أبو القاسم الربو: معاناة المرضي في ليبيا… ازمة امكانيات ام ازمة ضمير؟

أبو القاسم الربو

أمام المدخل الرئيسي للمركز الطبي بطرابلس والذي يعد من أكبر المراكز الطبيية في ليبيا وقف شاب ثلاثيني يحاول جاهداً الامساك بفراش ووسادة وكيس ادوية وبعض الاواني والاكواب أمام مكتب الاستعلامات ينتظر السماح له بادخال هذه الاغراض الى والدته التي تم اِيوائها بالمركز نتيجة تعرضها لجلطة دماغية حسب ما أفاد به هذا الشاب الذي أضاف بانه نظرا لخطورة الحالة وحدوثها بشكل فجائي فانه لم يكن امام العائلة من خيار الا التوجه بها الى هذا المركز وذلك لصعوبة السفربها  الى تونس ( المكان الذي يتوجه اليه جل المرضى الليبيين خاصة في المنطقة الغربية ) . وأضاف بانه وجد نفسه مضطراً لاِيوائها بالمركز وهو يعلم جيداً حجم المعاناة ويعرف انه سيكون مسئولاً عن احضار كل ما تحتاجه المريضة ابتداءً من الاحتياجات الاساسية كالماكل والمشرب والاغطية وانتهاءً بالدواء والمعدات الطبية .

قصة الشاب عيسى ليست سوى نموذج مصغر لالاف الحالات المشابهة التي تراكمت عبر سنوات من الاِنقسام والتشردم والاشتباكات التي تعيشها ليبيا  والتي أدت فيما أدت اليه الى اِنهيار يكاد يكون تاماً في قطاع الصحة حسب تقارير الامم المتحدة المتلاحقة التي انتهت الى عدم وجود حلول او خطط استراتيجية للنهوض بهذا المرفق او على الاقل لحمايته من الانهيار التام , ناهيك عن ” تعرض المستشفيات والمرافق الطبية الى التفجير والقصف والنهب بالاضافة الى اِستهداف العاملين في المجال الطبي وتعرضهم الى الاِعتداء اللفظي والجسدي في كثير من الاحيان ” , ويبدو ان الوضع في هذا القطاع مرشحاً للتدهور خاصة بعد انتشار الكثير من الامراض المعدية ومنها مرض الليشمانيا الذي أكد خبراء الصحة العالمية انه سجل في العديد من القرى والمدن الليبية الى الحد الذي اصبح يشكل وبائاً ينتشر بسرعة نتيجة الاهمال وقلة المتابعة .

ومن الجدير بالذكر ان ان الليشمانيا  مرض طفيلي يظهر بعد اسابيع عدة من لسعة ذبابة الرمل وذلك عبر ظهور حبة حمراء على الجلد تنتشر في الجسم مكونة قرحة على الجلد في أكثر من مكان , وينتقل المرض من الانسان المصاب او الحيوان الى هذه الذبابة التي تتواجد في حظائر الحيوانات والاماكن المظلمة والمهجورة . وفي هذا الصدد أشار الدكتور أحمد الغراري مدير الامراض المشتركة في المركز الوطني لمكافحة الامراض الى ان داء اللشمانيا يعتبر وباء مستوطن في ليبيا خاصة في مدن بني وليد وتاورغاء وسرت حيث تسجل في كل عام حالات اصابة بالمرض الا ان الاشهر الاخيرة كانت أكثر حدة حيث سجلت في هذه المناطق وحدها أكثر من خمسة الاف حالة ناهيك عن حالات لايستهان بها سُجلت في مدن الجبل الغربي وسهل الجفارة ومن جانبها  أفادت الدكتورة فدوى محمود البوسيفي استشاري الصحة العامة ان منظمة الصحة العالمية قامت بتاهيل فريق طبي لمعالجة 200 مصاب بهذا الداء الا ان التدريب وحده غير كاف حيث ان الحاجة الاكثر الحاحا هي توفير العقار المستخدم في علاج هذه المرض الذي اختفى من الصيدليات والمستشفيات الخاصة والعامة  حسب اٍفادتها .

