أحمد أشقر: تصويت في سياق مختلف.. صراعات داخلية وتكثيف تهميش عرب 48

 

 

أحمد أشقر

تنويه: هذا المقال لا يتحدث عن التصويت، أو دعم طرف دون بقية الأطراف، كما أنه لا يتحدث عن المقاطعة. هذا المقال يأخذ من التصويت تُكأةً، مُستحضراً الماضي ليلج إلى المستقبل شارحاً فيه حالة التعقيد والأزمة التي يعيشها عرب 48 في ظل غياب ناظم فكري وبرنامج سياسي عربي قومي يكونون هم جزء حيّ وفاعل فيه. هذا المقال نصّ من نقاش يجري بصورة أو أخرى.

   *     *     *     *

في غضون أقل من سنتين يتوجه الإسرائيليون إلى انتخابات كنيست رابعة (في الثالث والعشرين من شهر آذار 2021)، ستكون الكنيست الرابعة والعشرين. وهي انتخابات تختفي عنها ثلاثة موضوعات مركزية: مصير الأرض المحتلة سنة 1967 ومكانة عرب 48، وتردي الوضع الاقتصادي لدى فئات واسعة من اليهود نتيجة السياسة النيوليبرالية والخروج الاجتماعي غير الآمن والمُطمئن الذي سببته جائحة كورونا، وتغوّل سلطة رئيس الحكومة وبطانته على السلطة التشريعية التي تعمل ليل نهار على إضعاف مؤسسات الدولة مثل أجهزة الشرطة والقضاء ومراقب الدولة. أما النقاش الذي نتابعه في الإعلام فهو عبارة عن خلاف مجموعات تنتمي إلى عظم رقبة السلطة تدعي أنها الأفضل في إدارة شؤون الدولة لصالح مواطني الدولة اليهود فقط بحسب قانون القومية لسنة 2018، أما العرب فهم “جوييم”، رعايا، وليسوا مواطنين. وبطبيعة الحال لن يتطرق هذا المقال لأيّ من المواضيع المذكورة لأن الوضع الاقتصادي وتغوّل سلطة (نتنياهو) والسلطة التشريعية وتغليب مبدأ السيادة الشعبية الذي وضع أسسه أحد المنظرين النازيين (كارل شميدت) هما نتاج السياسة الاستعمارية لإسرائيل التي تعتقد أن قوة ومَنَعة الكيان أهم من وضع ناسها وسلامة أداء مؤسساتها. كما أن مصير الأرض المحتلة سنة 1967 ومكانة عرب 48 هما أيضاً نتاج هذه السياسة منذ بداية المشروع الصهيوني ووعد بلفور 1917 وقرار التقسيم 1947 ونكبتي 1948 وأوسلو سنة 1993 التي عملت إسرائيل فيها على تجديد استعمارها بشرعية ومساندة فلسطينية وعربيّة، خاصة إذا أدركنا حجم الكارثة التي تعبّر عنها المحادثات التي جرت بين سلطة أوسلو للتنسيق الأمني وحزب الليكود كي يقوم عرب بدعمه في الانتخابات القادمة كما كشفت (يديعوت أحرونوت في 22/2/2021).

يشارك عرب 48 في الانتخابات اليهودية -على وجه الدقة- كمصوتين يقومون بمنح الشرعية للكيان الاستعماري وسياسته ضدّهم، أما ما كشفته الصحيفة المذكورة فيشير إلى وجود نيّة عند سلطة رام الله إلى لجرّ عرب 48 إلى تعميق وتكثيف منح شرعية لحزب الليكود وسياسته العدوانية تجاه كل عرب فلسطين (والأمة العربيّة). تجري هذه الانتخابات في سياق خاص لم ينتجوه هم وإن شاركوا فيه ككومبارس. من أبرز معالمه ما يلي:

