كيف يمكن للحكومة ان توفر فرص عمل للشباب؟

mohamad taweek alawi

محمد توفيق علاوي

هل حقاً يمكن توفير فرص عمل لأكثر من ثلاثة ملايين شاب عاطل عن العمل في يومنا الحالي في العراق ؟؟؟؟

لقد قدمت دراسة متكاملة بهذا الشأن تحت عنوان (وضع سياسة جديدة بهدف القضاء على البطالة) عندما كنت وزيراً للاتصالات في بداية عام 2011 إلى رئيس الوزراء السيد نوري المالكي وإلى الكثير من لجان مجلس النواب وبالذات الدكتور حيدر العبادي الذي كان رئيساً للجنة الاقتصاد والاستثمار في ذلك الوقت وإلى الامانة العامة لمجلس الوزراء وإلى جميع المحافظين ورؤساء مجالس المحافظات لجميع المحافظات العراقية؛ وأقولها للإنصاف ان السيد المالكي اهتم بهذه الدراسة في وقتها وارسلها إلى هيئة المستشارين لدراستها وإبداء رأيهم، وتلقيت عدة ردود وتعليقات من عدة اطراف، ولكن للأسف الشديد بقيت هذه الدراسة والتعليقات والردود حبراً على ورق ولم ينفذ منها إلا النزر اليسير من قبل البنك المركزي في توفير القروض للقطاع الصناعي والزراعي ولكن دون منهج او برنامج متكامل كما كان مذكوراً في الدراسة. واضطررت ان اطرح مختصراً عن هذه الدراسة في الاعلام في بداية عام 2016 تحت عنوان (جيل الشباب نحو الضياع…..أو؟؟؟)؛ وانا الآن اعيد ذكر العناصر المهمة لتلك الدراسة لعل اصحاب الشأن يأخذوا بها الآن او بعد الانتخابات للنهوض بالبلد كما يجب ان يكون وكما يستحق.

وقبل طرح هذه الدراسة نتساءل عن إجمالي الناتج المحلي للفرد في العراق والبالغ بحدود (2700) دولار من غير النفط في السنة، أما في دولة مثل تركيا التي لا تختلف عن العراق إلا في منتجعاتها السياحية فإجمالي الناتج المحلي للفرد يبلغ حوالي (10،800) دولار في السنة، وإنتاج المواطن التركي من الزراعة والصناعة وباقي الفعاليات من دون السياحة يبلغ حوالي(9,600) دولار في السنة، خلاصة الأمر أن المواطن العراقي غير منتج، ومن دون النفط يمكن أن ينهار الاقتصاد بالكامل وهذا ما يحذر منه بشكل كبير خلال اقل من عقد من الزمان، ونتساءل هنا هل يمكن ان يبلغ الناتج المحلي للفرد العراقي بمقدار الناتج المحلي للفرد التركي، الجواب بالتأكيد: نعم؛  ولكن من هو المسؤول عن هذا الواقع المتردي الآن في العراق، هل المواطن نفسه ؟ الجواب: كلا؛ المسؤول الأول والأخير هي الحكومة المسؤولة عن وضع ورسم السياسات الاقتصادية للبلد، لا أقول (أن سياساتنا الاقتصادية غير صحيحة) بل التعريف الصحيح (إننا لا نمتلك سياسة اقتصادية) بسبب إن الكثير من المتصديين من الحكومات المتعاقبة منذ عام 2003 حتى يومنا هذا هم أناس إما جهلة، أو إن همهم الأساس هو مصالحهم الخاصة والفساد ولا اهتمام لهم بمصالح الشعب أو مصلحة المواطن الشريف الذي لا يقبل أن يفسد أو أن يغترف من أموال الحرام.

إن السياسة الاقتصادية التي يجب تبنيها لتغيير الوضع ذات أربعة محاور:

المحور الأول: توجيه الشباب وبالذات خريجي الجامعات للعمل للاستثمار في مجال المشاريع الصغيرة والمتوسطة.

المحور الثاني: توجيه الشباب من غير خريجي الجامعات للعمل الحر الخاص.

المحور الثالث: إقامة مشاريع ضخمة كقطاع مختلط في مختلف القطاعات (الصناعية, الزراعية, السياحية و الخدمية الأخرى).