وبشكل عام فان سعر العلاج لهذا المرض ليس مكلفا خاصة اذا ما قورن باسعار علاج مرض الايدز الذي كشفت منظمة الصحة العالمية مؤخراً بان عدد المصابين به وصل الى اكثر من 5000 مريض حتى ديسمبر 2018 بزيادة ملحوظة عن تلك المسجلة في السنوات السابقة ويُعزى سبب الزيادة حسب تصريح  أحمد حمزة مقرر اللجنة الوطنية لحقوق الانسان اِلى تدني الخدمات الصحية وتزايد اعداد المهاجرين وما يصاحبها من امراض مرتبطة بالهجرة وخاصة الايدز والتهاب الكبد والطاعون وغيرها , حيث أظهرت الاحصائيات ما يقارب من 900 الف مهاجر خلال سنة 2018 وهو ما يمثل حوالي 11% من سكان البلاد ومعظم هؤلاء المهاجرين من دول القارة الافريقية حيث تنتشر هذه الامراض بشكل ملفت للنظر. ورغم وجود اكثر من 20 جمعية محلية تحاول الاهتمام بهذه الشريحة الان ان نقص الادوية وشح الموارد الطبية اللازمة يجعل مهمة هذه الجمعيات ليست بالمهمة السهلة خاصة وان هؤلاء المرضى يعانون اضافة الى نقص الادوية والرعاية الصحية الى رفض المجتمع لهم وتعرضهم للمعاملة التي تعكس نظرة الجميع لهم بانهم مجرمون يستحقون هذه المعاناة , وفي هذا السياق أفاد أحد مسئولي جمعية ايادي الخير الى ان هذه الفئة اصبحت مغلوبة على امرها نتيجة تجاهل المسئولين لمعاناتهم وعدم توفر ادوية العلاج او مثبطات الفيروس وان الدولة تعتمد على منظمة الصحة العالمية وبعض المؤسسات الدولية المانحة حسب افادته .

ومن جهة اخرى لاتقل معاناة امراض السرطان عن معاناة غيرهم ان لم تكن اكثر ضراوة حيث تبدو الصورة قاتمة للغاية في ظل تزايد اعداد المصابين  , حيث أشارت احصائية اممية ان حوالي 7000 شخصا يشخصون كمرضى بالسرطان سنويا وان النسبة الاكبر تتمثل في المصابين بسرطان القولون بنسبة 12% والرئة بنفس النسبة تقريبا ويليها سرطان الثدي بنسبة 11% .

وعلى الرغم من وجوج اربع مراكز طبية رئيسية لعلاج السرطان الان ان القاسم المشترك بينها جميعا هو نقص الاماكانيات وعدم الاهتمام الكافي من الحكومات التي يجمع الليبيون على انشغالها بالصراعات السياسية ونهب البلاد وتحقيق مكاسب مادية على حساب معاناة هؤلاء المرضى , وقد أكد محمد الفقيه مدير مركز علاج السرطان بمصراتة ان أهم مشكلة تواجه المركز هي زيادة العبء على هذا المركز نتيجة لنزوح الكثير من الاهالي وتوجههم للعلاج بهذا المركز الذي يفتقر من الاساس الى اهم عنصر في علاج هذا المرض وهو العلاج الكيماوي والذي صرح مدير المركز بانه غالباً ما يتم الاعتماد في توفيره على المساعدات والتبرعات الشخصية وتلك التي تقدمها الجمعيات والمؤسسات الاهلية .

