اسيا العتروس: سبع سنوات في بورصة الربيع العربي.. شعوب لم تهزمها الدكتاتورية وارهقتها الصراعات والفساد نقول للذين يسألون عما بقي من ثورة الياسمين ..اطمئنوا هناك بقية من حصاد لم تاكله.. وللسعودية نصيب من الثورة

asia-atrouse.jpg666

اسيا العتروس

لعله من المهم ونحن نعيش على وقع الذكرى السابعة لثورة الياسمين  ونطوي  صفحة أخرى في عمر مرحلة  من تاريخ تونس الحديث ومعها مرحلة من تاريخ العالم العربي  اختلف في وصفها الخبراء والسياسيون وعلماء الاجتماع بين من ذهب الى اعتبارها ثورة وبين من اطلق عليها ضفة الانتفاضة الشعبية, أن الجيل الذي ولد مع أول بوادر تلك الثورة قبل سبع سنوات يقطع اليوم أول خطواته الى المدرسة , وأن الجيل الذي قبله دخل اليوم مرحلة الشباب بل لعل فئة منه امتد الى شعرها الشيب وهي تنتظرعلى أمل أن تتحق الاحلام التي كبر معها وتحقيق تلك الشعارات التي وحدت في ظل الدكتاتورية أهداف جيل يتطلع الى الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية .. قد لا يكون من غير الهين اليوم وفي ظل التفاوت الحاصل في المشهد و استمرارحالة المد و الجزر رصد حصيلة لحصاد سبع سنوات من ثورة الياسمين التي انطلقت تونسية في اهدافها وابعادها ومطالبها قبل أن تتناثر اوراقها وتمتد رياحها الى دول عربية مجاورة اوغير مجاورة وتتحول الى زلزال سياسي فشلت في توقعه اكبر واشهر اجهزة الرصد الاىستخباراتية في العالم ..ومع ذلك و برغم كل مشاهد الاحباط وتواتر الخيبات و برغم اصرار البعض على ابداء الحنين الذي بات معلنا  لدى شريحة لا يستهان بها في المجتمعات المعنية بالتحولات الحاصلة الى زمن الدكتاتورية البغيضة وهي مسألة لا يمكن ان تحسب لصالح الانظمة الدكتاتورية التي اختفت من المشهد بقدرما يجب ان تذكرالنخب السياسية الجديدة بعجزها المستمر في احياء الامل في النفوس والاستجابة للمطالب الشعبية وكسب رهان المعركة  من اجل السلام والاستقرار والتنمية وضد الظلم والفساد …

-ماذا بقي من ثورة الياسمين ؟

   كثيرون يتسائلون في العالم العربي و حتى خارجه عما بقي من ثورة الياسمين التي اندلعت قبل سبع سنوات في تونس وغيرت المشهد في اكثر من بلد عربي بعد ان ازاحت عروشا واسقطت حكاما وقيادات على رأس جمهوريات ليس لها من النظام الجمهوري غيرالاسم وكذبت على الاقل في بدايتها تلك القناعة بأن العرب و الديموقراطية لا يلتقيان و أن الشعوب العربية لا تقاد الا بالعصا ..ولاشك ان السؤال سيظل مشروعا طالما ظل في الثورة نفس لمواصلة مسيرة شعبية راهنت على  اجتثاث الخوف من النفوس والقطع مع ثقافة التسلط والاستبداد …كانت البداية من تونس حيث كانت ماساة الشاب محمد البوعزيزي بمثابة القطرة التي افاضت الكاس حيث كانت الارضية مهيأة لامتداد حالة الغضب الشعبي المتأجج في الحوض المنجمي …سارت الاحداث بشكل متسارع وانهارت سلطة بن علي  البوليسية السلطوية خلال ايام لتمتد بعد ذلك مشاهد الاحتجاجات الشعبية كالعدوى الى الجوارالليبي ومنها الى مصر فالبحرين وسوريا واليمن .و ستبادرالة القمع الى محاولة اجهاض تلك التحركات و ستتمكن من ذلك في بعض البلدان ولكنها ستفشل في غيرها ولكن سيكون الثمن الذي ستقدمه الشعوب للقضاء على الدكتاتورية باهظا , ومرحلة الانتقال الديموقراطية لن تكون من دون تضحيات أو دماء أو اغتيالات و كان لتونس نصيبها من الاغتيالات السياسية التي استهدفت قيادات نضالية بينها شكري بلعيد و محمد البراهمي الى جانب قائمة من الشهداء من رجال الامن و ضحايا الارهاب الذي تسلل الى البلاد..