المحور الرابع: توجيه الشباب للعمل على مستوى شركات و مؤسسات القطاع العام القائمة بعد إعادة هيكليتها وتحوليها إلى شركات ومؤسسات رابحة ومنتجة.

المحور الأول: توجيه الشباب و بالذات خريجي الجامعات للعمل للاستثمار في مجال المشاريع الصغيرة و المتوسطة.

يحتاج هذا الامر إلى توفير ثلاثة عناصر أساسية، الأول (هيئة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة) والثاني مراكز التدريب والثالث مصرف الاستثمار، وسنتناول أدناه كل من هذه العناصر الثلاث:

  1. تشكيل هيئة المشاريع الصغيرة والمتوسطة؛ حيث تتولى هذه الهيئة عمل دراسات جدوى للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، كالمشاريع الزراعية وتربية الحيوانات والألبان والمشاريع الصناعية المختلفة والمشاريع السياحية والمشاريع الخدمية الأخرى. إبتداءً لا يجوز أن يشرف على هذه الهيئة أشخاص يتم تعيينهم لمجرد التعيين فتغدوا كالهيئات الحالية التي يشرف عليها أناس أكثرهم من الجهلة والمفسدين ويتحولوا إلى عبئ على ميزانية الدولة، ولكن يجب اختيار أناس كفوئين حتى لو تطلب الأمر جلب كوادر غير عراقية ممن يستطيعوا أن يحققوا الأهداف المطلوبة من إنشاء مثل هذه الهيئة..

  2. إنشاء مراكز للتدريب في كافة المحافظات وبالتنسيق مع كافة الجامعات ويخصص هذا التدريب لخريجي الجامعات لفترة لا تقل عن ستة اشهر ولا تزيد على سنة، حيث يدرب الطلاب عن عمل دراسات الجدوى للمشاريع المختلفة سواء الصناعية او السياحية او الزراعية او الخدمية الاخرى، ويدرب الطلاب على العناصر الواجب توفرها لإنجاح المشروع ومكان انشائه وكلفته والارباح المتوقعة، وطرح نماذج حية لمشاريع قائمة ناجحة ومشاريع فاشلة، مع التعريف بأسباب النجاح وأسباب الفشل. نجاح هذه المراكز التدريبية يعتمد بشكل كبير على المدربين، حيث إبتداءً يجب جلب أناس أكفاء ولديهم خبرة في إنشاء المشاريع المختلفة، وبالتأكيد ستكون هناك حاجة في البداية لجلب أشخاص من خارج العراق، كما يجب إنشاء معاهد لتدريب المدربين حتى يتولى كادر عراقي بعد بضع سنوات من إدارة هذه المراكز.

  3. مصرف الاستثمار، إما أن يتم تأسيس مصرف جديد، أو اعتماد أحد المصارف الحكومية القائمة كالرافدين او الرشيد، أو المصارف المتخصصة كالصناعي أو الزراعي أو الإسكان أو غيرها، المهم إيداع مبلغ بين المليار إلى ثلاثة مليارات دولار من فبل الحكومة في حساب خاص لمثل هذه المشاريع في كل سنة.

– تتعاون الهيئة ومراكز التدريب مع الطلاب بعد إكمال الدورة لتشكيل مجموعات متفاهمة فيما بينها لأنشاء المشاريع المختلفة، وتتكون المجموعة من طالبين او أكثر.

– تتولى الهيئة ومركز التدريب التنسيق مع المصرف المحدد لهذه الغاية لتوفير قروض ميسرة اعتماداً على ضمانة الهيئة، واذا زادت كلفة المشروع عن مقدار معين من المال يمكن أن تطلب ضمانة اخرى ككفالة عقارية او غيرها، ويتم التنسيق بين هذه الهيئة والهيئة الوطنية للاستثمار بشأن مثل تلك المشاريع.

– تبقى الهيئة بالتنسيق مع مركز التدريب حاضنة للمشروع المزمع انشاؤه لفترة لا تقل عن سنة حتى يتمكن من النهوض والنجاح اعتماداً على الاشخاص المؤسسين كما تتولى الهيئة تذليل كافة العقبات التي تواجه مثل هذه المشاريع وتقديم التوصيات للوزارات ومجلس الوزراء ومجلس النواب لإصدار التعليمات والتشريعات والقوانين التي تسهل تحقيق مثل تلك المشاريع وتحقيق الربح المتوخى .

