من المعيب جدا أن تنهزم الجزائر أمام وسائط التواصل الاجتماعي

ismaeel-alqasimy-new.jpg555

اسماعيل القاسمي الحسني

هذه الجزائر، الدولة العربية الأكبر و الأقوى، و التي سجل لها التاريخ صمودها الأسطوري في مواجهة تكالب الدول الغربية عليها، على امتداد خمسة قرون متواصلة، و وثّق انتصاراتها المتتابعة على كل هجمة شرسة تعرضت لها؛ و لعله من المفيد هنا للاستدلال على حجم الضغينة التي يضمرها العقل السياسي و العسكري الغربي للجزائر دولة و شعبا، التذكير بعدد حملاته العسكرية لاحتلالها و ترويضها، الذي تجاوز عشرين حملة خلال قرنين فقط (16-17)، اي بمعدل حملة عسكرية ضخمة كل عشر سنوات، ساهمت فيها أهم الدول التي تمزق عالمنا العربي اليوم، من فرنسا و بريطانيا و حتى الولايات المتحدة حاولت بكل ما أوتيت حينها من قوة؛ تلكم الدول و غيرها كانت تحمل بعضها بعضا، و يتناوبون في الهجوم على الجزائر، ما يعطي فرصة لكل واحدة منها لإعادة بناء جيشها بعد الهزيمة، و جمع قوتها و أخذ نفسها، في حين أن الجزائر وحيدة لم يهدأ شعبها و لم يلتقط نفسا مقدار جيل واحد زمنيا، لا يكسر هجوما حتى يدخل مباشرة في رد هجوم آخر؛ إن الذي يسوّق الادعاء بأن الجزائر غير مستهدفة، يكون أحد الرجلين، أولهما أنه جاهل بتاريخ الصراع الجزائري الغربي جهلا مطبقا، لا يؤهله البتة للتنطح لهذا الموضوع، و ثانيهما و هذا أمر وارد جدا، هو بيدق من بيادق العدو نفسه، و لا أرى حالة ثالثة.

خروج وزير السكن الجزائري بعد تصريح الوزير الأول بخصوص فضاء الفايس بوك، و الذي أقر فيه بوجود خمسة مواقع في العالم الافتراضي، موزعة عناوينها بين المغرب و فرنسا و ألمانيا و كيان العدو الإسرائيلي، مهمتها و دورها ضرب استقرار الجزائر،  و  إن كان خروجا متأخرا جدا، ذلك أننا أشرنا لخطره منذ سنوات عبر صحيفة “رأي اليوم”، فإنه لا يُحسب في تقديري من باب المناكفات السياسية التي تعوّد على تسويقها العرب، تنصلا من المسؤولية، و اختلاقا لصراعات وهمية كملهاة للمواطنين. و إن كنت أختلف مع السلطة في سياسات كثيرة و منها تحديدا مواجهة هذه الآلة الحربية المعاصرة، و التي كان لها دور مهم في توطئة بل و خلق الفتن داخل الشعوب العربية، فذلك لا يعني أبدا تكذيب المعلومات التي أدلى بها الوزير، ببساطة لأنني على علم بها سابقا، و استوثقت من صحتها قبل ذلك بكثير، و أشرت في مقالات عديدة تلميحا و تصريحا، و على امتداد ثلاث سنوات خلت على الأقل، لجدية الخطر الذي يشكل هذا الفضاء و شبكات تواصله على استقرار الجزائر و  سلمها و أمنها الاجتماعي. و أسجل بكل صراحة و صدق أني لم ألمس من حينها إلى غاية اليوم، أي عمل جدي من السلطة الجزائرية يهتم فعليا بهذا الأمر الخطير، بل كان كبار المسؤولين و على رأسهم الوزير الأول نفسه و رئيس ديوان رئاسة الجمهورية، يسخرون من التحذير و يعتبرون هذا السلاح الخطير مجرد لعب أطفال لا يستحق مجرد الالتفات إليه، و منهم مع الأسف الشديد من اعتبر تحذيرنا ليس أكثر من افتعال موضوع لإثبات الذات.

