ما اكثر العبر وأقل الاعتبار: العراق يستعد للانتخابات

saad-naji-jawad-newww.jpg666.jpg last

سعد ناجي جواد

هذا القول البليغ لسيد البلاغة الامام علي عليه السلام، ربما لم يشهد انطباقا عليه في اي مجتمع مثل المجتمع العراقي. فرغم كل ما مر به العراق من ماسي وآلآم ظلت الغالبية من العراقيين غير معتبرة بما يجري. ومن هنا يشعر بعض العراقيين والكاتب منهم، بان لا أمل في ان تنصلح الأمور في بلدهم الحبيب في المستقبل المنظور على الأقل. ومع عدم إنكار العوامل الخارجية المتمثّلة بالغزو والاحتلال الامريكي البغيض، والتمدد الايراني والتركي  والخليجي والصهيوني كل حسب مصلحته، فان من أوصل العراق الى هذا المنحدر هم ابناءه او من يعتبرون نفسهم كذلك. وما يحدث الان على قسوته وشدته واتساعه، الا انه ليس بالأمر الجديد. فمنذ ان قامت ثورة ١٤ تموز- يوليو ١٩٥٨، وظهر نفوذ الاحزاب السياسية ، حتى ظهرت حملات التهميش والاقصاء والأبعاد بل والتصفية الجسدية لكل من يختلف مع هذه الاحزاب وأفكارها وقياديها. والاخطر من ذلك ان الاحزاب التي كانت تستأثر بالحكم او تكون لها سطوة فيه سرعان ما تتضخم عضويتها ومؤيديها حتى تصل الى الملايين، ثم بين ليلة وضحاها تجد ان هذه الملايين قد تبخرت وانقلب قسم لا باس به منهم الى الاحزاب او الحزب الجديد المتنفذ، وهكذا. ورغم كل الكوارث التي مر بها العراق الا ان الحال لم يزل كما هو. فالشيوعي لا يمكن ان يُنتَقَد من غير الشيوعي حتى وان كان النقد موضوعيا والبعثي لا يمكن ان ينتقد من غير البعثي، وكذلك الكردي والقومي العربي والإسلامي. وجلسات مجلس النواب الحالي خير دليل على ذلك، بحيث وصل الامر ببعض النواب الاكراد ان يعلنوا صراحة بان حق نقد الاقليم وقيادته ونوابه محصور بالنواب الاكراد فقط. في حين ان الاحزاب الدينية تتستر على فاسديها برغم معارضة ذلك لكل الشرائع الدينية. لا بل اكثر من ذلك ان كل حزب لا يقبل نقدا من اي حزب او فئة منشقة عن الحزب نفسه. الأدهى من ذلك ان كل نقد حتى وان كان موضوعيا وهادئا يمكن ان يوصم كاتبه بشتى الاوصاف الاخلاقية واللا اخلاقية، ويمكن ان تصل لحد الاتهام بالعمالة. فالبعثيون والقوميون العرب كانوا بالنسبة للشيوعين عملاء عبد الناصر في زمن الجمهورية الاولى ١٩٥٨-١٩٦٣. والشيوعيون أصبحوا في الجمهورية الثانية (١٩٦٣-١٩٦٨) عملاء موسكو،

