كاظم ناصر: فلاديمير بوتين ومواجهة الصلف الأمريكي

kathem nasser.jpg555

كاظم ناصر

بعد حوالي خمسة وسبعين عاما على قيام ” إتحاد الجمهوريات السوفيتية الإشتراكية ” ومعاداته ومحاصرته ومقاطعتة إقتصاديا ، تمكّن الغرب الرأسمالي بقيادة أمريكا من الخلاص من هذه الدولة العظمى التي قادت النظام الإشتراكي ، ووقفت إلى جانب الدول النامية في ثوراتها ضدّ الاستعمار والتبعيّة الغربيّة ، وتقاسمت النفوذ على العالم مع أمريكا  . لقد تفكّك  الإتحاد السوفيتي في 26 – 12 – 1991 بعد إصدار مجلس السوفييت الأعلى الإعلان رقم ه- 142 الذي أعلن فيه عن الإعتراف باستقلال الجمهوريات السوفيتية السابقة التي تكوّن منها الإتحاد .

 لقد حدث هذا رسميّا في 25- 12- 1991 عندما أعلن ميخائيل غورباتشوف إستقالته من رئاسة الإتحاد السوفيتي في كلمة متلفزة  وغادر بعد ذلك مبنى الكرملين، وتمّ إنزال علم الإتحاد السوفيتي الأحمر عن المبنى للمرة الأخيرة في التاريخ ، ورفع محلّه علم روسيا الإتحادية .

الغرب الرأسمالي أغدق شعوب الإتحاد السوفيتي بوعوده أنه سيساعدهم إقتصاديا خلال مرحلة إنتقالهم من النظام الإشتراكي الموجه إلى النظام الإقتصادي الحر . لكن النتيجة كانت مخيّبة لآمال الروس . لقد خدعهم الغرب  كما خدع غيرهم في مناطق كثيرة من العالم ، فقوّض إتّحادهم القوي ، وتخلّى عنهم وتركهم يواجهون ظروفا إقتصاديّة صعبة ، وقزّمهم وأنهى دورهم القيادي على الساحة الدولية ، وأصبحت أمريكا الدولة العظمى الوحيدة في العالم .

لقد عانت روسيا الإتحادية من مشاكل سياسية وإقتصادية  خلال المرحلة الإنتقاليّة التي مرت بها بعد إنهيار الإتحاد السوفيتي ، خاصة خلال فترة حكم بوريس يالتسين أول رئيس منتخب لروسيا الإتحادية . كان يالتسين متهوّرا فتم خلال فترة رئاسته تراجع في دور روسيا القيادي على الصعيد الدولي ، وتمّت خصخصة صناعاتها التي كانت تملكها وتديرها الدولة ، وانخفض إنتاجها الصناعي والزراعي بشكل كبير ، وواجهت تضخما إقتصاديا مهلكا أطاح بالقيمة الشرائية للروبل الروسي الذي إنخفض سعره من من حوالي أربع روبلات إلى ألفين روبل مقابل الدولار الأمريكي، فعم الفقر ، وزادت معدّلات البطالة ، واستشرى الفساد ، وارتفعت نسبة الجريمة بشكل مخيف .

لقد تغيّر العالم منذ تفكّك الإتحاد السوفيتي فظهرت الصين ، والإتحاد الأوروبي ، وروسيا الإتحادية كدول عظمى منافسة للهيمنة الأمريكية ولها شأنها على الساحة الدولية . لكن التطوّر الأهم هو إستعادة روسيا لدورها كقوّة سياسية وعسكرية واقتصادية كبرى بقيادة فلاديمير بوتين ، الرجل القوي الذي نجح في في إعادة روسيا بقوة إلى المسرح السياسي الدولي كمنافس قويّ لأمريكا ومتحدّ عنيد لممارساتها الرامية إلى فرض سيطرتها على العالم .

إن نجاح روسيا في فصل  جزر القرم عن أوكرانيا وضمّها إليها بعد الإستفتاء الذي جرى عام 2014  ، واعتبارها مقاطعة روسية كان تحدّيا واضحا لأمريكا وحلفائها ، ونصرا كبيرا لروسيا لأن العالم الغربي وعلى الرغم من معارضته لما حدث وفرضه عقوبات إقتصادية ضدّها فإنه لم يتمكّن من استعادة الجزر ، وبقيت وستظل جزأ من دولة روسيا الإتحادية .

 والتدخل الآخر الذي قوّى الموقف الروسي عالميّا هوتحدّي روسيا للعالم الغربي  وتدخلها المباشر في أزمات الشرق الأوسط وبالذات في سورية . لا شك بأن أحد أهم أهداف أمريكا والغرب كان إسقاط النظام السوري وإستبداله بنظام يقيم سلاما مع إسرائيل ، ويحدّ من النفوذ الإيراني في المنطقة ، ثم يتجه لتطويق حزب الله ويحاول إنهائه ، وفي النهاية يساهم في تصفية القضية الفلسطينية وفرض الحل الذي تريده إسرائيل وأمريكا على الفلسطينيين والعرب .

التدخل الروسي على ما يبدو أفشل هذا المخطط بقوة السلاح خاصة بعد السيطرة على حلب الذي فرض واقعا جديدا في سورية مفاده أن سورية لن تتفكك ولن تنهار، وستظل موحّدة ، وإن الشعب السوري هو الذي سيقرّر من يحكمه وليس الولايات المتحدة وإسرائيل ومن تحالف معهما من عرب ومسلمين .

أما التحدي الروسي الثالث للغطرسة الأمريكية فيتمثّل في تعزيز وتقوية الشراكة الروسية الصينيّة على جميع الأصعدة ، وتطوير العلاقات التجارية والعسكرية والصناعية مع إيران ومصر والهند ، وبيع أسلحة لدول الخليج ، وإزدياد النفوذ السياسي والإقتصادي الروسي في إفريقيا وبعض دول أمريكا اللاتينية .

يبدوا أن الرئيس الروسي بوتين الذي كان رئيسا لوكالة الإستخبارات السوفيتية ” كي جي بي ” والذي يفهم الغرب وأطماعه ومناوراته جيدا ، يريد أن يأخذ بثأره من هذا الغرب  الذي كان السبب في إنهيار الإمبراطورية السوفيتية ، والذي حاول إذلال روسيا والهيمنة عليها بعد أن تخلّصت من نظامها الإشتراكي .

فهل ينجح بوتين في لوي الذراع الأمريكية بإقامة نظام عالمي جديد متعدّد الأقطاب يجردّ أمريكا من إمتيازاتها التي تمتّعت بها في عالم القطب الواحد ، ويعيد لروسيا دورها كدولة عظمى ثانية ، ويخلق وضعا عالميا جديدا أفضل ؟ نحن العرب نتمنى ذلك لأن هكذا تطور سيخدم قضايانا وقد يساعدنا في محاولاتنا المستقبلية للتخلّص من النفوذ الغربي في المنطقة وفي تصدّينا لإسرائيل  !

Print Friendly, PDF & Email
مشاركة
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here