حوار مع المخرجة ريما عاصي الرحباني: عاصي الرحباني … شغف تحدّى المرض والحرب والزمن

rima-rahabani777

اجرى الحوار: علي شاكر

  • حضر سرا عرض مسرحية “المحطة” التي قدمتها فيروز على خشبة البيكاديللي

  • كان مؤمنا ومتأملا بأن “لبنانه” سيستطيع التغلّب على لبنان الحرب

  • فكرة الهجرة والرحيل لم تخطر على بال عاصي أو فيروز في أي لحظة، ولا حتى كاحتمال

  •  فيروز كانت تدهشه دائما بعطائها ، وهو ما كان يدفعه كي يعطي المزيد فيدخلان معا في حالة خلق مشترك ودوامة من الابداع لا تتوقف حتى صدور العمل

  • ألّف كثيرا من الأعمال التي صدرت بتواقيع آخرين

ما الذي يجعل بعض الفن آنيا، عابرا، وبعضه الآخر خالدا، متجددا، يستقطب الأجيال المتعاقبة من المتذوقين فتلتف حوله حتى بعد رحيل مبدعيه؟ الشريط المفاجأة الذي أطلقته المخرجة ريما الرحباني في ذكرى رحيل والدها الثلاثين لحفلة السيدة فيروز في الشارقة في نهاية السبعينات أثار في ذهني تساؤلات عديدة عن الكلاسيكية في الفن، ماهيتها واشتراطاتها … في تعليق صوتي لها في بداية ونهاية الشريط، تنوّه ريما، من خلال تجربتها الفنية والشخصية برفقة رمزين كبيرين هما عاصي وفيروز، أن العمل الفني، كي يبصر النور، ينبغي أن تتوفر له ظروف موائمة وممهدة لولادته، وهو أمر خارج عن أرادة المبدع في كثير من الأحيان

شريط ريما الرحباني عاد بي الى سنوات التسعينات، الى ليلة شتائية باردة في بغداد، أمضيتها مندسا في سريري، متدثرا بالأغطية، أحمل بيد مصباحا يعمل بالبطارية، فالكهرباء كانت مقطوعة بسبب الدمار الذي أصاب محطات التوليد خلال الحرب، وباليد الأخرى عددا من مجلة عربية لا أذكر اسمها الآن، عثرت عليه بالصدفة ووجدت فيه ملفا خاصا عن عاصي الرحباني، حياته وفنه ومسيرته الحافلة مع شقيقه منصور وفيروز التي مثّلت صورة وصوت ابداعه، استوقفتني بالتحديد مقولة له ناجى فيها الموت، أدهشتني، فالتأمل والغوص في معنى الوجود حال العديد من الموسيقيين والأدباء والرسامين العالميين الذين كنت متأثرا بهم … هل هو رديف العبقرية الفنية؟ تساءلت مع نفسي ليلتها

قررت أن أحمل فضولي وأسئلتي الكثيرة وأضعها بين يدي ريما فهي الأقدر على الإجابة عليها في ظل عزوف السيدة فيروز عن الحوارات، وان ظهرت استثنائيا قبل سنوات كي تتحدث عن المعلم ورفيق الدرب في التسجيلي الذي أعدته ابنتهما وحمل عنوان “كانت حكاية” … الردود وصلتني بعد أكثر من شهر فقد آثرت صاحبتها أن تعطي الموضوع حقه من البحث وأن تثري حوارنا بمعلومات مهمة عن والدها ومقتطفات من أقواله في أكثر من موضع (يحدّها قوسان لتمييزها عن سائر الأجوبة)

تم الحفاظ على صيغة الاجابات كما وردت من المخرجة الرحباني، المعروفة باستخدامها المحكية البيروتية في نتاجها النثري ومقالاتها وحواراتها الأخرى المنشورة وذلك لمواءمتها لأجواء الحديث —  باستثناء الأسئلة المتعلقة باصابة عاصي ورحلة تماثله للشفاء، حيث عادت ريما في أجوبتها الى ارشيفها من المراجع والتقارير الطبية توخيا للدقة، ولذلك فتلك الفقرات محصورة بين مزدوجين

