محاولة لتفسير التصعيد الأميركي في سوريا

sobhi-ghandour.jpg77

صبحي غندور

حينما يكون رئيس أكبر دولة في العالم قد وصل لمنصبه دون أي سابق خبرة سياسية أو حكومية، وحينما يكون هذا الرئيس معروفاً بتغيير مواقفه وباعتماده على منطق “رجال الأعمال” والصفقات التي تبحث عن الربح بغض النظر عن المبادئ، فإنه حتماً من الصعب التنبؤ بما سيفعله في فترة حكمه. وربما ما حدث مؤخراً من ضربات عسكرية أميركية لقاعدة جوية سورية خير مثال على الغموض الذي يحيط الآن بالخطوة التالية لإدارة ترامب ولكيفية ردود الفعل عليها، تحديداً من موسكو التي تدعم الحكومة السورية، والتي لها قواعد بحرية وجوية على الأراضي السورية.

الملفت للإنتباه أن ترامب لم تصدر منه حتى الآن أي إدانة لموسكو أو اتهامات لها بشأن المزاعم عن استخدام الطيران السوري لسلاح كيمائي بينما صرّح بذلك أكثر من مسؤول في إدارة ترامب، وربما هذا ما يريح ترامب حيث أن تعدد وتناقض المواقف من أعضاء إدارته حول سوريا وروسيا سيسمح له مستقبلاً باختيار المناسب منها دون التزام الآن بموقف محدد يقيد سياسته.

وزير الخارجية الأميركي تيلرسون يؤكد على استمرار سياسة أولوية المواجهة مع “داعش” بينما السفيرة في الأمم المتحدة تتحدث بمضمون مخالف. أعضاء جمهوريون بارزون في مجلس الشيوخ (ماكين، غراهام، روبيو) يطالبون ترامب بتصعيد التدخل العسكري في سوريا وبأولوية اسقاط حكم بشار الأسد والتشدد أكثر مع موسكو، بينما القاعدة الشعبية المحافظة التي اوصلت ترامب للبيت الأبيض تريد “أولوية أميركا” وعدم التورط في حروب خارجية، إضافة طبعاً لأصوات عديدة في الكونغرس الأميركي تدعو ترامب للعودة إلى الكونغرس قبل أي خطوات عسكرية جديدة.

زيارة تيلرسون لموسكو مهمة جداً لأنها ستحسم أيٍ من هذين الأحتمالين هو الأقرب إلى الواقع: الأحتمال الأول، أن إدارة ترامب قد مارست ضغطاً تكتيكياً لتحقيق مكاسب سياسية داخلية ولتعزيز موقفها التفاوضي مع موسكو بشأن مستقبل سوريا، أمّا الأحتمال الآخر فهو وجود تحول في إستراتيجية ترامب بحيث اختار التصعيد العسكري في سوريا كمقدمة لتصعيد مع إيران ولتحجيم نفوذها بالمنطقة وارغام موسكو على الخيار بين مصالحها مع الغرب أو تورطها أكثر في الشرق.

حسب تقديري فإنّ الأحتمال الأول هو الأرجح لأن تبعات الأحتمال الثاني لم تقدم عليها إدرة بوش الأبن وما كان فيها من “محافظين جدد” ومشاريع لفرض امبراطورية أميركية تهيمن على العالم كله. فهو خيار يورط اميركا عسكرياً فيما هو اوسع وأخطر مما حدث في العراق وأفغانستان وقد يصل إلى حد حرب عالمية تنغمس بها الدول الكبرى، أضافة إلى النتائج السيئة لهذا الخيار على الصعيد الداخلي الأميركي وعلى الإقتصاد العالمي بأسره.

لذلك، أجد أنّ الأحتمال الأول هو الأقرب للواقع الآن، وربما هناك من نصح ترامب بتعديل اللهجة والأسلوب دون تغيير في مضمون السياسات التي اعتمدها في حملته الأنتخابية، والتي عبّر عن جانب منها الوزير تيلرسون قبل أيام قليلة من الضربات العسكرية في سوريا، حينما كان يتهيأ لزيارة موسكو، فتحدث عن أولوية مواجهة “داعش” وحل الأزمة السورية سياسياً وترك مصير الرئيس بشار الأسد لأنتخابات في ختام التسوية السياسية المبنية على القرار 2254.

ووفق ترجيح الأحتمال الأول، فإنّ الضربات العسكرية الأميركية المحدودة التي حصلت على مطار الشعيرات حققت لترامب جملة أهداف أهمها:

  1. وقف الحملة الإعلامية والسياسية التي كانت مشتعلة حول علاقة فريق ترامب الأنتخابي مع مسؤولين في موسكو والتي كانت تهدد رؤوساً مهمة في إدارة ترامب. (تُرى كيف كان تيلرسون سيذهب لموسكو في ظل الحملة لو لم تحصل الضربات العسكرية والتصعيد السياسي مع روسيا؟!)