وفي نفس الاِطار هناك شريحة أخرى تضطر الى اِجراء دورة كاملة على المستشفبات حاملين معهم مرضاهم والامهم ومعانتهم علهم يجدون مركزاً يحتوي على الادوات والمعدات والادوية الخاصة بالغسيل الكلوي وهو امراً ليس باليسيرفي اغلب الاحيان فهذه المراكز حالها لايسر مريض ولا يطمئن له معاف , خاصة اذا ما شأت اقدارالمريض ان يكون مقره سكناه خارج العاصمة طرابلس , الامر الذي حدا بمدير المكتب الاعلامي بمستشفى غات القروي عائشة الغزاوي على اِطلاق نداء استغاثة لكل من يهمه الامر ( ان وجد ) شرحت من خلاله المأساة التي يعانيها مرضى الكلى بمدينة غات الحدودية حيث يضطرون الى اِلي السفر الى أقرب وحدة غسيل والواقعة بمدينة اوباري قاطعين مسافة 700 كيلومتر ذهابا وايابا لمدة ثلاث مرات في الاسبوع بعد ان توقف قسم غسيل الكلى الموجود بمستشفى غات عن العمل . ويقدر عدد المصابين بالفشل الكلوي باكثر من 4000 مريض في المنطقة الغربية فقط يحتاجون الى غسيل بشكل دوري حسب الاحصائية الصادرة من ادارة الاعلام بالمجلس الرئاسي طرابلس بالاِضافة الى اكثر من 88 الف حالة مريض بالسكر حسب التقديرات الصادرة من منظمة الصحة العالمية .

ومن الجدير بالملاحظة ان هذا الوضع المتدني لقطاع الصحة في ليبيا أدى الى تنامي ظاهرة العلاج في الخارج ليس فقط للمرضى الذين يعانون من هذه الامراض المعدية والمستعصية والتي تحتاج الى متابعة مستمرة بل وصلت الى درجة اجراء الكشوفات البسيطة او التحاليل الطبية الروتينية, الأمر الذي جعل الكثير من أولياء الامور يسافرون الى الخارج وخاصة الى تونس ومصر والاردن لاجراء التطعيمات اللازمة لاطفالهم اما نتيجة لعدم توفر هذه التطعيمات في مواعيدها المناسبة او نتيجة للتخوف من كونها تطعيمات منتهية الصلاحية كما حصل اكثر من مرة , الامر الذي ادى الى  ازمة ثقة بين المواطن والمنظومة الصحية بالكامل , حيث صرح الدكتور محمد سعد رئيس الجامعة الليبية الدولية للعلوم الطبية ” ان النظام الصحي الليبي نظام ” هلامي ” يفتقد الرعاية الاولية اِضافة الى أزمة اخرى في الجهاز الاداري تولّد عنها عداء نفسي واجتماعي بين تلك المؤسسات والمرضى ” , ناهيك عن ما يترتب عن العلاج بالخارج من اِرهاق لكاهل المواطن واستنزاف لموارده حيث انه يضطر في كثير من الاحيان الى بيع ممتلكاته من اجل توفير ثمن العلاج , حيث يقدر بعض خبراء القطاع الصحي , ان الليبيين ينفقون نحو خمسة مليارات دولار سنويا في دول الجوار لتلفي العلاج فضلا عن تعرض الكثير منهم لعمليات احتيال ممنهجة , في غياب رقابة المكاتب الصحية بالخارج.

وفي محاولة للتعامل مع هذا الوضع وتخفيف معاناة المرضى حاولت حكومة الوفاق بطرابلس اِيجاد حلول مؤقتة من خلال اصدارها لعدة قرارت بتشكيل لجان تشرف على العلاج بالخارج وخاصة لمرضى السرطان, وأوفدت لجان للاشراف على عمليات العلاج في كل من مصر وتونس وتركيا والاردن , الا ان هذا الملف مازال يواجه العديد من الانتقادات التي تتعلق بشبه الفساد والوساطة وسوء الادارة , وابتلع هذا الملف ملايين الدولارات واصبح يستغل الاستغلال السي من المنتفذين واصحاب العلاقات , ووصلت الديون المتراكمة على ليبيا الى اكثر من 1.2 مليار دينار حسب تصريح وزير الصحة بحكومة الوفاق , حيث عزا الوزيربان سبب هذا التراكم يعود الى مشاكل تتعلق بالجرحى واخرى تخص المستندات القانونية للعلاج حيث تطالب تونس والاردن وتركيا ومصر بحل ودفع هذه المستحقات وان كثير من المستشفيات في هذه البلدان اوقفت التعامل مع المرضى الليبين كوسيلة للضغط من اجل الحصول على مستحقاتها المتاخرة .