يبدو أن الزلزال الفوضوي الذي تعرّض له جهاز المخابرات الجزائري، و الذي تعود أول موجاته لثلاث سنوات مضت، حين بدأت موجه التشهير به على وسائل الإعلام، و يتداول الهجوم على رجاله كبار رموز السلطة السياسيين تمهيدا لعملية تجريف في المناصب و الصلاحيات، أوهمت مثل الوزير الأول و وزير السكن و غيرهما كثير من النخبة السياسية، بأن التقارير التي ترفع من هذا الجهاز باتت هي كذلك بائسة لا تستحق أي اهتمام؛ و نتيجة هذا السلوك غير المسؤول و الفاقد للوعي الوطني و الحس الأمني، تمكن العدو و الخصم من خلق مئات الصفحات على فضاء شبكة التواصل الاجتماعي تستهدف الجزائر، تنفخ في الفتن المذهبية و العرقية بل و المناطقية كذلك، و مؤخرا فقط وقفت على واحدة من أخطر الصفحات التي تروج لـ “القَبَلِية”، و لنا كل الحق بأن نستشعر الخطر الجدّي حين نقف على عشرات الآلاف من المعجبين بتلكم الصفحات، و أخطر من ذلك صفحات تتبنى خط و فكر و سلوك الجماعات الإرهابية، و تعلن جهارا عبر منشوراتها تأييدها للعمليات الإجرامية في دول المشرق؛ الأمر الذي يتعارض بشكل واضح مع خط الدولة الجزائرية و شعبها، و يستهين بكل جرأة بقانون الجرائم الالكترونية، الذي لم نر مع الأسف الشديد أي أثر له على أرض الواقع، و كذلك يثبت عجز أو غيبوبة الهيئة الأمنية التي أنشئت خصيصا على مستوى وزارة الداخلية، لمحاربة هذا النوع من الجرائم، باستثناء بعض الخروقات التافهة كالتي ينتحل فيها صاحب الصفحة صفة العسكري.

و ما يزيد من التخوف أكثر، هو ما رفعه لي يوم أمس بعض الشباب الوطني الغيور (المستقل عن السلطة و شركات التربّح الحزبية)، و هو عبارة عن صفحة لدكتور جزائري باسمه و صورته وفق تعريفه، يروج للقاء سيبثه عليها مع ممثل لوزارة خارجية كيان العدو الإسرائيلي، و تابعت الموضوع فعلا، لأصدم باللقاء و الحوار الذي من بين ما تضمّنه ردود العدو على تصريحات وزير السكن ذاته؛ و إذ لم تتحرك المصالح المعنية حيال هذه الجريمة و هذا الاختراق الخطير جدا و غير المسبوق في الجزائر، فلا يمكنني إلا القول بأننا كشعب في مواجهة مع هذه الطامة التي عصفت ببلدان و شعوب عربية، لا سلطة واعية تقدم المساعدة و تقوم بواجبها،  و لا أمن يحمينا، و هل يحق لنا أن نسأل أمام هذا التطور المروع: أننا شعب مكشوف أمنيا؟.

إن دولا عظمى و قوية و محصنة أكثر من الجزائر، و غير مستهدفة بالحجم الذي يستهدفنا، باتت تعبر جديا على خوفها من استغلال شبكات التواصل الاجتماعي لتحريف الرأي العام و تضليله، و لعل آخر مثل صارخ ما يجري الآن في ألمانيا، و الثورة التي أعلنها كريستوف كابيس رجل أعمال تكنولوجيا الاتصالات، في مواجهة موقع Breitbart News الأمريكي، الذي درج على تلفيق حقائق حول الأحداث، و قد عبر كريستوف عن تخوفه من فتح فرع لذلكم الموقع الأمريكي بألمانيا، في مقال له على مدونته يقول بالحرف:” في حال دخول الموقع الأمريكي للفضاء الألماني ومستخدميه. وبالنظر إلى الامتداد الأمريكي القوي، فقد يبلغ عدد مستخدميه في ألمانيا في غضون خمس سنوات ستة ملايين مستخدما”؛ محذرا من وقوع انجراف سياسي ( DW). فقد سبق للموقع الأمريكي نشر أخبار كاذبة عن عمد حول أحداث في ألمانيا، آخرها ادعاء حرق كنيسة من قبل أجانب، و غيرها من الأراجيف، جميعها تصب في مصلحة سياسة الولايات المتحدة. و لأن تأثير هذه المواقع وفق تقدير العقل الألماني خطير جدا على الوعي الجمعي، باعتماده الخطاب الشعبوي سهل التلقي، و سريع الانتشار بين العوام، قرر كريستوف كابيس بمعية نخبة من الخبراء أمثاله إنشاء مشروع تحت اسم Schmalbart  لمواجهة هذا التحدي و تحصين الجبهة الداخلية من الهجوم الامريكي. و لعل يوليانه كراوزه آكلباين  المشاركة في هذا المشروع التوعوي المهم بل و الضروري، قد اختصرت المشهد بوصفها لواقع ما يجري في هذه الشبكة العنكبوتية بالقول:” أنه لم يعد هناك فارق، بل يوجد سوى أناس يصرخون في وجه بعضهم البعض”. هذه المجموعة من الخبراء الألمان ستلتقي بعد ثلاثة أيام في برلين أي 14 من هذا الشهر، لوضع الإستراتيجية و آليات مواجهة هذا السلاح المدمر.

