آفاق محدودة لدعوة الرئيس الفلسطيني لعقد مؤتمر دولي للسلام وهل يتطلع الفلسطينيون لدولة واحدة بحقوق متساوية؟!

عمر الردّاد

في فرصة نادرة لم تتح للرئيس الراحل ياسر عرفات ، اقتنص الرئيس محمود عباس فرصة تاريخية لإلقاء خطاب أمام مجلس الأمن قبل يومين ،ليقدم للعالم رؤية الفلسطينيين للسلام مع إسرائيل ، حيث دعا إلى عقد مؤتمر دولي للسلام في منتصف عام 2018،وعلى أن تتضمن مخرجاته : دولة فلسطينية كاملة العضوية في الأمم المتحدة،واعتراف بين دولتي إسرائيل وفلسطين، على حدود عام 1967،والية دولية متعددة الأطراف ” أعضاء مجلس الأمن واللجنة الرباعية” تساعد الجانبين لحل قضايا الوضع النهائي حسب اتفاق أوسلو، وتطبيق مبادرة السلام العربية ،وصولا لاتفاق إقليمي، على أن تتوقف الإعمال الأحادية الجانب ، خلال المفاوضات ، بما فيها بناء المستوطنات ووقف نقل السفارة الأمريكية إلى القدس.

وعلى أهمية خطاب الرئيس عباس، في كونه يقدم رؤية فلسطينية بديلة  للرؤية الأمريكية والإسرائيلية تجاه عملية السلام ،ومجيئه بعد حالة من التوتر، اثر القرار الأمريكي بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس،وصلت إلى حد رفض السلطة الفلسطينية استقبال نائب الرئيس الأمريكي ،بعد التسريبات ” الغربية”حول حدود الحلول التي تتضمنها “صفقة القرن” وبعيدا عن مجريات جلسة الأمن ،وخاصة مغادرة عباس قبيل إلقاء المندوبة الأمريكية كلمتها،وردود فعلها ،إلا أن آفاق الاستجابة للمبادرة الفلسطينية ،بعقد هذا المؤتمر تبدو محدودة جدا، استنادا إلى جملة من المعطيات ،مرتبطة بالوضع الفلسطيني والعربي والإقليمي والدولي، وأبرزها:

أولا: أن مضامين خطاب عباس أكدت مجددا التزامه بالمفاوضات طريقا وحيدا لتحقيق الأهداف الفلسطينية ،وان مرجعياتها :اتفاق أوسلو ومبادرة السلام العربية،وباستثناء اتفاق أوسلو الذي يبدو أن مخرجاته هي القائمة فعليا ، فان مبادرة السلام العربية ،تجاوزتها التطورات ، وأصبح ذكرها يقتصر على ديباجات الاتفاقات والمبادرات ، خاصة بعد نجاح إسرائيل في قلب مبادرة السلام العربية وتحوليها من جوهرها القائم على الانسحاب لحدود الرابع من حزيران مقابل تطبيع الدول العربية والإسلامية ، إلى تطبيع أولا، مقابل وعود بإجراءات اقتصادية لصالح الفلسطينيين ، تضمن صيغة أعلى من حكم ذاتي واقل من دولة.

ثانيا: رغم إصرار الرئيس عباس على رفض الوساطة الأمريكية في عملية السلام ،باعتبار أن أمريكا وسيطا غير نزيه، إلا أن مبادرة المؤتمر الدولي للسلام ،تتضمن تراجعا ، باشتراط وجود قوى دولية أخرى فاعلة ،إلى جانب الولايات المتحدة،من المؤكد” بأفضل الأحوال” أن أي نجاح  لتلك القوى الدولية لن يتعدى انتزاع تعديلات محدودة وشكلية على جوهر الرؤية الأمريكية، في حال انعقد المؤتمر.

ثالثا: تفتقد السلطة الفلسطينية لحلفاء ،يمكن أن يساندوا مبادرتها “محليا وعربيا وإقليميا ودوليا” فعلى الصعيد المحلي تتعثر المصالحة بين فتح وحماس، وتتعزز مظاهر الانقسام الفلسطيني يوما بعد يوم ،ما جعل القضية الفلسطينية تدور في “دوامة” كونها ورقة في صراعات المحاور العربية والإقليمية،فيما لا تتعاطى مراكز الثقل العربي التي يمكن أن تشكل دعما للسلطة ( الرياض والقاهرة ، بعد غياب بغداد ودمشق) بسلبية مع الطروحات الأمريكية ، في إطار استقرار رؤية إستراتيجية، جوهرها أولوية مواجهة إيران ومشروعها بالسيطرة على المنطقة، وبالتزامن تتعامل طهران وأنقرة، باعتبارها قوى إسلامية”ذات ثقل إقليمي” مع الملف الفلسطيني ، كورقة في إطار حسابات داخلية لكليهما ،وخارجية مرتبطة في ادراة العلاقة مع الولايات المتحدة، ويبدو أن هذه المقاربة تنسحب على موسكو ودول الاتحاد الأوروبي ، رغم المواقف المعلنة المتمايزة لروسيا وأوروبا ،عن الموقف الأمريكي، وباتجاهات تتحفظ على الرؤية الأمريكية، وربما كان في حالة الاستعصاء لانطلاق انتفاضة فلسطينية”جماهيرية” على خلفية قرار الرئيس الأمريكي حول القدس ،ما يؤكد ضيق خيارات السلطة الفلسطينية.

رابعا: تؤكد التطورات على الأرض، أن ترجمات ما تم تسريبه حول “صفقة القرن”يمضي بهدوء،فقد أصبحت إطراف دولية وإقليمية تتعامل مع القرار الأمريكي، بالاعتراف بالقدس عاصمة إسرائيل ،باعتباره واقعا قائما ، خاصة في ظل مواصلة التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، والمفاوضات على الضرائب ورواتب الأسرى، ووقف المخصصات الأمريكية للاونروا،بما يتضمن رسائل حول الموقف الأمريكي من القضية الأبرز في قضايا الوضع النهائي ، وهي اللاجئين.

مبادرة عباس حول المؤتمر الدولي تزامن مع تصريحات ، ذات مغزى عميق أطلقها صائب عريقات “كبير المفاوضين الفلسطينيين” قبل يومين حول القيادة الحقيقية للسلطة الفلسطينية (ليبرمان ومردخاي) في إشارة إلى أن السلطات الإسرائيلية هي التي تحكم في الأراضي المحتلة، وقوله إن” الفكرة الدارجة اليوم في الشارع الفلسطيني هي الدولة الواحدة ذات الحقوق المتساوية” وهو ما يطرح تساؤلات فيما إذا كان عريقات يطرح ما يمكن أن يقبل به الفلسطينيون ،(رغم أن الدولة الواحدة ، تضرب بالصميم فكرة يهودية الدولة بالنسبة لإسرائيل) وتساؤلات حول ما إذا كانت المبادرة التي طرحها عباس ، لا تتجاوز فكرة العلاقات العامة في أهم منبر دولي ، وأنها موجهة للشعب الفلسطيني،بما فيها خروجه قبيل إلقاء المندوبة الأمريكية كلمتها؟ومن المؤكد أن الأيام القادمة ستكشف حدود التفاعل الدولي مع فكرة المؤتمر، ومدى التزام وجدية السلطة الفلسطينية بمبادرتها وقدرتها على تسويقها والتمسك بها والدفاع عنها!

كاتب ، وباحث بالأمن الاستراتيجي.

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here