«ذا نيويوركر»: عام من رئاسة «ترامب».. انهيار سياسة أمريكا بالشرق الأوسط

 

milania-trump.jpg888

في مايو/آيار الماضي، تعهد الرئيس «ترامب»، خلال غداء عمل مع الرئيس الفلسطيني «محمود عباس» في البيت الأبيض، بالوساطة في المرحلة النهائية التي تأخرت من عملية السلام بين (إسرائيل) والفلسطينيين.

وقال الرئيس الجديد: «بصراحة، ربما ليس الأمر صعبا كما فكر الناس على مر السنين»، وقال «ترامب» إن إدارته «تتمتع بفرصة جيدة جدا» لإنجازها.

وقال لـ«عباس»: «أعتقد أنك تشعر بنفس الطريقة»، ورد الزعيم الفلسطيني قائلا: «نأمل ذلك»، وأشاد «ترامب» بـ«قيادته الشجاعة وحكمته وقدرته التفاوضية».

وبعد أن أكمل «ترامب» عامًا في منصبه، نجد أن سياسته الخارجية الطموحة في المنطقة الأكثر تقلبا في العالم قد تمزقت وانهارت.

ويصل نائب الرئيس «مايك بنس» إلى الشرق الأوسط في نهاية هذا الأسبوع مع محطات في مصر والأردن و(إسرائيل)، وسط غضب متزايد من إدارة «ترامب»، التي قليلا ما أوفت بتعهداتها، وتقريبا لا يحتمل ذلك في أي وقت قريب، في حين تحصل البلدان فقط على التزامات عسكرية طويلة الأجل للمحافظة على مكاسبها القليلة.

وقد رفض «عباس» الذي كرس مسيرته السياسية في صنع السلام مع (إسرائيل) حتى رؤية «بنس».

ويذكر أن عملية السلام العربية الإسرائيلية التي تعد مبادرة الرئيس الأكثر بروزا، قد انهارت الشهر الماضي بعد أن اعترف «ترامب» بالقدس عاصمة لـ(إسرائيل) وتعهد بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس.

وقال «عباس» في خطاب استغرق ساعتين، في 14 يناير/كانون الثاني: «اليوم هو اليوم الذي تنتهي فيه اتفاقات أوسلو، لن نقبل من الولايات المتحدة أن تكون وسيطا (بعد الآن)، لأن بعد ما فعلوه بنا، لا يجب أن يلدغ المؤمن من جحر مرتين»، وأضاف: «ما وعدنا بأنه صفقة هذا القرن تحول إلى صفعة القرن».

وكان لـ«ترامب» 4 أهداف في الشرق الأوسط عندما تولى منصبه، بدءا بتنشيط عملية السلام. والثاني كان الانتهاء من الحرب ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» التي أطلقها سلفه عام 2014، والثالث هو التحقق من نفوذ إيران في المنطقة والحصول على تنازلات جديدة بشأن برنامجها النووي، والرابع هو تعميق الدعم لنوع معين من الزعماء العرب، ولا سيما الرئيس المصري «عبدالفتاح السيسي» والعائلة المالكة السعودية.

وقال «ترامب» في كلمة ألقاها في الرياض، المحطة الأولى من جولته الخارجية الأولى كرئيس: «يجب أن نبحث عن شركاء، وليس الكمال».

ويمنح «بول سالم»، نائب رئيس معهد الشرق الأوسط في واشنطن، وابن وزير خارجية لبنان الأسبق، ترامب درجة (ج) في أفضل الأحوال، وقال: «في بعض المناطق، تسير سياسته على ما يرام؛ فالانتهاء من الحرب على داعش التي بدأت في ظل أوباما يعتبر نجاحا كبيرا، ولكن في بعض المناطق، تسير سياسته بشكل رهيب، بما في ذلك عملية السلام، والتي هي الأسوأ بكل المقاييس».

وأضاف أن المشكلة الحقيقية هي أنه بعد عام من الإدارة، ما زال من غير الواضح من أو ما هي الإدارة.

فهي لم توحد عملية صنع القرار فيها، من المسؤول؟ هل يتحدث «تيلرسون» بصوت الحكومة الأمريكية؟ هل «كوشنر»؟ وما زال هناك الكثير من الناس في الشرق الأوسط متحيرين.

