا وغياب الرؤية وعدم وضوح منهج للنضال الثوري ضد حكم عسكري يجب أن تتحمله قيادات جماعة الإخوان المسلمين بدء من هذه الفترة، والتي بدا الوضع بعدها أشبه ما يكون بتسليم المتظاهرين أو الثوار إلى أجهزة الأمن وتعريضهم للخطر دون رد حقيقي أو خطة عمل توضح لماذا يتم التحرك بهذا الشكل ولصالح ماذا وما هو الهدف؟! كما بدا أيضا من هذا الوضع المؤسف والمثير للشك أن هناك إما محاولة لإبقاء الوضع كما هو عليه لصالح الحكم العسكري وجهات إقليمية ودولية أخرى، بحيث يكون لدى السيسي مبررا وشرعية لحكمه بحجة مكافحة جماعة الإخوان المسلمين التي تمارس الإرهاب في مصر وتهدد الدول العربية وعلى رأسها دول الخليج وتهدف للاستيلاء على السلطة فيها، وبحيث يكون لدى الأطراف الإقليمية والدولية الأخرى، المعارضة لحكم السيسي، الذراع أو الفزاعة للنظام الحاكم في مصر، بأن هناك قضية لم تقفل بعد وأننا قد نؤلب الشارع وسنعيد الاخوان إلى الحكم مرة أخرى. وبين هذا وذاك غابت الرؤية عن قيادات الجماعة، وتمت التضحية بعشرات الألاف من المصريين نتيجة التردد في حسم الملفات والتعامل مع الجمهور الثوري كما يتعامل السيسي مع جنوده. فالقادة مستمرون والجماهير قرابين القضايا بغض النظر عن طبيعة هذه القضايا.

تعاني عشرات الآف من الأسر المصرية معاناة تثير الأسى والحسرة نتيجة إعتقال أبنائها، فهناك من دخل السجن طفلا وأصبح في الجامعة الآن، وهناك من دخل صحيحا وخرج عليلا، ومنهم من دخل وخرج في نعشه، ناهيك عن الألم النفسي المفزع الذي يعانيه ذوو هؤلاء الأبطال بدء من عملية الاعتقال والاختفاء وتقفي الأثر والسؤال في كل قسم شرطة وحتى استجداء أي نافذة إعلامية لنشر خبر كتوثيق لعملية الاختفاء، خشية من أن يتعرض هذا المخطوف إلى عملية تصفية بحجة مشاركته في عمل مسلح، كما اعتادت القوات الأمنية أن تضحي بعشرات المختفيين قسريا بعد كل تفجير.

الألم النفسي شيئ والمادي شيئ أخر، فأسر المعتقلين فقدت عوائلها وأصبحت أمورها في ضنك وضيق ولا تقدر على المعيشة في ظل هذه الظروف التي تتزايد فيها أسعار السلع يوما بعد الأخر.

إن صاحب الألم وحده هو من يعيشه وهو من يتجرع مرارته وليس من الأخلاق أن يتم المتاجرة بهم أو التحدث باسمهم من المناضلين على وسائل التواصل الاجتماعي أو خلف شاشات الفضائيات. بالفعل هناك أراء ووجهات نظر حول الوضع السياسي ترفض الاعتراف بنظام السيسي بالمطلق، لكن هناك واقع يقول أن السيسي أصبح أمرا واقعا ومتحكما في كل مفاصل الدولة ويثبت أركان حكمه دول إقليمية على رأسها إسرائيل والسعودية والإمارات وقوى خارجية أهمها الولايات المتحدة الأمريكية والغرب وروسيا.

عدم الاعتراف بالواقع والتعامل معه ببراجماتية قد يكون عبثا حتى لو كانت الأهداف نبيلة، فالمصريون الذين قاموا بالثورة في يناير 2011 يتوقون إلى الحرية والعدالة دوما ولن تتراجع مطالبهم أو تخفت أو تنزوي، فالزمن غير الزمن والجيل غير الجيل، ولو كان النظام الحالي أشد إرهابا وبؤسا وفسادا من الأنظمة العسكرية السابقة التي تلت انقلاب 1952.