– ليس بالضرورة ان يقتصر مركز التدريب على قبول خريجي الجامعات ، بل يمكن قبول خريجي المعاهد بل حتى الطلاب ذوي التحصيل العلمي الضئيل من خريجي المدارس المتوسطة اوالابتدائية حيث هناك بعض المشاريع التي لا تحتاج الى تحصيل علمي كبير ، ويمكن ايضاً توفير التدريب حتى لموظفي الدولة الذين يرومون انشاء المشاريع الخاصة والمتقاعدين والعمل ضمن مجموعات ، حيث إذا أريد للبلد ان يكتفي زراعياً وصناعياً واتخذت ومثل هذه المشاريع الصغيرة والمتوسطة ستلقى رواجاً واسعاً ونجاحاً كبيراً، وسيزداد إنتاج الفرد العراقي، وتتوقف عملية استيراد الكثير من البضائع المصنعة والمحاصيل الزراعية، بل يتحول البلد إلى مصدر لهذه المنتجات .

– يجب تخصيص مالا يقل عن مليار دولار سنوياً من الميزانية للمصرف المزمع انشاؤه لمثل هذه المشاريع ويتم زيادة المبلغ إلى حوالي ثلاث مليارات دولار في السنة اعتماداً على الحاجة والمشاريع المطلوب انشائها.

وإذا استعملنا لغة الارقام وافترضنا جدلاً إن معدل كلفة المشروع الواحد بحدود ثلاثمئة ألف دولار، وإن مثل هذا المشروع يمكن ان يستوعب عشرة إلى عشرين عامل، فمعنى ذلك إنه يمكن إنشاء حوالي عشرة الاف مشروع بمقدار ثلاث مليارات دولار، وذلك يعني إمكانية تشغيل حوالي مئة ألف إلى مئتي ألف شخص، وبذلك يمكن امتصاص حوالي نصف الزيادة السنوية للقوى العاملة من الشباب.

لو تم الأخذ بهذه التوصيات وطبقت منذ عام ٢٠١١ فضلاً عن التوصيات اللاحقة حيث كانت الموازنة الانفجارية لما كانت هنالك بطالة اليوم ولأمكن زيادة إجمالي الناتج المحلي للفرد العراقي (GDP) بشكل كبير بحيث يمكن امتصاص الآثار السلبية لانخفاض أسعار النفط في يومنا الحالي ……

(بقية المحاور في الحلقات القادمة)

Print Friendly, PDF & Email
مشاركة

6 تعليقات

  1. كلام جميل ودقيق.
    لكن كل ما تفضلت به هو من صميم عمل وزارة العمل والشؤون الاجتماعية اذن لماذا تدعو لتأسيس هيئة وانشاء مراكز تدريب وانشاء مصرف استثماري.
    لدينا في وزارة العمل دائرة التشغيل والقروض وفيها محلس ادارة صندوق دعم المشاريع الصغيرة المدرة للدخل ولديهم مبالغ كبيرة في الصندوق ولدينا اقسام القروض وحاضنات الاعمال ولدينا قاعدة بيانات للباحثين عن العمل. اضافة الى وجود دائرة التدريب المهني والتي تحتوي على 80 مركز تدريب متكامل ومجهز ويحتوي على ورش تدريبية تقوم بتدريب الباحثين عن العمل ومن ضمن دوراتها هو اعداد خطة تنفيذ مشروع واعداد دراسات الجدوى.
    فلماذا هذا الاصرار على تحميل الدولة الاموال الطائلة من اجل تنفيذ مشروعك الذي اعتبره مجرد دعاية انتخابية لا اكثر.

