أحمد القاعود: شكوى السفير الإيراني في مصر والسياسية التي يجب أن تتغير

أحمد القاعود

“لقد أرسلنا مرارا دعوات لجهات رسمية مصرية لمشاركة في إجتماعات علمية وثقافية، لكننا لم نتلقى ردا من أي جهة!”. كانت هذه الشكوى من رئيس مكتب رعاية المصالح الإيرانية بالقاهرة السفير ناصر كنعاني، أمام عدد من الصحفيين دعاهم لمناقشة دور الإعلام في دعم العلاقات المصرية الإيرانية.

شكوى السفير حملت مرارة تجاه غياب سبب مفهوم لعدم تواصل الجانب المصري مع الجانب الإيراني، كون البلدين يعتبران قطبين في الإقليم. ورغم شكواه فإن السفير دعا لتطوير العلاقات بين البلدين في شتى المجالات، سياحية وثقافية وعلمية، إذ هناك الكثير من الجوانب التي يمكن أن يستفيد منها الطرفان باعتبارهما دولتين كبيرتين في منطقة تتعرض لتقلبات سياسية عنيفة.

كلام كنعاني يجب أن تتلاقاه السلطات المصرية بترحاب وتجاوب، إذ لا يمكن القبول بأن تظل العلاقات بين البلدين بهذا المستوى الغريب والمستفز من التجاهل. فإيران ليست دولة في أمريكا الجنوبية، وليست في المحيط الهادي، وإنما دولة، أمة، يفصلها عن مصر شبه جزيرة العرب فقط، وتجاهل وجودها هو تصرف ضد المصالح الوطنية المصرية.

والعام الماضي شارك مسؤول بوزارة الخارجية المصرية في إحتفال مكتب رعاية المصالح بالعيد الأربعين للثورة الإسلامية في إيران. ويتم دعوة السفير الإيراني للحوار أمام مركز بحثي تابع للخارجية المصرية، لكن العلاقات تبقى شيئا غير مفهوم وأصبحت غريبة.

إن مصر أيا كان نظامها الحاكم يجب أن يكون لها رؤية استراتيجية تجاه الإقليم والمنطقة والعالم، ولا يمكن رهن دورها الخارجي لصالح دول هي أضعف بكثير منها وأقل تأثيرا منها، كالسعودية والإمارات، ولا يمكن أن تكون خاضعة للسياسة والنفوذ الإسرائيلي. فهي في النهاية أكبر الدول في الشرق الأوسط سكانا وتاريخا، وتركها للساحة بهذه الطريقة الغريبة بات أمرا لا يمكن السكوت عليه.

وتستطيع مصر على الأقل بناء علاقة متوازنة مع إيران، فعبارة جوفاء مثل “أمن الخليج خط أحمر” وهي عبارة صنعتها أنظمة الخليج للمزايدة بها على مواقف الدول العربية وابتزاز مصر ويتم تسويقها إعلاميا، دون أن يكون لها مضمون حقيقي يجب أن تنتهي للأبد. فأمن مصر في قوتها هي وقوة شعبها وفي وجود استراتيجية تسير الدولة وفقا لها. إذ لا يمكن قبول بأن يكون دور مصر كدور مملكة البحرين مجرد تابع للسعودية والإمارات، أو دور محلل لإسرائيل لنشر التطبيع في أرجاء المنطقة والقبول به وحماية أمنها دون تحقيق أي إنجاز يذكر أو يضاف لشعبها.

بالنظر إلى العلاقات الإيرانية الإماراتية ينبغي التوقف عند حجمها الكبير والذي يتراوح بين 11 و15 مليار دولار، رغم الخطاب العدائي الذي تصدره وسائل الإعلام الإماراتية للجمهور العربي، لعبا على مشاعره وابتزازا للدول الأخرى وعلى رأسها السعودية ومصر. كما أن العلاقات السياسية والأمنية بين الإمارات وإيران لم تنقطع وتتزايد يوما عن الآخر. هذه البراجماتية الإماراتية في التعاطي مع السياسية يجب أن تنتهجها مصر وأن تبتعد عن فكرة المحاور التي أخضعتها في حقيقة الأمر لدول كان يفترض أن تكون هي التابعة لمصر لا العكس.