و السؤال في ختام المقال: متى تستفيق السلطة الجزائرية، و الجهات المختصة و ما يسمى نُخبا في الجزائر لوضع آليات فعلية و وضع إستراتيجية جدية للذود عن حياض هذا الوطن و الحفاظ على الوعي الجمعي الذي تخطفت كثيرا من شبابه، صفحات العدو و الخصم و الحمقى و الجهلة؟ أم يسجل نتيجة هذا التعامي و المكابرة، على الجزائر في عهدهم البائس، أنها لم تركع و لم تهزم على امتداد خمسة قرون، و ستهزم – لا قدر الله – في زمن حكمهم تحت ضربات مواقع النت؟ ما أتعس حظ الجزائر حينئذ بهم، و ما ألأمهم من أبناء ساعتئذ.

فلاح جزائري

مشاركة

14 تعليقات

  1. شكرا للأخوين : عمر المختار وعبد الرحمن من الجزائر كلامكما فى الصميم ..

  2. الخونة من الدول العربية هم مرض هذه الأمة و يجب الإحتراس منهم ، اللهم ما أحرسنا من أخواننا أما أعدائنا نعرفهم.

  3. الاخ عبدالرحمن – الجزائر احسنت القول بارك الله فيك . حفظ الله الجزائر و شعبها . تحياتي لك

  4. يا أخ فلسطيني قرفان ؛
    هذا ليس استهزاء ولاكن تعجب من الجمله المبالغ فيها !
    وربنا يحفظ الجزائر من كل شر وهذا دائما أحسسنا الطيب لكل الوطن العربي  

  5. كما امنت الجزائر حدودها الجغرافية عليها تأمين “حدودها المعلوماتية” وحسب رايىي المتواضع هذه الحدود خطرها اكثر مما يتخيل …..مقال في غاية الأهمية سلمت يمينك استاذ

  6. الذي يجعل الجزائر مستهدقة ليس المواقع التواصلية ، ولا الحملات الدعائية للدول الاجنبية ، ولا شيء من ذلك ، ولكن الذي يريد بيع الجزائر واحتقار شعبها هي الطغمة الحاكمة من دفعة الطابور الخامس ، الذين لا زالوا مرتبطين بالاله الغربي ، يتوسلون اليه ليلا نهارا ليجعل لهم مكانا في قلبه ، ويحولهم الى صوت مسموع . وارجو ان لا يزايد احد على ما يتكرر من المؤامرة واليد الاجنبية ووو ، بل ان المسؤول الذي تكلم عن استهداف الجزائر ، هو من يستهدفها ، فهم من اوصلوا الجزائر الى ما عليه ، لان ضعف الحكام وعدم كفاءة المسؤولين ، ونفاقهم وكرههم للحق والعدل ، وبغضهم لكل ما هو وطني ، هو الذي جعل كل أجنبي يطمع في جزائر المليون شهيد ونصف . فمن يكره العربية ، ويتحدث ويتعامل بلغة هي اجنبية عنه ؟ ومن يتوسل للدولة الفرنسية ؟ ومن يحتقر الكفاءات الوطنية ويظل يطاردها ؟ ومن حول الشباب الى متسكع والاطارات الجامعية الى بطالين والموظفين الشباب الى مسعبدين باجر زهيد ؟ اليس هذا هو ظلم لا يرضاه اي مخلص لبلده وابناء بلده ؟ وعندما تصبح الخزينة على وشك الافلاس ، بسبب التبذير والاختلاسات والمحسوبية وتبديد الثروة الوطنية ، نتباكى على الوطن ونتذكر الشهداء ونوظف الدين ونكشف المؤامرات ونلتزم بالوطنية ؟ اين الوطنية ؟ واعضاء المجالس البلدية معظمهم متابع قضائيا ؟ فضلا عن اعضاء المجلس الشعبي الولائي ، ولا نتحدث عن النواب ؟ ولماذا هذا السكوت والتواطؤ ؟ اليس كل هؤلاء المنتخبين هم من المعارضة والموالاة ؟ وهل يوجد فيهم عضو اجنبي إنهم كلهم جزائريون يتآمرون على البلاد والعباد ؟ وهذه حقيقة وليس خيالا تتناقله مواقع التواصل الاجتماعي لتتآمر على الجزائر .