 -بن علي كان الاوفر حظا بين  رموز الدكتاتورية

و ربما صح القول اليوم أن الرئيس الهارب زين العابدين بن علي كان الاوفر حظا بين مختلف الحكام العرب الذين واجهوا الغضب الشعبي بالرصاص ..

واذا كان بن علي عجل  بالهرب مع عائلته أودفع للهروب , بالنظر الى أن الامر سيظل محاطا بالكثير من الغموض و ستبقى هذه الحلقة مغيبة في ظل الصمت والتعتيم الذي رافق هذه الخطوة التي قد لا تكشف ملابساتها قريبا وقد لا تكشف ربما قبل السماح للرئيس الهارب بالحديث عنها , فان الرئيس مبارك سيجد نفسه خلف القضبان مع ابنيه قبل أن يقف امام القضاء في محاكمة وصفت بمحاكمة القرن ومنها الى المستشفى قبل أن يستعيد حريته ولكن الى بيته حيث يظل مقيدا في تحركاته .وحدها البحرين و بعد التحركات التي شهدتها المنامة ستشهد تدخل قوات خليجية تقمع الاحتجاجات في مهدها وتؤمن للسلطة البحرينية بقائها واستمرارها ….وفي المقابل فان نهاية القائد الليبي معمر القذافي واثنين من ابنائه ستكون فظيعة الى ابعد الحدود و ستؤشر الى دخول ليبيا منعرجا خطيرا بعد تدخل الحلف الاطلسي عسكريا لحسم المشهد في هذا البلد . و ستكون للصور الدموية التي راجعت بعد اعدام القذافي منعرجا خطيرا في انزلاق ليبيا الى الفوضى والخراب والدمار …و الامر ذاته سيتكرر مع الرئيس اليمني عبد الله صالح الذي كان بامكانه تجنيب بلاده الغرق في الحرب الاهلية الدموية التي استنزفت اليمنيين بعد استقبال السعودية له وتوفير كل اسباب العلاج بعد التفجير الذي استهدفه في قصره و كاد يجعل مصيره مماثلا لمصير القذافي …ولكن عودة عبد الله صالح الى اليمن ستكون كارثية و ستزيد عمق الازمة في هذا البلد و تفاقم الماسي و الانشقاقات بعد ان اعادة عبد الله صالح تنظيم صفوف القوات العسكرية الموالية له و التي كان ابنه و ابن شقيقه يسيطران عليها .و لن يكتفي عبد الله صالح بذلك بل ان غروره و تعلقه بالسلطة سيجعله يسير في طريق مليئ بالالغام و سيعمد بالتالي الى التظاهر بانه يمارس قناعاته التي طالما رددها وهو على رأس السلطة بأن من يحكم اليمن كمن يرقص مع الافاعي …وستكون نهاية عبد الله صالح بدوره دموية و سينقلب عليه حلفاؤه الحوثيون الذين سبق له أن كسب ودهم و انضم الى صفوفهم و أعلن معهم العداء على السعودية قبل أن ينقلب عليهم و يعلن استعداده للتحالف مجددا مع الرياض والتعاون مع التحالف الدولي  الذي تقوده السعودية ضد الحوثيين المدعوميين من ايران .ولكن عبد الله صالح لن يتمكن من مواصلة الرقص هذه المرة مع الافاعي وستكون نهايته دموية ولا تقل فظاعة عما ال اليه القذافي قبل ست سنوات .بقي اذا الرئيس السوري بشار الاسد الذي يبدو انه استطاع حتى الان الحفاظ على موقعه بدعم روسي ايراني الى جانب حزب الله اللبناني .ولمن الثمن سيكون باهظ و سوريا اليوم مشهد موسع من الدمار والخراب الذي تجاوز كل التوقعات فضلا عن وجود اربع قوى عسكرية اجنبية على التراب السوري وهي امريكا و روسيا وايران فضلا عن الشبكات الارهابية المنضوية تحت مظلة القاعدة او تنظيم “داعش” ..وهنا بيت القصيد و أخطر ما سجله الربيع العربي الذي تحول من انتفاضة شعبية ضد الفساد والاستبداد ومن اجل الحرية والكرامة والعدالة الى حرب مفتوحة ضد الارهاب بعد ان استوطن الدواعش الاوطان و جاهروا بمخططاتهم و بدؤوا الاعداد لاقامة امارتهم الاسلامية لتتلاشى بذلك بقية من اوراق ربيع عربي لم يكتب له الاستمرار طويلا ..و ستستنزف الحرب على الارهاب الكثير من الجهود و ستعيد ترتيب الاولويات .وستفاقم الصعوبات امام تجربة الانتقال الديموقراطية و ستكون كارثية في دول مثل ليبيا وسوريا واليمن والعراق ..