أود أن أبدا حوارنا بالسؤال عن أمر لاحظته في شريطك الأخير الذي ظهر عاصي فيه وهو يشرف على مسار الحفل وتدريباته رغم اصابته السابقة، هل لك أن توضحي لنا كيف أثر وضعه الصحي على نشاطه وطبيعة نتاجه في تلك المرحلة؟

إسمح لي بما إنك سألتني هالسؤال جاوب بطريقة مفصّلة بالتواريخ والمراحل اللي مرق فيها حتّى جوابي يكون علمي ودقيق

التفاصيل مهمة بالتأكيد لفهم ما حدث وأبعاده، دعينا نعود الى يوم الحادثة، هل تمت استشارة أطباء أجانب في تشخيص الحالة؟

“في ٢٦ ايلول، ١٩٧٢ أصيب عاصي بِوَرَم دموي (هيماتوم) أي نزف في أنسجة الدماغ، في الجهة اليسرى مصدر الحركة والإدراك والكلام، إستُدعي أستاذ في جامعة الطب في مونبلييه منذ العام ١٩٥٢ ورئيس قسم جراحة الدماغ والنخاع الظهري، البروفسور لوغرو، فنشر إستدارة في مؤخّرة رأسه وسحب الدم المتجمّد الذي فوجئ بأن سماكته ست سنتمترات ونصف السنتي، كما فوجئ بأن دماغ عاصي الرحباني كان أكبر من أدمغة خمسة وخمسين مريضاً أجرى لهم عمليّات مماثلة في سائر أنحاء العالم، وكانت هذه العمليّة أدقّها وأخطرها على الإطلاق، قال البروفسور لوغرو بعد نجاح العمليّة أن كبر دماغ عاصي ساعد على تحمّله وطأة النزيف ومنع بالتالي حصول مضاعفات تمزّق في دماغه كانت ستؤدّي الى شلل وتخريب في سائر أعضائه، وأضاف أن الشفاء سَيَمُر بثلاث مراحل : الأولى تمتد ٣٦ ساعة وبعد إنقضاء هذه المدّة يزول نهائياً كل خطر على حياة المريض، في المرحلة الثانية سيكون التحسّن الصحّي لمدّة ٢١يوماً، وأمّا المرحلة الثالثة فهي الأطول وقد تمتد لبضعة أشهر، يستعيد المريض خلالها قدرته على المشي … أعلن لوغرو أن الأمل معقود على العبقريّة الخلّاقة لعاصي الرحباني فهي سلاح الدفاع الأكبر الذي من شأنه مساعدة خلايا الدماغ على التجدّد بسرعة، لكن السرعة في قاموس البروفسور لم تكن تعني أسبوعاً وأسبوعين، بل قد تمتد لأشهر”

كم مضى من الوقت قبل أن تلوح بوادر الشفاء عليه؟

“في الأوّل من تشرين أوّل، بدا الأطباء متفائلين كثيراً، خصوصاً وأن عاصي قام بتحريك كل أعضائه على الجهّتين اليُمنى واليُسرى، كما أنّه تعرّف على أصدقائه وإلتفت إلى الدكتور ألفرد شعراوي قائلاً بصوت خافت جداً: “شو بني؟” وكان ذلك دليلاً على تمام إدراكه … قال الدكتور شعراوي أن عاصي بدأ يتماثل للشفاء بسرعة دون أن يترك مرضه أي أثر سيّئ فيه، وهو ما وصفه الدكتور جدعون محاسب بأنّه “أعجوبة” لأن كثيراً من حالات الإصابة المماثلة كانت تقضي على سلامة التفكير لدى المصابين وتجعلهم في حالة ضياع مستمرّة، أي أنّهم كانوا ينجون من الموت ولكنّهم لا ينجون من الهبل أو الخرس، أمّا عاصي الرحباني فقد نجا من الإثنين وكان يقوم ببعض المجهود ممّا دل على أن حاستي الذاكرة والنطق اللتين أُصيبتا بصورة خاصة في الأصل قد سجّلتا تحسناً سريعاً ملموساً، العقدة كانت في لسانه الذي لم يكن ينفّذ الأوامر التي يُصدرها العقل إليه تماماً، قال الدكتور فريد أبو جودة بأن من يُصاب بما أُصيب به عاصي  وتُجرى له العمليّة الرهيبة التي أُجريَت له يُفترض فيه أن يفقد الوعي والسمع والبصر والحركة، بعبارة أوضح يصبح مصاباً بشلل نصفي، غير أن هذا الجبار كان يعي ويسمع ويبصر ويتحرك مثلي ومثلك، كانت معجزة، معجزة زائدة، معجزة خارقة”