1 – تعودنا في العقود الثلاثة الأخيرة أن تنشط مجموعات مختلفة تموّل من الخارج  (أطراف أمريكية، السلطة الفلسطينية والخليج). إلا أن هذه الحملات توقفت هذه المرّة وبات محمد دراوشة الذي كان أبرز رموزها منافساً على الأصوات من خلال قائمة (معاً) الانتخابيّة التي شكلها مؤخراً. أما شريكه لسنوات طويلة، ثابت أبو راس، فالتزم الصمت وعاد كما كان ناشطاً في الحزب والجبهة. كذلك دعمت سلطة رام الله جمعية الأهالي بإدارة عضو الكنيست السابق عن تجمع عزمي بشارة، جمال زحالقة إلى جانب جابر عساقلة، الذي أصبح عضو كنيست عن الجبهة، لتشجيع التصويت لـ(إيهود براك). لذا يمكن القول إن هذا التغير بافتراق طريق دراوشة وأبو راس وبروز نيّة سلطة رام الله لدعم الليكود يعلمنا علم اليقين أن القوى التي تقف خلف تلك الحملات تخلّت عنها لأنها أدركت أن السياسة الإسرائيلية في الكنيست لن تقبل بالنواب العرب شركاء حتى ولو صوّتوا وصفقوا لقصف قضاء غزة بالسلاح النووي. فالـ”جوييم” غير مسموح لهم مشاركة “جمع يهوه النوعي” حتى بجرائمه ضدّهم. إضافة لما تقدم تمحور هدف هذه الحملات في العمل على تغيير أبرز معالم الخطاب السياسي للتنازل عن الحدّ الأدنى لحلّ القضيّة الفلسطينية (دولة بجانب دولة) والمساواة غير المشروطة. في هذا المحور كان النجاح باهراً.

2- جاء شقّ/ انقسام القائمة المشتركة انسجاماً مع توقف الحملات المذكورة لأن مموليها الماليين والفكريين أدركوا أن وجود 13- 15 نائباً عربيّاً في الكنيست غير مرغوب بهم لأنهم قد يشكلون قلقاً وعدم استقرار في حياتها السياسيّة. لذا يتوجب التخلص من هذا العدد بشقّه أولاً، في هذه المرحلة على الأقل، ثم التفكير لاحقاً بسؤال: هل يجب إبقاء العرب في دوائرهم التصويتيّة وليقرروا هم توزيع أصواتهم كما يريدون، أم العمل على تقليل عدد نوابهم بحدود 8- 11 لا أكثر؟ يمكن لأيّ منا الوصول إلى هذه الاستنتاجات من خلال تتبعه لما تبثّه وتسوقّه وسائل الإعلام الإسرائيلية وفراخها الصغار من (عربيّة- إسرائيليّة- فلسطينية) عن حصول القائمة المشتركة ناقص الإسلامية الإسرائيلية 8- 11 نائباً والإسلامية من 0-5 نائباً. أي أننا أمام استطلاعات فضفاضة لنفس المجموعة من إعداد عدة مراكز استطلاع لها باع طويل في هذا المجال. وعليه أعتقد أن الساعة الأخيرة قبل انتهاء التصويت وبدء فرز الأصوات ستكون حاسمة لعقد صفقات أو تزوير الانتخابات. فمن استمع مرة واحدة لشخص شارك في عملية فرز الأصوات يدرك أهمية الساعة الأخيرة التي تكون عادة مليئة بدروب وضروب تزوير الانتخابات والتصويت، ليس عند العرب فقط، بل عند كل مجاميع الناخبين اليهود. ستتم عملية التزوير المحتملة جداً إما لخفض عدد نواب القائمة المشتركة أو من أجل إنجاح قائمة الإسلام الإسرائيلي أو أية قائمة أخرى إذا اعتقد الجالسون على سدّة الحكم وشيفرات حواسيب فرز الأصوات أن مصلحتهم بتزويرها. في ظلّ سلوك انتخابيّ سائل قد تحدث مفاجآت من العيار الثقيل بأن تكون نتائج المشتركة متساوية مع نتائج الإسلام الإسرائيلي. في هذا السياق نذكر ما يلي:

أ – في ثمانينيات القرن الماضي عندما ازدهرت الأبحاث الكميّة عن التمييز الذي تمارسه إسرائيل ضد العرب وصف عرابّها (سامي سموحه) من جامعة حيفا النظام السياسي الإسرائيلي بأنه “ديموقراطيّة إثنيّة”. وعندما بدأ الحديث عن أزمة النظام البرلماني الإسرائيلي في التسعينيات وضرورة تعديله بانتخاب رئيس الحكومة مباشرة كتب (سموحه) أن العرب في إسرائيل هم من سيقررون من سيكون رئيساً للحكومة مستقبلاً. إلا أن توقعه هذا لم يتحقق لأنه لم يدرك جحم التناقض بين الجذور الدينية لإسرائيل وسلطاتها المختلفة ودور العرب في حياتها السياسية.