ويضاف إلى ذلك أن الرئيس زئبقي ولا يمكن التنبؤ به، وقد يقول شيئا يوم الإثنين ثم يتراجع عنه يوم الثلاثاء، وهذا يجعل الناس في المنطقة يتساءلون، وعلى الأقل مع «بوتين»، أنت تعرف مع من تتعامل، وما يقوله يوم الإثنين، سيكون نفس الرأي يوم الجمعة.

ولا تقتصر الأسئلة على الشرق الأوسط، وأظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة «غالوب»،  الخميس، أن الرفض العالمي للقيادة الأمريكية قد سجل رقما قياسيا في عام 2017، ومن المفارقات أن أعلى نسبة من عدم الموافقة على إدارة «ترامب» 83%، كانت في النرويج، وهي بلد ذكره «ترامب» هذا الشهر بأنه المفضل كمصدر للمهاجرين.

كما يمتد رد الفعل على قرار «القدس» إلى ما هو أبعد من الشرق الأوسط، وفي الشهر الماضي اضطرت الولايات المتحدة إلى ممارسة حق الفيتو في مجلس الأمن الدولي لعرقلة قرار يطالب البيت الابيض بإلغاء قرارها، وأيد الأعضاء الـ 14 الآخرون التوبيخ.

وبعد بضعة أيام، نددت الجمعية العامة للأمم المتحدة (من جميع الدول الأعضاء) بأغلبية ساحقة، بقرار «ترامب». وصوت 128 بلدا لصالح القرار (بما في ذلك جميع الحلفاء الرئيسيين للولايات المتحدة باستثناء (إسرائيل))، مع 9 أصوات فقط ضد القرار (من قبل اللاعبين الدوليين الهامشين، مثل ميكرونيزيا وناورو وبالاو وتوغو)، وامتنعت 35 بلدا عن التصويت، كثير منهم من المتلقين للمعونة الأمريكية، بعد أن هددت الإدارة بحجب الدعم المالي للبلدان التي صوتت لصالح القرار.

وتفتخر إدارة «ترامب» بانتهاء المرحلة النهائية من الحرب ضد داعش، ولكن يبدو الآن أنها قد دخلت في مشاركة عسكرية مفتوحة مكلفة في سوريا، وكانت وزارة الخارجية الأمريكية قد أعلنت، الجمعة، أنها تعتزم إبقاء نحو 2000 جندي في سوريا، لمطاردة بقايا تنظيم الدولة الإسلامية، لضمان الاستقرار في البلاد التي مزقتها الحرب، والمساعدة في عملية الانتقال السياسي.

وقال مسؤول كبير في وزارة الخارجية للصحفيين إن الحملة العسكرية ضد ما يسمى بالخلافة في وادي الفرات لم تنته بعد، وأضاف: «هناك قتال عنيف. يعيد بعض المقاتلين التجمع الآن».

وقد قام التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة بـ53 غارة جوية في سوريا هذا الأسبوع فقط، وأضاف المسؤول: «إنهم لا يزالون قادرين على عرقلة أي محاولات لتحقيق الاستقرار والتحول السياسي والانتقال في سوريا، وتعد الهزيمة المستدامة لهذا الوجود الخبيث شرط مطلق في سوريا، كما هو الحال في العراق، من أجل أي تقدم في المستقبل».

ولا تزال محادثات السلام بين نظام «الأسد» والمعارضة في طريق مسدود بعد 7 أعوام من اندلاع الحرب السورية.

ولدى واشنطن مدخلات دبلوماسية محدودة بشأن قضية تهيمن عليها روسيا وإيران، وتعد المعارضة المدعومة من الولايات المتحدة مكسورة وغير مؤهلة سياسيا.

وفيما يتعلق بإيران، عرّض خطاب «ترامب» المتشدد أهم اتفاق يحد من انتشار الأسلحة النووية خلال ربع قرن للخطر.

وكان الاتفاق، عام 2015، مع القوى الكبرى الست في العالم قد أدى إلى تخفيف حدة التوتر بين إيران والمجتمع الدولي، وقد قرر الرئيس، من جانب واحد، عدم التخلي عن العقوبات المفروضة على إيران، ما يعد خلافا للوعود التي شملها الاتفاق الذي ضم بريطانيا والصين وفرنسا وألمانيا وروسيا.

وفي هذا الشهر، أخبرني مسؤولون أوروبيون أن جهود «ترامب» الرامية إلى خنق الاتفاق الإيراني تقوض العلاقات عبر الأطلسي وتهدد الأمن الأمريكي.