  2. د علاوي بعد التحيه لدي ملاحظات على مقالكم هذا
    انت ابن البلد ومارست المسؤليه فيه في وقت سابق أقول بصراحه لتكون مقترحاتك اكثر ( ثوريه) بما يتماشى وعنوان المقال … لقد شبعنامن المثاليات واليجب وعلى الحكومه وينبغي …..
    المطلوب إجراءات حاسمة. تذكرني في عام ١٩٩٠ عند بدّي الحصار ونزول قرارات مجلس قيادته الثوره
    أقول هناك إجراءات قويه وصادقه وعمليه مثل … إلغاء الروتين الحكومي واستئصال الموافقات المعقدة لإنشاء وبدئ اي مشروع صناعي .. أعطه موافقه أوليه ودعه يبدأ مشروعه وإذا كان هناك اعتراضات ( صحيه ، بيئه الخ () تكون فيما بعد قد يبدوا الموضوع غير منطقي ولكن الحال يستدعي ذلك
    انشاء مدن صناعيه سريعة ( مجموعه شوارع مبلطه وجملونات وخدمهكهرباء وماء ) وإيجار رمزي بشرط عدم تأجيرها لاصحاب ورش السيارات وبيع المواد الاحتياطية لكي لا يفسدو الهدف من المشروع
    اعفاء كل المواد الاوليه والمكائن الصناعية والبذور والأسمدة والمبيدات ومستلزمات الانتاج منرسوم الكمارك
    الاستدلال في اُسلوب اداره وتسويق المنتجات الصنايهوالزراعيهمن تجارب دول الجوار ومصر والإمارات والأردن وتسهيل عمليات التصدير باقصى ما يمكن والمحاسبة الشديده لكل موظف يقف بوجه ذلك
    وبعد ذلك يأتي دور المقترحات التي ذكرتها
    مع اعتزازي وتحياتي لكم

  3. نفس املشكلة لدينا في ايران، البطالة و الفقر فاق الحد المعقول، و مرتزقة نظام خميني يطبلون ليل نهار ان الامور على مايرام

  4. ياسيدي الفاضل!
    ولماذا هو هذا الاستعجال الشديد من حضرتكم؟
    لطالما صرّح الأستاذ نوري المالكي في فترة رئاسته للوزارة ،وعلى الملأ، بأنٌ لديه ملفات يحتفظ بها وتدين
    الفاسدين.
    وكذلك الأستاذ العبادي في إجراءاته الإصلاحية الموعودة منذ استلامه منصبه قبل ٤سنوات.
    ولا تنسَ الأستاذ الجبوري؛رئيس البرلمان العتيد؛ الذي ينتظر العوامّ من أمثالي تصريحات يُفسّر فيهانشر جريدة الوقائع العراقية للقانون الذي أصبح نافذاً بإضافة مادّة استبعدها تصويت البرلمانيين ولكنها ظهرت في نصّ القانون المصدّق عليه والخاصّة بإطلاق سراح الإرهابيين!
    ياسيدي!
    آفةُ الأمور عدم الإستعجال فيها،فقليلاً من الصبر على مسؤولينا النجباء، ومن يدري؛فلعلّه أن تجري على أيادي هؤلاء وأمثالهم ماتتعشّمه ويتعشّمه كلُّ متعجِّل .

  5. فكرة جيدة يا دكتور
    كل دولة لديها متخصصين في كبح معدل البطالة المرتفع ، لكن استأثر أهل الأموال و مدراء مكاتب المحافظين و النواب و الوزراء بالمزايدات و المناقصات و احتكار التوكيلات التجارية و الصناعية و ربطوا التوظيف بالمناطقية او الطائفية أو ختي بانتمائهم الحزبي أو المذهبي أو العسكري .
    أذكر كنت في الوزارات في أحد الدول العربية عام 2002م و كانت هناك مناقصة و تم الاتفاق على الاعلان عن نتائجها بعد ثلاثة أيام . و عندما كنت أتابع مع زميلي الذي دعاني للحضور معه لمتابعة معاملته ، سمعت بأن المناقصة سيتم مقاسمتها بين مجموعتين تجارتين : فئة تتبع لمنطقة رئيس مجلس النواب و الأخرى تتبع للوزير نفسه , ( و هذا الكلام حصل قبل أن يتم الاعلان عن نتائج المناقصة ) ، و كانت النتيجة أن استأثر بها ذلك التاجر الذي يتبع منطقة رئيس مجلس النواب .

  6. لماذا لا يريد أحد أن يتحدث عن تحديد النسل حتى تخف البطاله والإرهاب الناتج عن النمو السكاني.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here