أحمد القاعود: أربعون الثورة الإيرانية وتراجع العرب

أحمد القاعود

أربعون عاما مضت على الثورة الإسلامية بإيران أو ثورة “الخميني”، شهدت المنطقة فيها تغيرات جذرية وعميقة اندثرت فيها أنظمة وظهرت أخرى، بينما استقر التشكيل الجيوسياسي أقرب إلى ما هو عليه وقت قيام هذه الثورة عام 1979.

تمثل إيران الإسلام الشيعي بينما يمثل العرب الإسلام السني، وهنا كان لا بد من الصراع الأزلي الذي يرتضيه الغرب، وإثارة النعرات الطائفية وشحذ الرماح والسيوف من السنة ضد الشيعة ومن الشيعة ضد السنة، فيستمر التناحر وتزداد الكراهية ويتعمق الانقسام وتبقى المنطقة خرابا، لا يزدهر بها سوى إسرائيل!.

بعد أربعين عاما على قيام الثورة الإيرانية ضد نظام الشاه التابع للغرب والذي أذاق شعبه الويلات، يجب النظر إلى الأوضاع في إيران بعين الدراسة المتفحصة والمتعمقة وأن تقدم هذه الدراسات إلى صناع القرار في العالم العربي، لبناء استراتيجية حقيقية تمكنهم من الاستمرار في ظل عالم محكوم بالقوة، ولا يوجد للضعيف مكان فيه.

فرضت الحرب على إيران فرضا، من قبل أمريكا عقب الإطاحة بالشاه، وطرده إلى منفاه ومثواه الأخير في مصر “السادات” بينما أحكم الحصار والملاحقة الدولية عشرات السنين على الشعب والنظام هناك، لكن النظام الجديد والدولة تجاوزت كل هذه الأحداث التي لو فرضت على دولة عربية لانهارت في بضع سنين وربما أشهر قليلة، وأصبحت مباحة لكل القوى من الشرق إلى الغرب.

إن الثورة الإسلامية الإيرانية، رغم اختلاف الأسس والمناهج، يجب أن تدرس في العالم العربي، ويجب أن تكون مثالا، خاصة للشعوب التي صنعت ربيعها قبل ثمان سنوات، فالإنتكاسة التي طالت ثورات الربيع العربي على يد أعدائها فى الداخل أو ضمن النظامين الإقليمي والدولي، كان يمكن ألا تقع إذا ما تم التعلم واستخلاص الدروس من الماضي القريب، ويتمثل في الثورة على نظام الشاه وتبعيته المخزية للغرب الاستعماري.

ستظل قضية التبعية هي المشكلة الأولى التي تجعل العرب على هامش العالم، بينما كان التخلص من تلك التبعية في إيران بمثابة حافز ومشجع قوي ورئيسي على النهوض حتى لو كان الحصار موجعا والأعداء في كل جانب. فالنظام أصبح أقوى من أي وقت مضى والاعتماد على الذات صار قوة دافعة ومسألة كبرياء قومي.

ومن هنا فاننا نقف أمام أربعين عاما، كان الانجاز الإيراني فيها كبيرا داخليا وخارجيا، وبغض النظر عن الحديث عن الحريات، فكيف تستمر دولة ونظام تحت هذه العقوبات وتتطور أكثر من غيرها من دول الإقليم التي تنعم في تبعيتها للغرب وتغرق في مستنقعات الفشل والتخبط. فأنت أمام منجز علمي وطبي وصناعي ومنجز عسكري صاعد وكبير ومنجز نووي يسبب الصداع لعدو المنطقة الأول، إسرائيل ومن ورائها الولايات المتحدة الأمريكية.

وبالمقارنة بين حال الدول الرئيسة في المنطقة العربية التي دارت وتدور في الفلك الأمريكي، نجد أنها لازالت تتخبط وتتمزق وتتصهين بمرور الأيام، فلم يعد لأنظمتها هوية حقيقية، ولم تعد لها إرادة في أمر نفسها، كما أنها لم تضف منجزا لا علميا ولا ثقافيا ولا فنيا، وانما كانت المنجزات تزداد ترديا بمرور الأيام، وصولا إلى فواجع أكل الأخضر واليابس كما يحدث في دول الربيع المغتال، والهرولة الفجة تجاه إسرائيل.

ان مقارنة حال البلدان العربية بجارتهم إيران يدعو للأسى على حال هذه الدول فاقدة الهوية والهدف والاستراتيجية، وخصوصا مصر التي انزوت تحت حكم عسكري سحق إرادة شعبها، والسعودية التي أصبحت تتبني الأجندة الصهيونية بحماس وإصرار وكأن إسرائيل هي المنتهى، منها جاءوا ومنهى سينتهوا.

وهنا يجب التساؤل عن جدوى التعامل العربي مع إيران بصورته البائسة الحالية: هل هو تعامل حر وتعبير عن رغبة حقيقية من الأنظمة أم أوامر فرضت وخطوط رسمت في تل أبيب أو واشنطن؟!

على الدول العربية أن تتبنى إستراتيجية جديدة تقوم على التحرر من التبعية المقيتة إلى الغرب وتهدف للاستقلال الوطني، والانحياز إلى المشروع العربي الإسلامي، والبعد عن تبني وجهة النظر والاستراتيجية القومية للكيان الصهيوني. وعلى هذه الدول أيضا إعادة العلاقات مع دولة إيران باعتبارها دولة مسلمة وشقيقة أيا كان النظام الحاكم هناك وأيا كان الاختلاف على ملفات سياسية هنا أو هناك.

باحث بالشأن الإيراني

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. مقالة ممتازة. بقي ان اعلق على فكرة الحرية التي اشار اليها المقال. لا توجد في الواقع حرية غير محدودة في اي بلد في العالم. في امريكا لا يمكنك ان تنتقد اسرائيل علنا في مكان عام. هذه تجربة شخصية مررت بها. اذا فعلت فستجد انهم يستجوبونك للتأكد من أنك لست ارهابياً و لا صلة لك مع حماس او حزب الله او ايران. بل يطلب منك الشخص الذي تحدثه ان تخفض صوتك اذا تحدثت ضد اسرائيل. لاحظت هذا الامر في مكانين هما واشنطن و نيويورك و كنت احسب قبل ذلك انني استطيع ان اقول ما اشاء!!

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here