المُلك من عند الله.. من الرئيس المؤمن الى القائد الملهم والامة تتفكك!

 

talal-salman-200

طلال سلمان

يحكم الأمة العربية، بأقطارها جميعاً، نخبة من الاباطرة الذين لا مثيل لأي منهم ولا شبيه: أن واحدهم يستطيع أن يحكم، منفرداً، وان استعان ببضعة من المستشارين، قارة تامة بحجم السعودية او بلداً يزيد عدد سكانه على المائة مليون بني آدم، بالكفاءة ذاتها التي يحكم بها شيخ قطر النصف مليون من أهل شبه الجزيرة مع “ضيوفهم” الذين يبنون عمرانها ويسلمونه جاهزاً.

مع ذلك، فان كل امبراطور يدعي انه الاعظم ايماناً بالديمقراطية، والأكثر اخلاصاً لحقوق الرعية، والاسرع في انجاز التقدم والتفوق على دول العالم اجمع، ثم انه الاشد ايماناً بالله وانبيائه وملائكته المطهرين..

بين من حكم الامة “الرئيس الخالد” و”الرئيس المؤمن” و”الرئيس إلى الابد”، و”القائد الملهم” و”قائد كل الأزمنة” الخ..

قبل هؤلاء الاباطرة كانت “الامة” واحدة، بالتاريخ والجغرافيا، او بالحلم والتمني، او بالمصلحة وضرورة حماية الذات..

معهم، ثم من بعدهم، غدا الوطن العربي مزقاً، وصارت شعوبه أمما شتى، تتصارع على الماء والكلأ والبترول والغاز، وتقتتل على المرافئ والموانئ والجزر (السعودية، مصر، الامارات، اليمن..)

ومعهم وبهم توسع الاحتلال الاسرائيلي وتمدد نفوذ دولة العدو وسقط عنها ثوب العداء، فاعترف بها بعض العرب العاربة فضلاً عن كثير من العرب المستعربة، وصار منطقياً أن تُطالب بدخول جامعة الدول العربية، بل وان تُطالب بمنصب الأمين العام لان عندها الفاً من احمد ابو الغيط..

وهكذا فان الوطن العربي يتفكك إلى ارخبيل من “الدول”، بعضها من نفط، وبعضها من غاز، وغالبيتها من أوهام وتخيلات ومصالح للأجنبي على حساب الامة واحلام وحدتها وحقها في التقدم.

يتزايد عدد سكان الوطن العربي ويتعاظم فقرهم: حتى رعايا الممالك والإمارات الغنية يعيشون خارج العواصم ذات الواجهات الفخمة، في الضواحي المبنية أكواخها من الصفيح والخشب..

ربما لهذا لم يتعاطف أحد مع امراء الثروة في السعودية الذين احتجزهم الامير ـ الوعل محمد بن سلمان وقنص منهم ما فاض من ثروة واحدهم عن المليار دولار باعتبار ان هذا المبلغ من عرق جباههم المدموغة بآثار السجود..

بل أن الاكثرية الساحقة من الرعايا العرب تمنت لو أن اخوانهم من رعايا تلك المملكة التي نُسَّبت قهراً إلى اسرة أخذتها بالسيف والتواطؤ مع بريطانيا بداية ثم مع الولايات المتحدة، من بعد، (ومعهما اسرائيل، تماشيا مع العصر..)، هم الذين نهضوا فاحتجزوا الاسرة المالكة جميعاً قبل أن يحاكموا افرادها ملكاً وولي عهده وامراء أثروا بلا تعب وعاثوا في الارض (والبحر) فساداً يفوق التخيل..

المحزن أن الجمهوريات العربية تأخذ عن الممالك (والإمارات والمشيخات) العربية أسوأ ما فيها: فالحكم لمن غلب، بالسيف او بالذهب، بالأميركي او البريطاني (والاسرائيلي في كليهما)… وهكذا فان “الرئيس” ملك من دون لقب صاحب الجلالة ، ومدة ولايته مفتوحة حتى يقضي الله امراً كان مفعولاً..