  2. تمرير تعيين القاضي المحافظ نيل غورستش في المحكمة الدستورية العليا دون الحصول على غالبية الستين عضواً في مجلس الشيوخ، حيث مرّ هذا الأمر بلا ردود فعل شعبية وسياسية بسبب انشداد الأميركيين لما حدث في سوريا ولما يمكن أن يحدث لاحقاً. فهذه هي أميركا التي يقف شعبها وإعلامها وقادتها خلف الحاكم عند حدوث تطورات عسكرية وأمنية هامة. ألم يحدث ذلك مع بوش الأبن بعد 11 سبتمبر 2001 وعشية الحرب على العراق!؟.

  3. إرضاء عدد من القيادات في الحزب الجمهوري الذين كانوا يضغطون على ترامب لإتخاذ مواقف اكثر شدة مع موسكو وفي وسوريا وضد إيران، كما هي أيضاً مطالب “اللوبي” المؤيد لإسرائيل ولحكومة نتنياهو.

  4. تبرير الزيادة التي طلبها ترامب للميزانية المخصصة لوزارة الدفاع (البنتاغون) وهي زيادة بحوالي 60 مليار دولار تُضاف على 600 مليار دولار، وهو مبلغ سيتم توفيره على حساب ميزانية إدارات صحية وإجتماعية وتربوية. فالتصعيد العسكري في سوريا هو عذر كافٍ لزيادة الميزانية العسكرية.

  5. زيادة نسبة التأييد الشعبي لترامب بعد وصولها إلى أدنى مستوى لها بالمقارنة مع رؤوساء أميركيين سابقين، وهذا أمر مهم جداً لترامب شخصياً بما يتصف به من غرور ونرجسية وحرص على كيف يراه الناس والإعلام. وفعلاً زادت نسبة تأييد ترامب في الأستطلاعات بعد الضربات العسكرية، وقد اشاد به أيضاً عدد من خصومه في الحزب الديمقراطي، وصرّحت هيلاري كلينتون مؤيدة لقراره ومطالبة بضربات أوسع وأكبر!!.

  6. إظهار ترامب بصورة الرئيس الأميركي القوي القادر على إتخاذ قرارات صعبة، خاصة بعد فشله في عدة قضايا في أسابيعه الأولى بالبيت الأبيض وفي مقدمتها قانون حظر السفر والمشكلة مع المكسيك حول الجدار الحدودي.

إضافة لذلك كلّه، فإن الضربات العسكرية الأميركية لاقت تأييداً واستحساناً من حلفاء لأميركا في منطقة الشرق الوسط، وهو أمر تحتاجه إدارة ترامب في إطار تخطيطها لبناء “شرق أوسطي جديد” تكون مقدمته إقامة مؤتمر إقليمي في الصيف القادم، يبحث في كل أزمات المنطقة ويحقق تطبيعاً عربياً مع إسرائيل، ويجعل واشنطن هي صاحبة القرار الأول في مصير كيانات المنطقة وحكوماتها.

11-4-2017

*مدير “مركز الحوار العربي” في واشنطن

Sobhi@alhewar.com

Print Friendly, PDF & Email
مشاركة

8 تعليقات

  1. كل هذه الجعجعة الامريكية للتغطية على جرائم أمريكا في الموصل.

  2. تزداد نسبة تأييد الشعب الأمريكي لرئيسه حين يضرب دولة أخرى، وهو الدليل على أنهم كلهم من طينة واحدة، ولا خير يرجى منهم مستقبلا. هي طبقة من الفاسدين لا يخلص الإنسانية منهم سوى ظاهرة طبيعية من عند الله

  3. اقولها لجميع المحللين… زيارة محمد بن سلمان لأمريكا في شهر 3 جاءت لدفع لدفع تكاليف هذه الضربة. ..صواريخ بقيمة 100 مليون. ..لكن الربح كان عشرات اضعاف هذا المبلغ. نتحدث عن سياسة دولة و نظام و ليس فرد. لا نبرر للمحللين هفواتهم في التحليل الظرفي بعيدا عن معطيات أخرى. ما الذي صنع الفرق لضرب النظام قبل و بعد انفجار الكيماوي الذي من الواضح انه خدعة او سبب اوجدته مخابرات بعض الدول بالتعاون مع المسلحين. الجواب لا يوجد هناك فرق…السياسة لا تزال نفسها…و الاسد ليس أولوية لترامب او ادارته… غير ذلك لا تضحكون على انفسكم….
    هذه دول و ليست لعبة تركس…لا تتغير السياسية بيومين… النظام كلن يقصف الارهابيين بدون كيماوي…. شو فرقت كثير مع الإدارة. … الهدف هو كل ما ذكر في المقال…و ايضا مص اموال العربان