ب – في تسعينيات القرن الماضي استحدث (معهد ديان) في جامعة تل أبيب برنامج “السياسة العربية في إسرائيل” ترأسه (إيلي ريخس) الذي ترأس بعده مركز (أديناور). في تلك الفترة الأكاديمية اعتاد (ريخس) على جمع وجهاء القوائم العربية عشية الانتخابات في بيته لتوحيدهم وأغراض أخرى (…). في مقابلة مهمة مع أسعد تلحمي نُشرت في الصفحة الرابعة بالاتحاد بتاريخ 7 حزيران 1991 قال (ريخس) ما يلي: “جرّت العادة أن يحلّ اليهود ضيوفاً على العرب في قراهم ومدنهم وهناك تقام الذبائح والولائم.. هكذا كان في سنوات الستين. هذه المرة جاء محاضرون عرب لالتقاء زملاء يهود لإجراء بحث جذري في مواضيع هامة بدون الحاجة إلى مناسف وولائم!! ولعل مشاركة الوزير موشي آرنس في حفل الاستقبال الذي أقمته في بيتي مؤشر إيجابي لاهتمامه بالموضوع الذي طرحناه”. هنا يُطرح السؤال: إذا كان الحضور من أكاديميين عرب ويهود لإجراء حوار، ما هو دور وزير “دفاع” وخارجية وخبير بميكانيكا الطائرات بهذا؟! بعد لقاء تلحمي المذكور بأقل من شهر قامت الاتحاد في الرابع من آب بتغطية ندوة دعت إليها رابطة عرب يافا شارك فيها (ريخس) والراحل سالم جبران (1941- 2011). وفي التاسع من تشرين الثاني من السنة نفسها أجرى الصحفي عزمي حكيم حديثا مطولاً معه في الاتحاد (…). وعليه نطالب الذي اشتركوا في “ولائم” (ريخس) أن يفصحوا عن أهدافها وعمّا جرى فيها. بدأ نجم (ريخس) يلمع بعدما استدعاه (رابين، 1925-1992) صبيحة يوم الأرض 1976 كي يشرح للحكومة عمّا حدث في اليوم المذكور، ثم بدأ حياة نصفها أكاديمي (…) هدفت إلى تدجين الأكاديميين العرب، فقد كرر مئات المرات في محاضراته وأبحاثه قائلاً إذا استمر التمييز ضدهم “سينزلون إلى الشوارع ويجرّون الجماهير معهم”. و(ريخس) هو صاحب فكرة استيعابهم في مؤسسات الدولة والسماح لهم بإقامة الجمعيات.

3- تجري هذه الانتخابات في سياق محموم تقوم فيه المؤسسة السياسية والحزبية والمجتمع اليهودي بنزع الشرعية عن أعضاء الكنيست العرب برفض استجدائهم للمشاركة في حكومة ضد (نتنياهو)، وضرب أية محاولة تقوم بها أية مجموعة عربية لانتزاع شرعيتها ومكانتها في سياقها الخاص، كما حدث في بداية جائحة الكورونا عندما حاول الأطباء العرب مثل “عائلة أطباء عربيّة في الخطوط الأماميّة لمواجهة الوباء” والمهنيين الصحيّين العرب الظهور وكأنهم جزء عضوي من الجهاز الطبي في إسرائيل، وبالرغم من استخدامهم استعارات لمصطلحات اليهود العسكرية، مثل جنود في المعركة/ الجبهة/ ساحة المعركة/ الخطوط الأمامية/ المواجهة/ الانتصار، إلا أن اندلاق بعضهم واستجدائهم تمت مواجهته من قِبَل اليهود بالصدّ ولم يتقبلوهم، لذا بدأوا بالندب والعويل على الـ(ساحة) التي سهمدتها لهم صحيفة الأشكناز اليهود، (هآرتس)، ليبرطعوا فيها بمقالات على شكل عتاب وعويل وغضب الحبيب من الحبيب. وسلك بعض الأطباء والممرضين وكأن مشفى (رمبام) في حيفا عاد إلى صاحبه الدكتور حمزة، ومشفى (فولفسون) جنوبي يافا عاد إلى صاحبه الدكتور الدجاني (العودة لغة، الرجوع إلى المكان أو زيارة شخص للاطمئنان عليه). يمكن القول إن استحداث (هآرتس) باب “الساحة” يؤكد عمق استعلائية القائمين عليها تجاه العرب والمثقفين الواقفين بالدور للكتابة فيها. والاستعلاء عمليّاً استخفاف بانتمائهم القومي، وكفاءاتهم وتحصيلهم الأكاديمي والبحثي. وصلت حالة الاندلاق درجة أخرى حين قام أحد الممرضين العرب في مشفى الرهوة/ المرج في العفولة على مرافقة أحد اليهود المُحتضرين قبل موته بقليل بقراءة “شِمَع يِسرءل/ اسمع يا إسرائيل” لأن عائلته تأخرت عن الوصول إليه نتيجة حالة الطقس العاصفة. في المرّة القادمة عندما يتأخر العريس اليهودي عن الوصول إلى خيمة زفافه من المتوقع أن يقوم نادل عربيّ بقراءة “مبارك الربّ لأنه لم يخلقني goy/ جوي” . طالما أن العائلات العربيّة وأطباءها مغرمون باستخدام المُصطلحات العسكرية، لماذا إذن لا يرسلون بعض هؤلاء الأولاد لدراسة العلوم العسكرية، ولتكن وهميّة ليكتمل النُقُل بالزعرور؟!