ماذا كان رد فعل الطبيب الفرنسي حين علم بمقدار وسرعة التحسّن؟

“حين كتب الأطباء للدكتور غرو، يخبرونه بمراحل التطور التي مر بها عاصي، لم يصدّق وأجابهم بأن ذلك من الحالات النادرة التي عرفها حتى ذلك التاريخ وأنّ أحداً لا يصدق أنّه أصبح قادراً على المشي بعد العمليّة الخطيرة التي أجريت له والتي لا يتعافى منها تماماً إلا قلة فقط بينما خرج عاصي الرحباني من المستشفى بعد أقل من شهرين، مردّداً كثيراً من أحاديث الأطبّاء التي حفظها وهو في الحالة التي كانوا يظنّونه فيها بلا وعي، ما كان يزعج عاصي في ذلك الوقت هو عدم قدرته على لفظ كل الكلمات التي كانت تمر في ذهنه على الرغم من أن طاقته الفكرية وقواه الخلّاقة وذاكرته لم تتأثّر مُطلقاً.” …  في 10كانون أوّل، كانت فيروز ومنصور وبعض الأصدقاء يصغون إليه وهو يعزف على البزق لحن أغنية جديدة أعدّها لفيروز بعنوان “ليالي الشمال” حيث انساب اللحن الذي بدا حزيناً وشبيهاً بالأنشودة عبر أصابعه، كان يشغله كثيراً موضوع “المحطة” عمل الرحبانيين الجديد الذي كان سيقدّم في في شهر شباط القادم، هذه المسرحية كانت من أواخر الأعمال التي كتبها عاصي وأنهى جزءاً مهماً من تلحينها قبل إصابته، أمّا فيما يتعلق بالليالي اللبنانية في بعلبك، فقدقال عاصي لمنصور “لا تلحّن أُغنيات فيروز فيها، أُتركها لي، بعد شهر سأكون قادراً على كل شيء!”

فهل تمكّن بالفعل من استعادة لياقته الموسيقية؟

“في 18 كانون الثاني، ١٩٧٣ كان عاصي الرحباني قد استأنف النزول يوميّاً إلى مكتبه في شارع بدارو في بيروت … بقدر ما كان إنقاذ عاصي الرحباني علي يدي البوفسور الفرنسي كلود لوغرو معجزة أذهلت الكثيرين وأثلجت صدورهم، كانت عودته إلى التلحين قبل إنقضاء أربعة شهور على حادث النزيف المفاجئ الذي أصاب دماغه هي الأخرى معجزة لا يكاد يصدّقها عقل، فعلى الرغم من أنّه نَسي القراءة والكتابة إلا أنّه لم ينسَ التلحين مطلقاً، في يوم 12 آذار وقف البروفسور لوغرو مذهولاً عندما إلتقى عاصي في مستشفيات باريس، لم يعرفه في البداية، وعندما عرفه لم يصدّق أنّه هو وأطلق يديه في الفضاء، قائلاً بالفرنسية: معجزة، معجزة! صرّحت الدكتورة زبال فيما بعد “كان عاصي يخطّط لمساعدة نفسه أكثر ممّا خطّط الأطباء له فكان يقاوم المرض بقوّة وعناد حتى انتصر عليه، كان شجاعاً حتّى المغامرة، وكما صنع نفسه بنفسه في السابق، كان يجاهد لصنعها من جديد.” بعد عودته من باريس، أخذ البزق وراح يعد مفاجأة لفيروز تفتتح بها مهرجانات بعلبك كما أعد لها بعد عمليّته الأولى “ليالي الشمال””

