وميض عمر نظمي… أن تكون معارضاً

maan bashour ok55

معن بشور

       بعد أيام قليلة على الاحتلال الأمريكي للعراق في آذار/ مارس 2003  استضافت قناة فضائية عربية الدكتور وميض عمر نظمي ( الأستاذ الجامعي البارز، وأحد الوجوه القومية العربية في العراق، أحد مؤسسي المؤتمر القومي العربي والمؤتمر القومي الإسلامي) في مواجهة احد الذين اعتبروا الاحتلال “تحريراً ” .

ما أن مرت دقائق على المقابلة التي أكد فيها الدكتور وميض رفضه القاطع للاحتلال، ولكل إفرازاته حتى قفز “المحررّ بفعل المحتل” يريد الاعتداء على الأستاذ الجامعي المرموق في الأستديو مستقوياّ بقوات الاحتلال في الخارج،  فتصدى له نظمي بكل جرأة وشجاعة وأمطره بما يستحق من كلمات…

       كان ذلك المشهد الذي لا أنساه، واحدا من مشاهد المقاومة السياسية الأولى التي شهدها العراق بعد الاحتلال وهي التي واكبت المقاومة المسلحة الباسلة التي أدت إلى هزيمة الدولة الأكثر قوة وجبروتا في العالم وجاء ليؤكد إن العراق عصي على الاحتلال، وعصي على إفرازاته جميعاً، وعصي على الاستسلام لقوى الأمر الواقع…

       لكن من يعرف وميض  نظمي داخل  العراق وخارجه على امتداد الأمة يدرك صلابة هذا الرجل وأصالته الوطنية والقومية منذ أن طُرد من العراق أيام نوري السعيد لدوره في مسيرات رفض حلف بغداد ودعم مصر في وجه العدوان الثلاثي(1956)، فجاء طالباً إلى الثانوية العامة (I.C.)  في بيروت، إلى أن وقف بحزم ضد الانفصال ومع قيادة جمال عبد الناصر، ثم اختار دور المعارض الوطني الشريف في مواجهة نظام البعث في مرحلة ما قبل الاحتلال، حتى إذا ما وقع الاحتلال كان وميض نظمي من ضمن كوكبة من المعارضين الشرفاء الذين رفضوا أن يستخدم احد معارضتهم لتبرير الاحتلال الأمريكي أو استدعائه أو الاستقواء به…

       بعد حرب 1991 التي أعقبت غزو الكويت، وترافقت مع عقوبات جائرة ضد الشعب العراقي من حصار وعدوان، لم تمنعه معارضته للحكم آنذاك أن يؤسس حملة عربية للتضامن مع شعب العراق بوجه الحصار، وكان لا يترك جهة أو شخصية عربية أو عالمية يعرفها إلا ويدعوها للمساهمة في معركة رفع الحصار عن العراق، بل والمساهمة في توفير الدواء والحليب لأطفال العراق، ولا أنسى حجم سعادته وهو يستقبل شاحنة مليئة بالغذاء والدواء والحليب أرسلناها من لبنان إلى العراق كتعبير بسيط عن وفاء لبنان للعراق العظيم….

       منذ تأسيس المؤتمر القومي العربي، ثم القومي/ الإسلامي، في أوائل التسعينات من القرن الفائت، حتى أقعده المرض مؤخرا عن المشاركة، كان وميض يمثل نموذجاً للمعارض الوطني الذي يرفض أن تكون معارضته جسراً لعبور المستعمر إلى وطنه،  فاستحق احترام الجميع بمن فيهم من كانوا في السلطة آنذاك الذين كانوا يقولون :” وميض نظمي معارض من نوع مختلف عن معارضي الفنادق في الخارج”..

       ورغم إغراءات عديدة قدمت له ولأمثاله من رموز التيار القومي العربي في العراق كخير الدين حسيب ، عبد الكريم الفرحان، صبحي عبد الحميد، ناجي طالب وعبد الكريم هاني وغيرهم، رفض نظمي وإخوانه أي صلة بالاحتلال وإفرازاته وقدموا اشرف مثال للتمييز بين معارضة نظام وتآمر على وطن….

       رفض وميض أن يغادر بيته في الاعظمية في بغداد رغم عروض عمل كثيرة له في الخارج، كأكاديمي بارز وشخصية مرموقة، وقال “إن البقاء في بغداد والثبات على المبادئ هو أيضاً مقاومة ترفد المقاومين الأبطال في كل ميادين العراق”…..

       لم يكتف وميض بالصمود في مدينته، عاصمة الرشيد، بل سعى مع شخصيات وطنية عراقية كالشيخ جواد الخالصي إلى تشكيل اطر وطنية عابرة للمحاصصات والانقسامات الطائفية والمذهبية والعرقية التي رأوا فيها مشروعاً استعمارياً لتمزيق العراق.

 بقي وميض وإخوانه على صلة بشخصيات كردية، متفهماً لأوضاعها وهو يقول: ” لا يمكن أن أكون قومياً عربياً… وامنع غيري من التمسك بهويته القومية…” فاستحق احترام العديد من الأكراد كما العديد من أبناء المكونات العراقية الاخرى….

       في يوم وداعه الأخير نقول لأبي جمال لن تنطفئ ومضاتك يا وميض، رغم كل ما يحيط بالعراق من فتن ودمار وتعصب وغلو وجماعات إرهابية وميليشيات طائفية وتدخلات أجنبية، فأنت راهنت دوماً على وحدة العراق وعروبته وحرية أبنائه والمشاركة بين مكوناته السياسية والاجتماعية ، ولن يخيب رهانك مهما قست الأيام على العراق والعراقيين.

Print Friendly, PDF & Email
مشاركة

2 تعليقات

  1. خراب العراق حصل أولا على يدي القوميين العروبيين، قبل ان يتم على يد الطائفيين.

  2. بارك الله بك استاذ رحم الله العروبي الدكتور وميض نظمي كان المناضل المبدئي الذي لم يبدل مبادئه وجلده وقاوم اعداء العراق والامة وعملاءهم بكل ما استطاع من سبل متيسرة له .
    نرجوالله ان يصبر عايلة وأحبة الدكتور نظمي على فقدانه وانا لله وانا اليه راجعون.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here