4-تميّزت الاستعدادات للانتخابات المذكورة بتزايد عدد النساء العربيّات اللواتي ترشحن في أحزاب صهيونية أو رغبن بالترشح إلى جانب جنرالات مارسوا كل صنوف الإرهاب والعنف ضد ‘شعبهن’. في هذا السياق يجب أن تشكل هذه الحالة مبحثاً مجتمعيّاً مهماً في دور الجمعيات النسوية وعملها في ‘التمكين’ اللذين أنتجا هذا التشوه الأخلاقي والسياسي لدى النساء في الحياة السياسية، ومدى علاقة أموال المُضارب الأكبر في البورصة، (جورج سوروس)، والـ(U.S.AID) بتمويل مُقاوِلات ثانويات على شكل جمعيات لدفع هؤلاء النساء إلى صدارة العمل- وليس النشاط- السياسي والحديث باسم ‘شعبهن’ و’مجتمعهن’ دون أن ينتخبهن أحد. هنا علينا الاعتراف والقول إن وجود الجمعيات المُموّلة من الخارج عمل غير صحّي وغير ديموقراطي- بالمقابل إن وجود المُجتمع المدني الذي تشكل الجمعيات الأهلية والنقابات والأحزاب المُنبثقة عنه ضروري جداً في المجتمع الفلسطيني وبقية المجتمعات. لندرك حجم التشوّه الذي وصلت إليه بعض الجمعيات وخطورة عملها، علينا الانتباه حين نسمع بعد كل جريمة ضد المرأة يقترفها فاعل معلوم أو ‘مجهول’ كيف تقوم الحركات النسوية بالتنديد بعمليّة القتل. وهذا سليم ومطلوب بالضرورة؛ لكن عندما يُقتل رجل لا نرى مثل هذا الاحتجاج، حتى أن السيدة رفاه عنبتاوي جمعت بين الشرطة وجهاز القضاء والمجتمع في المسؤولية عن الجريمة (مقابلة مع سليمان أبو ارشيد في عرب 48). هذا الوضع يدفعنا إلى الاستنتاج أن من شروط عقد مُقاولة نسويات رفض العنف، هي التمييز بين دمهن ودم الرجال الذين هم في دائرة خطر القتل أكثر بأربعة أضعاف من النساء (وفقاً لإحصائيات جرائم القتل). وأن وظيفتهن هي العمل على تحميل المجتمع المسؤولية عن الجريمة وإدانته، بدل رصّ الصفوف المجتمعية لمحاربة الجريمة وليس افتعال استقطاب ومواجهة بين النساء والرجال. لكنهن بهذه المواقف المتناقضة يعملن على تقسيم المجتمع على أساس جنسيّ يقولن عنه: جندريّ. وقد وصل تشوه رَجُلَة أعمال عربيّة إلى درجة الترشح لمنصب رئيس دولة إسرائيل! (لغة، يجوز تأنيث الرجل بإضافة تاء التأنيث). أما (ابتسام مراعنة- منخوين) فقد زفتها وسائل الإعلام اليهودية إلى الـ(مِكفي) فيه ليبدو للبعض منّا أن أجداد صاحب دولة اليهود هاجروا من الفريديس هرباً من جيش إبراهيم باشا الذي مرّ من هناك.