وقالت رئيس السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي «فيديريكا موغيريني» إن «الاتفاق يعمل، وقد صدقت الوكالة الدولية للطاقة الذرية عليه 9 مرات بالفعل، وهو أمر حاسم بالنسبة لأمن أوروبا والعالم».

ويخشى مسؤولون أوروبيون آخرون من أن تتسبب استراتيجية «ترامب» الوحيدة حول الأسلحة النووية في تعريض معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية للخطر، والتي كانت أساس كل الجهود لاحتواء الأسلحة النووية.

كما أثار اختيار «ترامب» للحلفاء العرب، الذين يميلون إلى أن يكونوا حكاما استبداديين، قلق خبراء الشرق الأوسط ومجموعات حقوق الإنسان.

ويشير تقرير «هيومن رايتس ووتش» عن مصر – الذي نشر في سبتمبر/أيلول – إلى تعذيب مزمن بلغ أبعادا «وبائية»، وفي الأسبوع الماضي، لاحظ الفريق أن حكومة «السيسي» «اختارت إنهاء العام بتنفيذ عدد كبير من عمليات الإعدام في أعقاب محاكمات غير عادلة».

وبعد أن فاز «ترامب» بترشيح الحزب الجمهوري، كان «السيسي» أول زعيم عالمي يتصل به كمرشح، ومن ثم مقابلته على هامش اجتماع الأمم المتحدة، قبل شهرين من الانتخابات.

وفي الوقت نفسه، يجري تجاهل جميع الحلفاء منذ فترة طويلة، مثل تونس، التي تمر بمرحلة انتقالية سياسية هشة، وقد اجتاحت الاحتجاجات أكثر من 20 بلدة ومدينة في تونس هذا الشهر، بسبب ارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية والخدمات والضرائب الجديدة على المكالمات الهاتفية واستخدام الإنترنت والفنادق والواردات الكبيرة مثل السيارات.

ومنذ عام 2011، وهو العام الذي انطلق فيه الربيع العربي، عندما أحرق شابا تونسيا نفسه احتجاجا على الفساد والفقر والظلم، ارتفعت أسعار المواد الغذائية سنويا بنسبة تصل إلى 8%.

وقد بدأت تونس أيضا في تقليص وظائف القطاع العام، في الوقت الذي تبلغ فيه نسبة البطالة بالفعل 15%، وضعف ذلك بين الشباب، بمن فيهم خريجو الجامعات.

وخلال التظاهرات التي استمرت أسبوعا، شهدت تونس ولادة حركة احتجاج جديدة تحت مسمى «ماذا ننتظر؟»، وقد تم رسم هذه العبارة على الجدران العامة والأسوار في جميع أنحاء البلاد، وانطلقت على وسائل التواصل الاجتماعية.

وقال «ترامب» في خطابه في الرياض: «لن يشكك أصدقاؤنا في دعمنا، وستعزز شراكاتنا الأمن من خلال الاستقرار، وليس من خلال الاضطراب الجذري».

لكن الصعوبات الاقتصادية في تونس تنعكس في بلدان أخرى، من المغرب ومصر إلى اليمن ولبنان، وتواجه البلدان التي تحاول إدخال إصلاحات، لتحديث الاقتصادات وجذب المستثمرين الأجانب أو المقرضين – غضبا متزايدا من الدوائر الانتخابية التي كانت تتوقع المزيد بعد الانتفاضات العربية.

وقال «رباح أريزكي»، كبير الاقتصاديين في البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: «إن الإصلاحات موضع ترحيب إذا كانت تكسر الوضع القائم القديم، لكنها لم تحقق هذا النوع من الفوائد، على المدى القصير، حيثما كان متوقعا، وقد تسببت في رفع تكلفة المعيشة دون مساعدة أو تغيير في الديناميات الأساسية».

وأضاف أن «العقد الاجتماعي القديم من حيث توفير فرص العمل لدعم السكان لم يعد ممكنا، لأن الخزائن فارغة، والنمو السكاني سريع لدرجة أنه من المستحيل توليد كل هذه الوظائف العامة، والتحديات هائلة، وخطر استمرار العنف وعدم الاستقرار مرتفع».

وبهذا، بعد العام الأول للرئيس الأمريكي في المنصب، تواجه عقيدة «ترامب» بشأن الشرق الأوسط تحديات أكثر تعقيدا مما كان عليه الأمر عندما أدى اليمين الدستورية. الخليج الجديد

Print Friendly, PDF & Email
مشاركة

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here