أحسن تليلاني يقاطع مؤتمر باكو للمسرح بسبب مشاركة إسرائيل

أحسن تليلاني

تلقيت دعوة رسمية من وزارة الثقافة لدولة أذربيجان من أجل المشاركة بتقديم محاضرة علمية ضمن أشغال المؤتمر الدولي الخامس للمسرح بمدينة باكو المزمع عقده يومي 05 و 06 نوفمبر 2018 و هذا بمشاركة عديد الدول العربية و الاسلامية و الأجنبية، و قد تحمست حقيقة للمشاركة في هذا اللقاء خاصة و أنه يناقش إشكالية  ” فلسفة المسرح في القرن 21 : سياق الوجود ” ، و هو موضوع مهم جدا لكونه يبحث في أسئلة أهم التيارات الفكرية و الفلسفية المؤسسة للممارسة المسرحية المعاصرة . لذلك عكفت على إعداد مداخلة عنوانها “مسرح ما بعد الدراما في السياق الجزائري و العربي” على أساس أن شكل مسرح ما بعد الدراما هو أهم ما أصبح يميز المسرح العالمي عامة و منه المسرح العربي المعاصر الذي تأثر بدوره بالوسائط الإلكترونية و طغيان المؤثرات السمعية البصرية مما جعل المسرح فرجة تراهن على الابهار و الادهاش الجمالي بغض النظر عن الرسالة و الهدف المنشود من العرض.

لكنني رفضت المشاركة في هذا المؤتمر و وجهت احتجاجا مكتوبا للمنظمين في أذربيجان لكونهم وجهوا دعوات مشاركة لوفد مسرحي اسرائيلي، و مما زاد في غضبي أنهم أخفوا ذلك عني و لم يشيروا إليه في نص دعوتي مما يجعلني أعتبر ذلك احتيالا مقصودا.

إنني كاتب ملتزم بالقضية الفلسطينية حتى أنني أنجزت عدة دراسات حولها ، و منها دراستي العلمية الموسومة بعنوان ” القضية الفلسطينية في المسرح الجزائري ” ، كما أنني تشرفت بكوني صاحب فكرة عقد مؤتمر فكري حول” فلسطين و قضية القدس في المسرح العربي ” كنت قد عرضتها – الفكرة- على الباحثين العرب المشاركين في مهرجان المسرح العربي المنعقد بتونس شهر جانفي الفارط ، ليكون محور أحد المؤتمرات الفكرية التي تعقدها الهيئة العربية للمسرح، و الحمد لله أن تلك الفكرة لقيت الموافقة من قبل الجميع ،فتحولت إلى توصية بعد اعتمادها رسميا من قبل الأمانة العامة للهيئة العربية للمسرح في خطاب الاختتام الذي ألقاه الأمين العام للهيئة: المسرحي القدير إسماعيل عبد الله، فكانت تلك الوقفة من أجمل فتوحات حياتي.

نعم أعتقد أن مقاطعة المؤتمرات الثقافية التي تحضرها إسرائيل بصفة رسمية هو واجب علينا نحن أبناء الأمة العربية ، لأن هذه المقاطعة تعني رفض الجلوس إلى جانب كيان يحتل أرضا عربية هي فلسطين و يستبيح مقدسات إسلامية تتمثل في القدس و المسجد الأقصى أولى القبلتين و ثالث الحرمين الشريفين ، ناهيك عما يحدث من ظلم و عدوان في حق الشعب الفلسطيني المغدور و المقهور بسبب تسلط الكيان الصهيوني من جهة و بسبب تخاذل الأنظمة العربية عن نصرته من جهة ثانية .

إن المقاطعة هاهنا تعني رفض العدوان و تعني المطالبة بالحرية و تعني الدفاع عن حق فلسطين في الحضور و في الوجود  ، و كما ترى يا صديقي فقد تهاوت جميع قلاع المقاومة حتى أن التطبيع مع الكيان الصهيوني صار أمرا عاديا بالنسبة لأغلب الأنظمة العربية ، بل و حتى أحزاب المعارضة ، بل و حتى الكثير من المثقفين العرب الذين صاروا يهرولون لخطبة ود إسرائيل و منهم حتى بعض المثقفين الجزائريين للأسف على غرار بوعلام صنصال هذا الكاتب الذي لا يفوت أي فرصة للتزلف لإسرائيل و زيارتها ، و هو أمر مرفوض بالنسبة لي أنا الجزائري ابن الريف الذي رضع قيم التحرر في حليب أمه و عرف قيمة الأرض و تحريرها من الاستعمار من خلال تضحيات آبائه و أجداده ، كما تعلم أهمية الالتزام بقضايا الوطن و الأمة و الإنسان عامة من خلال عشرات السنين من الدراسة و التعلم و التأثر بكبار المثقفين الملتزمين ، فأنت نفسك تعرفني من سنين كاتبا ملتزما و مثقفا عضويا يضع مصلحة الشعب و الأمة فوق كل اعتبار.