-ربيع فارسي مع تاجيل التنفيذ..

نهاية العام 2017 ستشهد عودة موسم التحركات الاحتجاجية في ايران و التي لن تخرج عن القاعدة حيث سيخرج المتظاهرون من الشباب الى الشوارع احتجاجا على تفشي الفساد وعلى معاناة الشباب مع التهميش و الفقر وقمع الحريات ..وستتخذ الاحتجات في ايران التي تظل جزءا لا يتجزا من العالم الاسلامي و من منطقة الشرق الاوسط في تقلباتها بعدا سياسيا دوليا مع التدخلات الخارجية و محاولات الضغط لا سيما من جانب الادارة الامريكية كما من جانب اسرائيل لتفقد تلك التحركات زخمها و تدفع الى تراجع وقع الاحتجاجات التي ستجعل السلطات الايرانية امام تحديات لا مجال لاسقاطها او التقليل من شانها او الهروب من مواجهتها بقطع الانترنت او حجب المواقع الاجتماعية في عالم تحكمه العولمة بعد أن سقطت فيه كل الحدود والجدران الالكترونية و الاسمنتية و وحدت مطالب وأهداف الشباب في الانعتاق والتطلع الى عالم افضل …وستظل قراءة المشهد الايراني مسـالة معقدة في ظل الغموض السائد بشأن مدى استعداد طهران و بعد نحو اربعة عقود على الثورة الاسلامية على الخروم من دائرة هيمنة الملالي و سلطة العمائم .قبل موسم الاحتجات في ايران كان المسؤولون الايرانيون يفاخرون بسيطرتهم على اربع عواصم عربية و في بداية موسم الربيع العربي في تونس كان صناع القرار في ايران يصرون  في تصريحاتهم على أن ما حدث في تونس امتداد للثورة الاسلامية التي يتوقون الى انتشارها الى خارج حدودهم و ربما تناسوا في غمرة الاحداث أن المجتمع التونسي الذي شهد تعاقب الحضارات  لم يكتشف  الدين الاسلامي بعد الثورة وان الاسلام ليس شأنا جديدا في البلاد التي عرفت الاسلام قبل اربعة عشر قرنا …طبعا لا يمكن الحديث عن حصاد سبع سنوات من موسم  الربيع العربي الجريح دون التوقف عند تجربة ورقة الاسلام السياسي و سيطرة الاخوان والاحزاب الاسلامية على المشهد و استبدال دكتاتورية الفساد و الاستبداد بدكتاتورية العمائم و رجال الدين .وستنتهي هذه التجربة في تونس بانسحاب حركة النهضة من السلطة بعدان اوشكت البلاد على الدخول في نفق مسدود و في مصر ستنتهي تجربة الاخوان بانقلابيعيد سلطة العسكر الى السلطة .و في ليبيا سيظل المشهد معلق في ظل الانقسام الحاصل في هذا البلد و الفراغ الامني و المؤسساتي الذي دفع الى انتشار الشبكات المسلحة ..و في اليمن فان معاناة الشعب اليمني تتفاقم في بلد بات عنوانا للخراب وانتشار الاوبئة والكوليرا حتى أن من لم يمت من اطفال اليمن جراء القصف والرصاص مات نتيجة للجوع أو المرض …  و قد كان من الطبيعي أن تؤدي كل هذه التحولات الى تراجع القضية الفلسطينية عربيا و دوليا و ان تدخل القضية مرحلة غير مسبوقة من التهميش و التغييب و ان تزهربالتالي تداعيات ذلك في الكيان الاسرائيلي الذي سيتجه الى تعزيز مواقعه و الاستفادة عسكريا و سياسيا من الانهيار الذي اصاب سوريا و اضعف لبنان و دمر العراق و شتت جهود السعودية في اليمن و ادى الى تقسيم السودان و ربما غيره لاحقا …