5-شكلت تصريحات سابقة للنائبة عايدة توما حول العلمانية عند أتباع الإسلاميين والمحافظين فرحة ونشوة تتجاوزان انتزاع مكة من الملأ القريشي واحتلال القسطنطينية من البيزنطيين. فاستخدموا هذه التصريحات مشعلاً طائفيّاً يطوفون فيه على كل موقع وديوان واقعي أو افتراضي. الأمر الذي يتعارض مع مبدأ السلم الأهلي الذي بات هو الآخر مُستهدفاً من معاول ومهدّات ممولي الجمعيات المختلفة بما فيها ‘العلمانيّة’. في هذا السياق يجب القول إن مهمة علمنة المجتمع لا تقع على عاتق الإسلاميين بالأساس وإن تكن مشاركتهم في الحوار والنقاش المُجتمعيّيّن هامّة وضرورية، بل على عاتق المجاميع العلمانية التي لم تتحدّ بعد في قوة وسياق موّحد، لأنها خافت أو أرجأت الحوار المجتمعي تحت مسوغات شتّى لم تكن يوماً حصيفة يُعتد بها. فاستمرار الخوف والإرجاء من شأنه أن يقضيا عليها في سياق تطحن فيه الهويات الجهوية والطائفية- ومنها “فقه الأقليات” التي باتت مصالحها مثل الثقب الأسود يبتلع كل شيء- الهوية القوميّة. يكشف الخلاف الدائر بين المجموعتين اللتّين لا تختلفان من حيث الخلقية الاجتماعية والبنيّة الذهنيّة عن هوّة عميقة وخطيرة في البنيّة الاجتماعيّة المتصدعة المتهالكة، ليس على أساس طائفي فقط، بل على خلفيّة مفاهيم تنتمي إلى العلمانية والحداثة (على علّاتهما).

6- أتابع باهتمام الحوارات التي يجريها الإعلامي سليم سلامة مع شخصيات فكرية وثقافية وناشطين سياسيين من عرب 48 على شاشة (إحنا.  (tvعلى أمل الخروج بأفكار جديدة يمكنها أن تسهم في خروجهم من واقعهم المأساوي إلى فضاء نشاط سياسي غير مرتبط بالانتخابات واستحقاقاتها. كما أنني أتابع مقابلات السين جيم الذي ينشرها الصحفي السيّد سليمان أبو ارشيد في موقع عرب 48. وما يجمع هذه الحوارات والمقابلات هو أنها تستنطق وتسوّق مواقف وأفكار مهنيين ومتخصصين وعلماء في مواضيع أكاديمية بموضوع معقد وشائك جداً ألا وهو النشاط السياسي ومحاولة اجتراح مسار يتخطى الحالي البائس، علماً أن عدد من هؤلاء الأكاديميين هم عمّال وموظفين في جمعيات. ومن تحليل أفكارهم نجد أنهم كلهم يقفون عند محور مفصليّ مأزوم، ومعقد ثلاثي العلاقة بين الوطن والمواطنة والحقوق المدنيّة، الذي حلّه غير متحقق أبداً إلا في الدولة القومية كما يؤكد لنا التاريخ يوماً بعد يوم. في هذه الحوارات والمقابلات يتحدث كل مُحاور ومحاورة من منطلق ميكرو تخصصه وميكرو اهتمامه السياسي وميكرو العرب أو الفلسطينيين في إسرائيل أو الداخل. ويغيب عن أفكارهم الجزء الثاني الماكرو من عرب فلسطين في الضفة والقطاع والأمة العربيّة. في هذا السياق نؤكد أن هذه المنطلقات مأزومة بجوهر نشأتها لسببين، الأول- لم تعمل الدول الاستعمارية على إنتاج مواطنة ومساواة للشعوب والأمم التي استعمرتها وتواصل استعمارها؛ والثاني- المواطنة والحقوق والانتخابات والمجتمع المدني هي استحقاقات الدولة القومية، الإطار الوحيد القادر على إنتاج الحوامل والروافع الاقتصادية- الاجتماعية- الفكرية- القانونية لها. فمن ينظر إلى حال الأمة العربية التي تعيش شعوبها في دول وأقطار ومعازل ‘وطنيّة’ تابعة يمكنه أن يدرك مدى الضعف التي تواجهه.