أنا ليست لي مشكلة شخصية أو إيديولوجية مع اليهود فهم أبناء عمومتنا و هم كتابيون مثلنا ، و هم إخواننا في الإنسانية ، و هم شعب محترم قدموا للإنسانية الكثير من الاختراعات و الإبداعات ، و لو دعيت إلى ملتقى يحضره يهود كأفراد فإن ذلك لا يحرجني في شيء ، بل سأحضر إلى جانبهم و أناقشهم و أصادقهم ، و لهم دينهم و لي ديني ، أما أن تكون المشاركة رسمية و باسم الدولة الإسرائيلية ، فإن ذلك ما لا أقبله لأن هذه الدولة بنت وجودها على إلغاء فلسطين و اجتثاث شعبها ، فهي دولة صهيونية عنصرية تقوم على مبدأ اعتبار اليهود شعب الله المختار في حين تحتقر العرب و تستبيح أرضهم و كرامتهم و مقدساتهم ، و لذلك لا أستطيع الجلوس مع يهودي يمثل العلم الإسرائيلي ، لأن ذلك معناه أنني أزكي مقولات الصهيونية و أزكي الممارسات الإسرائيلية على الأرض الفلسطينية المحتلة ، إنني أرفض المشاركة كي أحث الصهيونية على مراجعة إيديولوجيتها وأفكارها العنصرية و كي أطالبها باحترامي و الاعتراف بحقي في الوجود و في الاختلاف و بحق فلسطين في الحفاظ على هويتها العربية الاسلامية . إن هذه المقاطعة بهذا المعنى هي أحسن مرافعة لصالح القضية الفلسطينية ، لأنها – المقاطعة – تحرج الكيان الصهيوني و تلفت انتباه الرأي العام العالمي إلى ما يعانيه إخواننا الفلسطينيون جراء الاحتلال الإسرائيلي ، أما إذا حضرت و شاركت و جلست إلى جانب المثقف اليهودي و هو في موقف تمثيل دولة إسرائيل فإنني بذلك أكون قد قفزت على حقيقة الاحتلال بل و تقبلته و باركته ، و ذلك ما لا أستطيعه أنا الذي رضعت ثقافة المقاومة و تشبعت بأشعار محمود درويش و سميح القاسم و كتابات غسان كنفاني ، و أنا الذي لا يفتأ يدندن بأنغام مارسيل خليفة ، حتى أنني أبكي كثيرا عندما أسمع الفنانة العظيمة جوليا بطرس و هي تغني ” وين الملايين ؟ الدم العربي وين ؟ الشرف العربي وين” .

طبعا الشعب الجزائري معروف بالنخوة العربية و معاداة الممارسات الإسرائيلية العنصرية و التوسعية ضد الشعب الفلسطيني الأعزل ، فنحن كما تعلم نردد دائما شعار ” نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة ” ، و لا أحد بإمكانه إنكار دور الجزائر حكومة و شعبا في دعم القضية الفلسطينية ، حتى أن إعلان تأسيس الدولة الفلسطينية قد تم على أرض الجزائر ، و أعتقد أن الشعب الجزائري بحكم تاريخه التحرري المشرف هو أكثر الشعوب العربية مناهضة للصهيونية و للكيان الإسرائيلي ، فاليهود لعبوا دورا كبيرا في دعم الاستعمار الفرنسي ، لذلك تشكلت لدى الجزائريين عامة عواطف رفض تجاه إسرائيل ، كما تشكلت عواطف دعم و مساندة للقضية الفلسطينية

Print Friendly, PDF & Email

6 تعليقات

  1. كل يوم يزديد تعلقي بك اكثر استاذنا هكذا هم الرجال و الرجال مواقف.

  2. موقف بطولي من طرف الأستاذ الدكتور أحسن تليلاني الكاتب و المثقف المعروف بحسه الوطني و القومي. تحيا الجزائر و عاشت فلسطين.

  3. جزائري حر من يفعل ذلك…..ومن يفعل غير ذلك هو عميل منبطح للصهاينة وللأمريكان

  4. موقف مشرف يحسب للمثقف الجزائري الحق الذي يرفض التطبيع بشتى أشكاله بما فيه التطبيع الثقافي…
    بوركت استااااذ

  5. هذاالموقف أعتبره شرفالنا جميعا للجزائريين عموما ولولاية سكيكدة خصوصا ولمزغيش والحروش بالأخص

  6. الفلسطينيون أنفسهم لم يقاطعون الإسرائيليين، فاظن من الأجدر المشاركة وإظهار التفوق عليهم

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here