  4. الاحتمال الثالث يا سيد صبحي غندور هو أن ضغط الدولة العميقة أرهق دونالد ترامب الذي يفتقد الخبرة السياسية و يواجه الانقلاب الناعم من المترسخين في سياسة أمريكا و جعله يرضى لالواقع المفروض عليه من قبل محركي الأسلاك السياسية الخارجية. أتمنى أن يكون ترامب يستخدم دهائه التجاري لغاية أن تحين الفرصة المناسبة لينقلب هو عليهم. فلو استطاع ذلك فإن التاريخ سيسجل ترامب في قائمة العباقرة.

  5. تحليل موضوعي دقيق وقد لخص هذه الازمة المعقدة و المتفاقمة بمنتهى الشفاقية والرشاقة لافتة , ولاسبما الايجاز اللافت في الاسطر الخمسة الاخيرة , شكرا د كتور صبحي .

  6. تشكر يا سيادة الدكتور على هذا التحليل الرائع و المنطقي. فقد جاء في مقالكم مصطلح : المبادئ. و المبادئ محرمة تحريما أبديا في السياسة الأمريكية القائمة حاليا ، كما هي محرمة شرعا عند ممالك الخليج. فالحرب الباردة التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية كان الصراع فيها على المبادئ و المصالح الخاصة، حيث انتصر أصحاب المصالح على أصحاب المبادئ، وانهار الاتحاد السوفياتي جراء ذلك. وما يحز في النفس ، تمكّن أصحاب المصالح بربطها ربطا محكما بالإسلام الحنيف، وهو براء من ذلك، حتى صار الإسلام مرادفا للمصلحة الخاصة بعيدا عن المصلحة العامة و التي جاء من أجلها لترسيخها في الحياة الاجتماعية للمسلمين، وأروع مثال في ذلك ما حدث بين الأنصار و المهاجرين في المدينة المنورة .
    كما جاء في مقالكم مصطلح : الغموض. فعلا تم تعويض الفوضى الخلاقة بالغموض ، ليكون قناعا جديدا لأصحابه ، لتحقيق جميع أنواع المصالح لأرباب الشركات العابرة للقارات ، وباسم الغموض ستبرر جميع السياسات العدوانية على الدول الضعيفة التي ترفض الانصياع لهؤلاء الرأسماليين البشعين المتوحشين . فخطأ سورية الجسيم أنها ترفض التنازل عن المبادئ ، لهذا فهي تدفع الثمن باهضا لا يعوضه ملء الأرض ذهبا. وعلى كل عاقل أن يدرك ، أن الصراع بين المبادئ و المصالح قائم منذ خلقت البشرية، و أن جميع الأديان السماوية جاءت من أجل ترسخ المبادئ ليعش الناس في أمن و أمان وسعادة وهناء. ولكن الإنسان الجهول طغت عليه المادة، فأعمت بصره وبصيرته وجمدت عقله و أماتت ضميره ، فصار يخرب حياته بنفسه ويحوّلها إلى جحيم باسم الحرية و حقوق الإنسان وقد تم دفنهما نهائيا، و يا للعجب صار الناس الأبرياء يقتلون بالجملة على هذه البسيطة باسمهما، وماتت الضمائر وجفت الأقلام و رفعت الصحف. فالله نسأل أن ينقذنا من شر الأشرار و يجعل كيدهم في نحورهم. والسلام على كل إنسان شريف كر يم .

  7. العدوان او بالاصح الغباء الامريكي لن يزيد الا تشجيعا للارهابيين باستعمال الاسلحة الكيماوية…

  8. سيدي الكريم
    في هذا الظرف البائس الذي تمر به شعوبنا العربية و بإضمحلال التفكير عند نخبنها و خنوع ديكتاتورييها للقوى الإستعمارية القديمة المتجددة و هرولتها لتأييد الصهيونية في مسعاها لتصفية قضيتنا الفلسطينية؛ يعلو صوتك الشجاع ؛ الشريف أمام سيول الرداءة و الخنوع لأشباه النخب التي يسلطها الإعلام الرديئ علينا.
    لا يسعني سيدي الكريم إلا أن أبديئ إحترامي و تقديري كمواطن جزايري لمواقف شخصكم الكريم
    تحياتي الخالصة

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here