إن الخروج من عالم ” السوشيال الميديا” الأزرق والتخلي عن الإعجابات والمشاركات ورفع الصوت عاليا والمزايدة على الجميع حتى على من يدفعون الثمن وضريبة الحرية في السجون الكئيبة هو واجب القيادات والمؤثرين من كافة التوجهات، إذ طال القمع الجميع وأصاب القهر الوطن بأكمله، وبالتالي فإن الخضوع لابتزاز اللجان الإليكترونية أو الحسابات الوهمية أو حتى الشخصيات الحقيقية من أصحاب الصوت العالي الذين يخوضون حروبا هدفها إضعاف الصف الرافض للانقلاب العسكري والمعارض لحكم السيسي، يجب أن يكون منهج المستقبل في التعامل مع القضايا. فالخضوع لابتزاز السوشيال ميديا ومحاولة إرضاء الرأي العام بها، كما حدث في عهد الرئيس محمد مرسي كان كارثة بكل المقاييس على الوطن بأكمله، حيث خضعت السلطة وقتها لابتزازات عبثية وأخبار وهمية مهدت لانقلاب وحشي سحق الجميع حتى من مارسوا هذا الابتزاز أنذاك.

وهنا يجب توجيه رسالة واضحة لكل الرافضين لإيجاد مخرج من هذا الوضع البائس والعاملين على إستمراره في الصف المعارض، وهي: ما هي الحلول لديكم لاسقاط السيسي؟ وكيف ستستردون حقوق الشهداء؟ وكيف ستخرجون المعتقلين؟ وما هي رؤيتكم للنضال؟ وما هي أوراقكم التي ستفاوضون بها السيسي؟ وكيف ستساندكم قوي إقليمية أو دولية؟ أين مظاهراتكم على الأرض التي ستجبر السيسي على الحوار معكم؟. كل هذه الأسئلة يجب أن يجيبوا عليها، وقبلها يجب أن يتخلي المتربح من هذه المزايدات عن دخله من البرامج واللقاءات التلفزيونية أو المقالات وغيرها، وأن يغلق حساباته على وسائل التواصل الاجتماعي وينسى جمع الاعجابات والمشاركات وتعليقات الحسابات الوهمية، وأن يستعد كل شخص يقول أن المعتقلين لم يطلبوا الخروح لأن يدخل السجن بدلا من واحد منهم، ثم يدخل أمه وأبوه وابنه وزوجته تخفيفا عن الأسر التي لديها هذه المكونات في السجن وأن يستعد لاهانات طابور الزيارة ومصاريفها بدلا من هؤلاء الذين دفعوا ثمن الثورة والحرية ويتعرضون لمتاجرة الآن.

ستبقى الثورة هي أمل المصريين في الخلاص وإعادة الحقوق لأصحابها والقصاص من القتلة، وعندما تحين الثورة فإن الواقع يجب أن يتم التعامل معه بعقلانية وبراجماتية تحقق أفضل الأوضاع للجميع وأهمها بالقطع هو تحرير المعتقلين والتخفيف عن أهاليهم من الشقاء وإنقاذ المحكومين بالاعدام من قبضة سلطة لا تحترف إلا القتل، ووقف الملاحقات والمطاردات والتصفيات الهمجية والبدء بمحاولة إحياء فكري حقوقي وإنساني للوعي الجمعي المصري ليدرك أن الوطن هو الحرية والكرامة ولا يقبل المصري أن يهان مصري أو أي إنسان أخر على أرضه.

صحافي وكاتب مصري

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. لا نقول إلا “حسبنا الله ونعم الوكيل … نعم المولى ونعم النصير … وفوضنا أمرنا إلى الله إن الله بصير بالعباد”!

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here