 بالمناسبة: تحلّ هذه الأيام الذكرى السنوية لقيام إبراهيم باشا بحصار اسطنبول سنة 1841. حاول إبراهيم باشا ووالده محمد علي باشا مرتين توحيد مصر وبلاد الشام بجعلهما فلسطين الجسر العضوي بينهما، كما أن إبراهيم قام بضرب سلطة آل سعود في الحجاز لمواقفها العدائية ضد مصر. وحاول عبد الناصر ضربها مرة ثانية في اليمن. وتحلّ ذكرى الوحدة المصرية- السورية في الثاني والعشرين من شباط 1958. ما أشبه اليوم بالبارحة!

ملاحظة أخيرة: في مقال سابق لي بعنوان “التصويت الهُوّيّاتي: قد يفوز كلّ من المُصوتين والمُقاطعين” حللت فيه نتائج انتخابات الكنيست السابقة الثالثة والعشرين من منطلق الصراع الهوياتي بين العرب واليهود، وكتبت ما يلي: “وهذه النتيجة على أهميتها هي نتيجة مأزومة لأنها تنبع من هوية ردّ فعل ضعيفة وغير بارزة المعالم الفكرية والعملية وتعيش في حالة من “الأزمة المفتوحة” كما وصفتها قبل أكثر من عقدين. لذا فإن عدم إدراك أهمية هذه النتيجة وتحويلها إلى نقطة اشتباك بالمفهوم الغرامشي بعمقه (وليس كموّزع مناشير كما يتعامل معه بعض المثقفين العرب) فإن العديد من مُصوتيها هذه المرّة سينضمون في المرة القادمة إلى صفّ دبكة (المُلّا)” (يؤسفني أن أكون مصيباً لأنني لا أريد السوء لشعبي). لكن هذه المرّة قامت سلطة رام الله بدفع عرب 48 خارج صفّ الدبكة لتشبك أذرعها مع حزب ليكود المُلّا في دبكة عرف تاريخ الانحطاط العربي مثلها الكثير. لم نصل إلى القاع بعد.

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

  1. طبعا للتنويه معظم فلسطينيو الداخل 48
    لا يشتركون بالانتخابات
    وليس جميع ممرضي عرب ال48 مندلقين
    فهولائك  من كانو يغنون لليهودي قبل احتضاره شمع ايسرائيل لا يمثلون سوى انفسهم
    فاليوم دخل اكثر من 10 الف فلسطييني
    من قرى الجليل والنقب والمثلث الى باحات الاقصى لكي يصلون فيه
    ومت ضمن الواصلين
    اطباء فلسطينيين مرموقين
    طبعا بخصوص غياب افكار  اهل الداخل عن الجزء الثاني الماكرو من عرب فلسطين في الضفة والقطاع والأمة العربيّة
    لا يمكن القاء اللوم في ذالك على اهل ال48  وحدهم لان سبب هذا هة نشوء سلطة اوسلو اللتي مزقت بين الثلاث فئات المشتته وهم القدس الضفه والداخل والقطاع والشتات  ايضا لاحظت ان كل فئه فلسطينيه تتحدث من منظور الماكرو الخاص بها وهذا نتيجة الفصل الممنهج بين الفلسطينيين وخلق فئات وهميه بينهم

    لكن صراحه ادركنا جميعاً ان هدف زج الاحزاب العربيه في الكنيست ليس لتمثيل فلسطينيو ال48
    بل لتدميرهم وتشويههم وتدمير محافظتهم
    حيث ان يوجد قريه بالداخل معظم الفتيات لا يرتدن الحجاب (انا من الداخل والكلام ليس عنصري لكن لاوضح خطورة الحرب الشعواء ضدنا ) لكن بالمقابل لدينا ام الفحم فيها معظم الفتيات محجبات دينا واخلاقاً ولبسا واحتشاماً

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here