ما يحدث في السودان ايضا ليس بمناى عما يحدث في بقية دول المنطقة و اذا كانت السلطات السودانية نجحت في احتواء و قمع التحركات الشعبية ضد ارتفاع اسعار الخبز فان ذلك لا يعني نهاية المطاف او نهاية الاحتقان الشعبي  بما يعيد الى الاذهان سيناريو 2013..منذ انقلاب الانقاذ الذي قاده الرئيس عمر البشير في 1989 و التحالف مع الاخوان لم يعرف السودان طريق الخلاص بل اتجه من الصراعات و الحروب و النزاعات الى الانقسام الذي انتهى به الى سودان شمالي مسلم و اخر جنوبي مسيحي و من يدري فقد يكون السودان مهد ولادة بلد ثالث قد ينفصل عنه ..السودان قد لا يكون اخر الانقسامات في الخارطة العربية المرشحة لمزيد التفكك .و مع استمرار غياب البدائل والخيارات لوقف سيناريو الفوضى المدمرة و اعادة الاعمار و الاستجابة للمطالب و الطموحات المشروعة للشعوب فان السيانريو لا يبدو بعيدا في المشهد الليبي بعد القذافي او المشهد العراقي او المشهد اليمني او كذلك السوري …من الواضح ان الرئيس البشير مستعد للدخول في كل التحالفات التي قد تسمح ببيقائه في السلطة و منذلك التحالف الجديد مع الدوحة وانقرة و التنازل عن جزيرة سواكن الاستراتيجية على البحر الاحمر لفائدة تركيا لاستغلالها و تحويلها الى قاعدة عسكرية بما يعني دخول السودان في ازمة جديدة مع مصر …

-هل مازالت تونس النموذج العربي ؟

كثيرون يتسائلون بعد تواتر الخيبات والانكسارات و تفاقم الاحباط هل مازالت تونس النموذج لدول الربيع العربي …وقبل التوقف عند ذلك نقول ليس مهما أن تكون تونس نموذجا..و ستظل جائزة نوبل للسلام العنوان الذي سيعيد تحديد البوصلة عند تحيد السفينة عن المسار , والبوصلة هي الشعب التونسي الذي سيظل الحصن لتونس عندما تفقد النخب السياسية وعيها و تغرق حتى الثمالة في صراعاتها حول السلطة واغراءات الكرسي  والنفوذ , ولكن الاهم من كل ذلك أن 2011 كانت سنة سقوط الطغيان وخروج  التونسيين كما الشعوب العربية من قبضة التسلط  لتتنفس حرية و تغني و تهتف للحرية .و تؤكد للعالم ان هناك طريق ثالث غير الدكتاتورية سواء كان ذلك تحت غطاء الدين او غطاء العسكر.. و ان  هذا المد الجديد وهذا التوجه نحوالتمرد على الخوف و كسرالقيود عن الشعوب التي ظلت طويلا تعامل كمواطنين من الدرجة الثانية …

-وللسعودية نصيب من الثورة !..

لسنا واهمين و لا نعتقد أن ما اعلن من قرارات في السعودية  مع مبايعة ولي العهد محمد بن سلمان  للاستثمار في الشباب و محاربة الفكر

 المتطرف  والقضاء على الفساد  وانفتاح ودعم لبعض حقوق المراة تظل على اهميتها في حاجة لمزيد الاختبارات في بلد  محكوم بعقلية ذكورية اقصائية ..

الا ان  ما حدث قبل ساعات في المملكة السعودية مع السماح للنساء في المملكة ولاول مرة بدخول الملاعب الرياضة أمر ما كان يصدق في هذا البلد حيث رفع قبل اشهر الحظر على حقها في قيادة السيارة ..وهي خطوات وان بدت مضحكة في القرن الواحد والعشرين فانها يمكن ان تكون مؤشرا على تحول في مجتمع خاضع لسلطة العمائم التي ترى في المرأة مجرد رقم في هوية الاب اوالزوج اوالاخ …لا شيئ اليوم في زمن العولمة يمكن أن يقف في وجه ارادة الشعوب وطموحاتها ولذلك فان وعي الشعوب بتحديات المرحلة و تعقيداتها و تأهبها ي ماجهة كل محاولات الاستقطاب  امرمطلوب لتجنب مزيد الماسي التي ارتبطت بالخيارات الكارثية التي نجمت عن الربيع العربي و سحب البساط امام الاستمرار في سياسة الصراعات الاقليمية الدموية وحرق الاخضر واليابس و الدفع الى تلك القناعات البائسة بان الحرية عنوان للفوضى وللتدمير الشامل …

اعلامية تونسية

Print Friendly, PDF & Email
مشاركة

1 تعليق

  1. برامج السمراء كونداليس رايس الثورة الخلاقة
    ماذا يفعل الصهيوني برنار ليفي في تونس ؟
    ساركوزي و كاميرون خططوا للاطاحة بالعقيد
    التواجد الروسي و الايراني شرعي بطلب من الحكومة السورية
    الوجود الامريكي احتلال و محاولة لحماية دولة الاحتلال الصهيوني
    العدون و الاجرام السعودي على الشعب اليمني و ليس تحالف يا سيدة؟
    بن علي ديكتاتوري و مستبد و لكن من يحكم تونس الان : اليس بقايا بن علي ؟

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here