هل حضر أيا من عروض  مسرحية “المحطة” التي قدمتها فيروز على خشبة البيكاديللي؟

“في يوم 29 آذار، جاء سرًّا لمشاهدة المسرحية وغادرها سرًّا أيضا، لكن لسانه فلت بالنقد والمشارعة البارع فيها والتي حافظ عليها كما حافظت العناية على صحّته، جلس في غرفة فيروز وعند رفع الستارة رافقه الدكتور اللبّان إلى غرفة المراقبة ومنها أخذ يشاهد العمل الذي خطّته ريشته قبل حصول الحادث، وبعد شهور قليلة، مع بداية تموز، كان يجلس مع بزقه، يدوزن لحناً لوديع الصافي وكان صوته يعلو أحياناً وهو يغنّي أغنية لبعلبك، أو يتوقّف فجأة ليستعيد أنفاس الأغنية وأنفاس البزق، تقدّم منصور نحوه كي يسأله عن لحن لموشح قديم كان يعدّه، فأجابه عاصي بضحكة : “الوقت طويل. غداً أنتهي منه” … تابع عاصي الرحباني إرشاداته وملاحظاته كل ليلة في مكتبه في بدارو حول “قصيدة حب” وعاد يسيطر ويقبض بيده على كل شيء من الإنتاج حتى الملابس، رأيه في الإخراج، في الرقص، في الضوء، كما كان في السابق وبقيت موسيقاه محور المهرجان، عدا عن حضوره في كل شاردة وواردة كمؤلّف وملحّن معاً”

(عاصي القوي البرّي المتحفّز إنتهى، حل محلّه عاصي الباحث عن نعمة الله في الهدوء والرقّة وفيض الحنان … لقد سقط العنفوان وحلّ مكانه الإستسلام الإلهي)

أمر آخر طالما حيّرني وذكرتني به ملاحظتك عن تمويل والدك السخي لمشروع شريطك الأول … شاع عن عاصي أنه كان مفاوضا عنيدا عند مناقشة البنود المادية في عقود الحفلات، قيل كذلك أنه كان يرفض تماما تقديم تنازلات، سؤالي هنا عن قيمة المال في حياة الرحباني الكبير ومفهومه عنه على المستوى الفني والشخصي

عاصي بيقول “مش ضروري المُمكن، ضروري الأحلى” وهالجملة بتختصر حياة عاصي الفنيّة والشخصيّة، المال ما كان يعنيلو شي بتاتاً ولا التمويل، ما كان يهمّو إلا فنّو وتوصيل أفكارو متل ما هوّي بدّو ياها وعدم التنازل عن قِيَمو الفنيّة، بس بنفس الوقت كان مؤمن بإنو الفن الحقيقي بيوصل للناس بحقيقتو وببساطتو وما مرّة إعتمد أو حب الإبهار بالفن، السخاء كان ع الفن نفسو مضموناً وتنفيذاً مش على الإبهار والصرف على الضخامة اللي لا تمُت للعمل بصلة … كان سخي كتير على فنّو وعلى كل الناس المحيطين فيه لدرجة لا توصف، ما بذكر يوم كان معو مصاري، اللي معو يصرفن وشي يحصل على غيرن يكون صرفن، ما يعدّ المصاري اللي معو، يشيل اللي بجيبتو ويعطي متلما كان يعطي بكل شي بلا حساب، كان كريم بكل شي، بالمال، بالأخلاق، بالمحبّة، بالعطاء، بالأعمال

(انا إبن حنّا عاصي، يعمل كل النهار وعشيّة ما بتلاقي قرش بجيبتو لأنو بيكون صرف كل اللي طلّعو بالنهار على أهلو وأصحابو وضيوفو … بيفكّروني مليونير، صحيح مليونير بالأعمال اللي بعملا وبفنّي وبإخلاصي لفنّي ولكنّي لا أملك من المال إلا ما سأكسبه من الإتفاقات على الأعمال القادمة، وبس تخلص الأعمال بكون صرفت اللي قبضتو، نحن وفرقتنا لا نتاجر بالفن، نصرف الثمانين لنحصل على مئة مقابل أن نقدّم عملا نظيفاً ولا نُجنّد فنًّا لتمجيد الأشخاص بل نمجّد قضيانا العادلة)