قبل الاحتلال كان كل من يرفض مغادرة العراق ويصر على البقاء فيه يوصف بانه من عملاء النظام السابق، والمضحك ان من يصفه بذلك هم اطراف المعارضة التي كانت مرتبطة بكل اجهزة المخابرات الغربية والصهيونية. ولما حدث الاحتلال البغيض طبقت نفس النظرية على كل من هو موجود في العراق او اصر على البقاء فيه،. لا بل من جاء مع الاحتلال كان واضحا في تصرفاته انه عائد لينتقم من كل من بقي في العراق. والمؤلم فانه وعلى الرغم من هذه الممارسات الواضحة فان غالبية الأكاديميين الذين كنت أعيش بينهم انجرفوا تماما مع ما كان يحدث من سياسات طائفية وعنصرية وبدأوا بالتحريض على زملاء لهم كونهم من أعضاء حزب البعث او اعتبروهم من مؤيدي النظام. وكان البعض يتشفى عندما يسمع باغتيال أكاديمي بدعوى انه كان بعثيا. وعندما اغتيل اول زميل لنا في الكلية التي نعمل فيها وطلبت من زملائي ان نضرب على العمل احتجاجا لم يستجب لي سوى شخص او شخصين فقط. اما عمليات التحريض على الآخرين فحدث ولا حرج، مع علم المحرضين بان هذا العمل قد يودي بحياة زميل لهم او إنسان لديه عائلة واطفال. لقد كنت اعتقد قبل الاحتلال ان الغالبية العظمى من المثقفين والمتعلمين والأكاديميين قد أصبحت لديها تجارب سابقة كثيرة نتيجة للأحداث الكبيرة والمؤلمة التي مر بها العراق لخمسة عقود خلت، وأنها ونتيجة لإطلاعها على الأمور سوف لن تنجر وراء الشعارات والسياسات الغوغائية والكاذبة، وان مبدأ احترام الرأي والراي المقابل سوف يكون مبدائها وديدنها، الا ان ما حدث بعد الاحتلال اقنعني بان الغالبية العظمى لم تتعض.  واذا كان هذا هو حال مثقفينا ومتعلمينا وأكاديميينا فلنا ان نتصور موقف العامة التي تتحكم بها أهوائها وتسيرها المشاعر الدينية والطائفية والعرقية، ولا تمتلك من المعلومات غير ما يضخه فيها الاعلام والسياسيون. وفِي هذه الأيام بدأت حملات مبكرة للتمسك بالحكم من قبل من يمسكون به منذ بداية الاحتلال ولحد الان ، رغم فشلهم الذريع في كل المجالات. مع حملات تشويه للاتجاهات الإصلاحية حتى وان أعلنت انها لن تشارك في الانتخابات. وخير دليل على ذلك ما يجري الان من محاولات لتمرير قانون الانتخاب الذي يراد منه دعم الاحزاب المتنفذة . والى ان نصل الى مستوى نحترم فيه آراء غيرنا وان نعتبر ان الجميع وطنيون حتى وان اختلفنا معهم في الرأي، وان الذي لا مجال للتفاهم معه هو من تلوثت يديه بدم الشعب العراقي او بالفساد او من ساهم ودعم وشجع على احتلال العراق وتدميره، او من ارتبط ولا يزال مصرا على الارتباط بأجهزة المخابرات التي تضمر شرا لمنطقتنا، وكل هؤلاء يجب ان يناط امرهم الى القضاء العادل والنزيه، أقول حتى نصل الى مثل هذا السمو من التفكير والاخلاق فسوف لن تقوم قائمة ليس فقط للعراق ولكن لكل أقطار الوطن العربي الكبير. من ناحية اخرى ان ما ستتمخض عنه الانتخابات القادمة مرتبط ارتباطا كبيرا بأجندات خارجية ودول مجاورة، الشيء الجديد الذي يمكن ان يضاف هنا هو دخول الولايات المتحدة بفاعلية، ومحاولاتها المبكرة لاضعاف اطراف معينة مقابل تشجيع اطراف اخرى على ان تظهر بمظهر يختلف عن مظهرها السابق. اما الرأي العام فكان وسيبقى ضعيفا ومستكينا خوفا من بطش المليشيات المتنفذة. والاسئلة التي تثار عديدة، فمثلا هل ستنجح الولايات المتحدة في تغيير التركيبة والإتيان باخرى، وفِي وفت توكد فيه ممارساتها السابقة بأنها كانت دائما تدعم الدكتاتوريات وليس الديمقراطيات، واذا ما فعلت ذلك فهل ستأتي بتركيبة أفضل ام ستبقى على مبدأ اختيار الموالين والطائعين حتى وان كانوا فاسدين. وهل سيظل الاعتماد على عملائها الذين أتوا معها بعد الاحتلال ام انها ستعمل على اختيار الكفاءات التي استطاعت ان تبني العراق وتديم الحياة فيه بعد حرب ١٩٩١ وخلال سني الحصار الظالم واللا انساني. وهل ستقبل الدول والأحزاب والمليشيات التي استفادت من الاحتلال ان تستسلم لمثل هذه الحلول. ان كل الدلائل تشير الى ان العراق مقبل على أزمات ومعارك طاحنة سوف يكون العراقي البسيط وللاسف وقودها. وسيبقى الرويبضة، كما اسماه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، هو من يتسيد المشهد السياسي العراقي.

 كاتب عراقي

Print Friendly, PDF & Email
مشاركة

3 تعليقات

  1. اعتقد بدا خراب وضياع العراق منذ ثورة 1958 والتي ادت الى نهاية الحكم الملكي وعزلة العراق عن المحيط الدولي ، فمن قام الثورة والذين استلموا الحكم لحد هذه اللحظة هم سراق وكذابين واصحاب كراسي ولا يعتقدون بمبدا الديمقراطية وتداول السلطة .

  2. احسنت التهديف واجدت الاصابه ولكونها مؤلمه في حياتنا وواقعنا فرياح الفرج تاتي بعد الحصاد وان كان بعدها سنين عجاف فلم يبقى يسيرا من عمر الوطن

  3. طرح واقعي لكن الشعب العراقي في وادي والبشريه في وادي اخر
    شعبنا تعلم عل النفاق ومسايره الاقوياء والمال وصار هذا جزء من شخصيته
    يعيش حاليا في فتره مظلمه وجاهليه متخلفه اذا قيست بجاهليه هبل
    التغير يحتاج الى اراده الهيه غير هذا لا حياه لمن تنادي

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here