  7. نريد من الاستاذ القاسمي ان يكتب مقالا لا يقل خطورة هو سرطان نائم ينخر الجزائر بهدوء انها تقية السلفية العلمية طلب العلم والاهتمام بالعلوم الشرعية ليس الا تقية يتغطى تحتها اناس يملكون نفس عقيدة داعش و هي عيقدة النجدي بن عبد الوهاب

  8. مصر في أيام عبد الناصر لم تكن لتستهزء بالجزائر. إنما عليك الخجل من هكذا تعليق يا أحمد علي!! هل هذا بدلاً من من مد الأيدي للأشقاء الجزائريين الذين بعمرهم لم يتعرضوا بإساءه لأي دوله عربيه فكم بالحري لمصر!! من غير الصعب أن تفهم أنكم تواجهون نفس العدو؟ التنسيق مع العدو أحسن يعني؟

  9. الشعب الجزائري لن يسمح لاحد بجر الجزائر ويرفض اي شئ يأتي من الخارج ولا يجرب ما جربه الاخرون فهو شعب متميز عن الاخرين نموت وتبقى الجزائر شامخة لاتطالها ريح

  10. مقال في الصميم اهم شيء هو تلائم ووقوف الشعب مع مؤسسات الدولة وعلى رئسها الجيش الوطني الشعبي ولا اقصد الوقوف مع النظام كذلك يجب احياء رؤساء الاحياء ومتابعة ومرافقة الشباب بالوعي وااحس الوطني والديني من البيت الى المدرسة الى الحي الى المسجد وحينها سنتغلب على اي متربص كذلك اثبتت التجارب ان الشعب الجزائري يلتحم و يتضامن لما يمتحن والله غالب على امره

  11. يا سيادة الكاتب المحترم ، تشكر كل الشكر على هذا الاهتمام بمصير الجزائر وبمصير شعبها. حبذا لو أننا نواجه الحقائق المرة التي نحياها ونصنعها بأنفسنا و أيدينا يوميا. لماذا نتهم غيرنا أي الدول الاستدمارية ، بأنها تتربص بنا وتكيد لنا المكائد الجهنمية ؟ وهي فعلا كذلك. لماذا لا نلوم أنفسنا و نحاسبها أشد المحاسبة؟ ألسنا نحن الذين نهرع إلى هذه الدول في كل لحظة و حين عبر الهجرة السرية ؟ أليس نحن الذين نفرح و نقيم الأعراس إذا فاز فرد من العائلة ببطاقة الإقامة عند هؤلاء الاستعماريين؟ أليس نحن الذين نفتخر و نعتز بلغة هؤلاء الاستعماريين إذا تكلمنا بها و تبجحنا بها أمام الوطنيين المخلصين؟ ألسنا نحن من يختلس الأموال و يهربها عند هؤلاء القوم؟ أليس نحن من أغلق مصانعنا وجوع عمالها و إطاراتها لتزدهر مصانع أعدائنا ؟ ألسنا نحن من حارب ويحارب اللغة العربية و التمكين للغة العدو؟ ألسنا نحن من ربط و يربط المدرسة بثقافة العدو ويجردها من كل عناصر الهوية و الأصالة للشعب الجزائري؟ أليس نحن من ساهم في تدمير عملتنا الوطنية ؟ فاللوم كل اللوم يسلط علينا جمعيا لأننا رضينا بالذوبان في العدو مقابل بعض فتات الدنيا. فالطمع قد دمرنا و جعلنا عبيدا بل أدنى من العبيد عند الأعداء. فالعزة و الكرامة و الحرية و الاستقلال يتم الحفاظ عليها بالاعتماد على النفس و الاتكال عليها و على الله – عز وجل . نحن نعيش في غيبوبة فظيعة ، وننتظر النجاح و الفلاح و الانتصار على الأعداء ، ونحن عاجزون عن انتاج خبزنا و ملبسنا و مركبنا و دوائنا وصيانة و حماية هويتنا التي هي سر قوتنا و وحدتنا و أخوتنا. إننا في أسفل سافلين ، يا سيادة الكاتب، فأوجد لنا مخرجا من فضلك. و السلام على كل ذي عقل و لب و ضمير.

  12. مقال في الصميم.
    ومن هذا المنبر أدعو كل مسؤول و من خلال منصبه و وزارته أن يقوم بتحسين و تقوية أداء صفحات التواصل الإجتماعية و ذلك بتوجيه المحتوى لفئة الشباب. كل هذا من أجل تحصين الجبهة الإجتماعية و وضع حد للدعاية المعرضة التي أصبحت تنتشر كالنار في الهشيم، و لكن للأسف لا يوجد من يواجه و يفند بنفس الطريقة.
    إلاّ بعض الشباب و طواعية و لكن كل هذا لا يرتقي لمستوى التهديدات و التحديات.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

Leave a Reply to عمر المختار إلغاء الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here