(معي ليرة ومديون على 25، لا راتب لي ولا أنتظر آواخر الشهور، أصرف عشرة بالمئة على أناقتي، أمزّقها كلها في كل سنة، أكتر مصاريفي على حفلات الغداء في المكتب وثمن بطاقات دعوة للحفلات)

في ظل حرب أهلية طاحنة، كيف تعاطى من بشّر بالحلم اللبناني مع مظاهر انهياره؟ كيف كان منظوره للأحداث المحيطة به؟ هل كان حزينا، محبطا، أم بقي متمسكا بالأمل حتى النهاية؟ هل راودته يوما فكرة الرحيل والهجرة؟

كان مؤمن أو متأمّل “لبنانو” يغلب ال”لبنان” اللي صار، والحرب أكيد إنّها وجّعتو كتير ودمّرتو، ما كان بدّو يصدّق إنو لبنان اللي غنّاه وحبّو وعطاه عمرو صار فيه اللي صار، مش ممكن كان يقدر يقبل كميّة الشر اللي عشناها، هوّي اللي بكل أعمالو حتّى الشرير ما كان قاصد الشر وفيما لو سبّب أذى بيكون سبّبو عن غير قصد، ودايماً الخير ينتصر ع الشر والجمال على البشاعة … أكيد إنّو كان حزين ومُحبط وخايف بس بنفس الوقت كان يضل متمسّك بالأمل وبإنو إلا ما الخير يرجع يغلب، يحكي ويقنع حالو لأنو دايماً بداخلو مؤمن إنّو الفرح لا شك آت، ومتفائل دايماً إنّو الطريق مضيء ومنير ودايماً رايحين للأحلى.

فكرة الرحيل أو الهجرة ولا لحظة مرقت لا ببالو ولا ببالنا، وكأنّها مش موجودة حتّى كإحتمال! حتّى إنّو نهرب من البيت لغير منطقة أو ع الملجأ ما كان وارد ولا موجود ولا عشناه، بقينا بالبيت خلال كل الحرب وإنصاب البيت مرّتين وكنّا فيه، تعلّقو الكبير وعشقو لبلدو وضيعتو إنطلياس وبيتو ما كان ممكن لحظة يورد ببالو يتركهن، هوّي إبن هالارض كيف ممكن يفكّر يتركها؟ أنا بحس في تشابه وتزامن بين إنهيار هالبلد وهالظاهرة الفنيّة … كأن مشيوا بخطّين متوازيين، وفل عاصي قبل الأسوأ

(كتبت عن التعلّق بالأرض والتشبّث بها، كيف سأذهب؟ جوّات نفسي عندي شعور إنّي بكون محمي أكتر لو بقيت بوطني وبضيعتي إنطلياس)

رغم حقيقة أنه صاحب المؤسسة وعرّابها، حرص عاصي منذ البداية على تلوين أعمال فيروز بأغان لسواه من الملحنين، الأمر الذي يثير تساؤلا عن حجم الأنا أو الذات في رحلة الكبيرين ومشروعهما

الأنا هيّي عدوّة أي تطوّر وعدوّة العطاء والجمال والصدق لهيك عاصي ما عرفها ابداً حتّى إنّو بمعظم أحاديثو ما منسمعا، دايماً منسمع النحن ولو كان مقصود فيها الأنا، كان يدوب بالآخرين وهاي قمّة التواضع والنُبل والكرم، كتير من الأعمال ألّفها وإنمضت بغير أسامي، ما كان يسأل، ما كان يهتم، كان بخدمة صوت فيروز ورسالتو الفنيّة ويطمح دايماً لتلوين وإغناء هالمسيرة بأرقى وأجمل الأعمال بغض النظر عن من وين أو من مين عم تصدر، المهم إنّها تكون الأحلى. كان مليان خلق، متل النبع الهادر اللي بيغزّي بِكَرَم كل السواقي وعارف إنّو بالنهاية كلُّن رح يصبّوا بالبحر الكبير … وجود فيروز بحياتو جعل من هالتجربة إنّها فعلاً تكون فريدة، عمليّة الخلق كتير مرّات كانت تكون متل المبارزة إذا فينا نقول والمشاركة بينو وبينها، ورغم إنّو بيعرف شو بتقدر تعطي، دايماً تدهشو بعطاءها، فيصير بدّو يعطي بعد أكتر ويدخلوا سوى بدوّامة إبداع ما بتخلص، في خلق مُشترك وحالة من التأليف الحَيْ لأنّها تكون عم تقول اللي عم يألّفو باللحظة وتزيد عليه وهوّي يعطي أكتر، وما توقف حالة هالخلق الدايم لوقت عرضو أو طرحو للناس