وهكذا فان الوطن العربي ينقسم إلى جمهوريات ملكية، وملكيات عائلية، ورعايا لا يعرفون طبيعة نظامهم، ولكنهم يعرفون القانون السائد في الارض العربية كافة ومفاده: العصا (او السيف) لمن عصا.. والمُلك من عند الله يهبه لمن شاء، سبحانه وتعالى..

كاتب وناشر ورئيس تحرير صحيفة السفير

Print Friendly, PDF & Email
مشاركة

10 تعليقات

  1. وما العمل ؟ اين الاحزاب القومية ؟ اين الاحزاب الديمقراطية؟ اين منظمات المجتمع المدني ؟ اين المفكرون والفلاسفة العرب؟ اين الوعي العربي؟ هل كتب على الشعوب العربية ان تعيش وتموت على العبودية وتقديس الحاكم ،علما انهم يدعون انهم يعبدون الله،لماذا في عصر ثورة المعلومات والمعرفة لا تتأثر الشعوب بالشعوب الحرة في العالم والتي بفعل النظم الديمقراطية حققت العزة والكرامة والازهار،ثم ان اي بلد يحكمه شبه اله مستبد سيكون مصيره حرب اهلية آجلا اوعاجلا والمثال واضح جرى في خمس دول عربية.

  2. ____ كمثال على ” التفكك ” نرى في الجمعية العامة للأمم المتحدة عرب بفضلون الإستماع إلى ” خطابات ” نظرائهم العرب عبر الترجمة الفورية ذات الإيقاع الموسيقي العذب .. و فيهم من يستغرق في النوم .. و عندما يستيقض على وقع التصفيق يقول .. مين أم كلثوم .. أعيدي !!

  3. سنبقى غنم نساق الى المسلخ حتى نجد طريقة نحاسب بها حكامنا . نسميها ديمقراطية شورى تداول سلطة لا فرق طالما الحاكم لا يخاف العقاب يقل ادبه ويصبح عميلا وخاءن
    ويشتري يختا ولوحة ويوقع صلحا ويشن حربا على ابناء جلدته ووووو

  4. لقد اصبتم عين الحقيقة يا استادنا الكريم طلال سلمان فكم نفتقر في جغرافيتنا العربية الى مثل هده الاقلام المخلصة التي تشخص الاوضاع على حقيقتها دون تزييف ولا تزوير فبارك الله فيكم يا سيدي وجعلكم مصباحا ينير هدا الكهف المظلم المسمى وطنا عربيا.

  5. حياك الله يا استاد وبارك لك في صحتك مقال رائع أخوك من المغرب

  6. كل ما ذكر في المقال عن أصحاب الجلالة والسيادة والسمو صحيح بل أقل مايقال فيهم , ولكن الصحيح أيضا أن شعوب هؤلاء القادة “الأفذاذ” ليسوا أحسن حالاً ولا أكثر جمالاً ولا أنقى فعالاً بل أقل مايقال فيهم أيضاً كما تكونوا يولّى عليكم والسلام عليكم .

  7. بسم الله الرحمن الرحيم
    عفارم استاذ طلال سلم يراعك “”””
    تشخيص صحيح ؛؛؛؛ بارك الله فيك
    ثلاث فئات اذا صلحوا صلحت الأمه
    ألأمراء “” والعلماء “” والتجار “”
    فالأمراء مستبدين “” والعلماء على أبوابهم يلحسون قصاعهم ويفتون لهم بما لم ينزل الله “” وتجار لاينتهي جشعهم ويقتاتون على دماء أبناء جلدتهم “” فمن للشعوب العربيه والأسلاميه ؟؟؟؟؟

  8. /____ إن وضع كل الوطن العربي في سلة واحدة ، فيه شوية (؟)، أرى أن لكل قاعدة إستثناء و الإستثناء لن يكون بالضرورة قدوة ، عوامل تاريخية تجعل التطابق مستحيل ، و يبقى الإصلاح حركية عفوية تاريخية و ربما تلقائية .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here