 وفي هذا الاطار تحاول حكومة الوفاق حل هذه المشاكل واعادة جدولة هذه الديون , ففي تونس مثلا تم عقد اجتماعات عديدة  بين المسئولين بالسفارة الليبية في تونس وممثلي بعض المصحات الخاصة , حيث طمأن القائم  بالاعمال الليبي في تونس ( محمد المعلول ) مدراء هذه المصحات بانه شخصيا يتابع الوديعة المخصصة للعلاج وان الفترة القليلة القادمة سيتم فيها تسديد جزء من هذه الديون التي تصل قيمتها الى حوالي 218 مليون دينار تونسي حسب ما صرح به الملحلق الاعلامي للسفارة الليبية بتونس اشرف الراجحي في تصريحه لاذاعة ( موزابيك ) التونسية .

وفي نفس السياق وصلت ديون المستشفيات الاردنية على ليبيا الى اكثر من 300 مليون دولاروهي ايضا شهدت الكثير من الاجتماعات من اجل جدولة وتسديد هذه الديون وقد نشر المكتب الاعلامي لمجلس النواب الليبي بياناً اكد فيه ان الحكومة الليبية قررت تسديد ديون المستشفيات الاردنية على ليبيا من خلال المحفظة الاستثمارية طويلة الاجل .

اما الوضع في تركيا فهو لايختلف كثيراً , حيث أكد رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني فائز السراج في لقائه مع ممثلي المستشفيات التركية اثناء زيارتهم لطرابلس بان هناك جهود كبيرة تبذل لتعود الامور الى طبيعتها بحيث تتمكن الحومة الليبية من الايفاء بالتزاماتها وتسديد ديونها

ورغم ان موضوع العلاج بالخارج وجد ليكون حل استثنائي بسبب قلة الامكانيات بالداخل ومن المفترض ان يكون مؤقتا وتكون هناك خطة بديلة تقضي باصلاح هذا القطاع والاستثمار فيه والبدء في توطين العلاج داخليا ,  خاصة وان المليارات التي دفعت في العلاج بالخارج كفيلة بان تساهم في تحسين الخدمات الطبية وتوفير كل الاحتياجات الضرورية الكفيلة بالنهوض بهذا المرفق , الا ان الواقع يشيرحسب كل الاراء الى ان العلاج في الخارج اصبح يستخدم كاداة للترضيات وكسب الولاءات وتحقيق المصالح , وبرزت ظاهرة العلاج السياحي , بل واستعمل كوسيلة للكسب المالي عن طريق العمولات والمبالغة في فواتير الخدمات الطبية حتى تضخمت ميزانية العلاج في الخارج واستخدمت تسديد هذه الديون في شراء مواقف سياسية لحكومات هذه البلدان حيث أكد عضو مجلس النواب عبدالسلام نصية ان دفع مصحات دولة دون غيرها يعد من اعمال اساءة استعمال السلطة وادخال معاناة الناس في الصراعات السياسية داعيا جهاز الرقابة الادارية وديوان المحاسبة الى تتبع سداد ديون العلاج بالخارج مشددا على ضرورة معاملة كافة ديون  العلاج بالخارج على حدا سواء.

ومابين انقسام سياسي , وعبث حكومي , ومليشيات تتناحر فيما بينها في شرق البلاد وغربها , وفساد مالي ازكمت رائحته انوف المرضي الذين لايزالون يدفعون الثمن غاليا متنقلين بالامهم وامالهم علهم يجدون في بلدا ما ما يعالج مرضهم او يخفف معاناتهم بعد ان تاجر بهم الجميع , يظل الوضع على ما هو عليه في انتظار معجزة يبدو انها ستطول.

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. لا حول ولا قوًة الاً بالله،،،انها مرحلة الاهمال التي ادًت الي هذا التًردًي في احوال ليبيا الصًحيًة.عبد السًلام الزًقعار.

  2. وصف رائع ومختصر لما يجري في ليبيا… لكن اين اللصوص الذين تامروا على بلدهم واستدعوا الناتو وسرقوا اموالها وذهبها وفروا وتركوها للخراب والدماروفروا باموالهم منها, اين هم الان ابحث في تركيا وفرنسا وقطر

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here