وإذا كانت مصر لا تريد التقارب مع إيران سياسيا نظرا لأن رعاة النظام الحاكم حاليا في الخليج لا يسمحون بذلك، فإنها يمكنها أن تتقارب اقتصاديا وعلميا وثقافيا، بما يحقق لها المنفعة ويجلب لشعبها المصالح. فإيران التي استمرت طيلة 41 عاما من العقوابات القاسية وطورت اقتصادا غير قائم على النفط وقطاعا طبيا متقدما وصناعة عسكرية ومدنية معتبرة، يمكن التعاون معها، واستغلال هذا الحصار بإقامة علاقات تجارية كبيرة تحقق الكثير لمصر.

وهنا يجب لفت النظر إلى العلاقة السياسية المتدهورة بين تركيا والنظام المصري، فمع ذلك فإن العلاقات التجارية كبيرة والسلع التركية تغرق مصر، ولم تنقطع السياحة المصرية إلى تركيا ولا العمل الثقافي أو تعلم اللغات ويتقدم آلاف الطلبة المصريين سنويا للفوز بمقعد ضمن منحكة الحكومة التركية للتعليم العالي.

كل هذه الأمور يمكن مناقشتها والبدء فيها مع إيران والسعي لمصالح المصريين أولا وقبل أي شيء. أما أمن الخليج الذي ييعتبر خطا أحمر فيترك أمره لأساطيل الدول والكتائب الأجنبية التي تكدست بها شبه الجزيرة العربية ولأسرها الحاكمة، فهي المسؤولة عن حماية هذا الأمن وليست مصر. ولا يمكن التغاضي عن رهن الدور المصري لمثل هذه الأقاويل الفاسدة التي تدار بها السياسة المصرية حاليا.

إن تطوير العلاقات بين البلدين قد يرجعه البعض في مصر لكون إيران احتفت بقاتل الرئيس الراحل أنور السادات الذي استقبل بدوره شاه إيران بعد الإطاحة به واستمرار أسرته في زيارة قبره في القاهرة والتطبيع مع إسرائيل. وهذه الحادثة التي طواها التاريخ يجب تجاوزها، وإذا لم تكن مصر مستعدة للبدء في هذه المرحلة بوقف زيارات أبناء الشاه لمقبرته وإقامة احتفال سنوى عندها، فإن إيران يمكنها أن تأخذ المبادرة وتغير اسم الشارع الذي يحمل اسم قاتل الرئيس الراحل في طهران. وقتها ستكون الكرة في ملعب القاهرة.

كاتب مصري

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. مقال متزن رائع! و أنا بدوري أقدم شکوی! تجدید العلاقات و رفع العقبات بحاجة إلی أصحاب عزائم و لیس من یقربهم الی السعودیة الهلع من الاخوان المسجونین و المشردین و حب الرز..

  2. ایران به ۸۰ملیون نسمه و مصر به ۹۰ملیون نسمه و هاذ دول عندهم تاریخ اکثر من خمس تالاف سنه و دولتین اسلامیه . و لاکن بسبب وجود مخالفه من العرب و الامریکان یمنعون التقارب بین هاذی الدول و رئیس الراحل حسنی مبارک رحمه الله ردن علا سوال الصحفی اللی سئل منهو سبب عدم تقارب بین الدولتین قال یمنعوننا من التقارب و امن الخلیج ما لها صحه و مثال علا ذالک وجود الکثر من ۵۰۰ الف ایرانی فی الامارات و استثمارات الایرانین فی امارات اکثر من ۶۰۰ میلیارد دولار و تبادل التجاری السنوی ۱۵ میلیارد دلار.
    ایران دوله مسلمه و فی عهد الشاه فی زمن انور السادات اعطت مصر قرض و من بعد الثوره تقریبا اکثر من ۲۰ سنه ایران طالبه مصر به رد القرض و لاکن دولت مصر ما کان لدیها تسدید المبالغ و ایران فی المقابل اخذهً مصانع سکر و بنو متخصصین المصرین ۷ مصانع له انتاج السکرفی ایران و الاَن ۴۰ فی المیه من انتاج السکر فی ایران من هاذی المصانع

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here