ليس خافيا تأثّر الأخوين رحباني بالتراتيل البيزنطية وهو ما نجد انعكاسه في العديد من الأعمال التي كتباها فيما بعد وغنتها السيدة فيروز، لكن عُرِف عن عاصي بالتحديد ميله الى البحث في الروحانيات والماورائيات … ما هو سر اهتمامه بذلك المجال وهل توصّل الى قناعات محددة حوله؟

من هوّي وزغير شاغلو الكون والماورائيات، من إيّام ما كانوا ولاد ويلعبو بالحراش لوقت ما فل من هالدني وهوّي بدّو يعرف، كان عم يتمرجح بين الإيمان والشك، بين الأمل والخوف، بس يغلبو الخوف كان يستسلم للإيمان، كان كتير الشك والقلق، دايماً مأخود بأشيا ما بيعرف شو هيّي، يتطلّع  لمكان مش موجود، لعالم آخر، لوطن أجمل من كل الأوطان، لناس أجمل من الناس، لمعنى خلف المعنى، الكل يتعبوا منّو قد ما بيسأل وبيشارع، ملقّب حالو “المشارعجي” وبدّو جواب ع كل شي والأجوبة اللي يحصل عليها ما تقنعو، يحسّا سهلة، في شي أبعد من هيك أو أعمق من هيك، كان دايماً عم يفتّش وكأنّو الجواب إذا لاقاه ما رح يلاقيه إلا جوّاتو، وما في جواب نهائي طالما كل يوم في معرفة جديدة … بعد الحادثة اللي صارت معو، صار يتعمّق بهالامور أكتر وصار يخصّصلها وقت أكبر وجلسات نقاش ومجادلة بشكل مُنتظم ويطّلع على آخر الإكتشافات والنظريّات والعلوم، جلسات كان يسمّيهن “المُختبر” يضمّوا الرفقة من شتّى الإختصاصات، وبنفس الوقت، ولو بقي مأخود بسر الأشيا، إيمانو كبر أكتر

(بدنا نعرف سر الإشيا، معنى الإشيا، شو اللي مخبّى شو اللي بهالعتمة بيرفرف، بدنا نعرف نحنا جينا تنعرف … مُنذ صِغري، كنت أفكّر في هذه الأمور، مع الوقت، صرت أتَمَرجح بين الشك والإيمان، لكنّني كُنت أُقنِع نفْسي بأنّي مُؤمِن، كان عندي كما عند جميع الناس هَرَب، كُنت أهرب الى واقع آخر فالإيمان الحقيقي لا يَعرِفه كل إنسان بهذه السُهولة، مُتوصّلاً الى عُمقه، هناك حزن عميق يشبه البكاء ينبع من الداخل ولا يستطيع أحد أن يبلغ سرّه، واستعداد للبكاء أمام الجمال وتمجيداً للذي خلق، نملك قلق غيبياً لا نعرف مصدره منذ الطفولة ويكبر معنا ويلازمنا ويصبح جزءاً منّا ويشاركنا في جميع أعمالنا)

(اليوم، عُدت من جديد، وكل ما عندي جديد، وصار له مفهوم آخر حتّى شكّي وهو شكٌّ جديد، صار مُتعباً أكثر من الشك الماضي، وإيماني الجديد مُتعب أكثر من إيماني الماضي)

(من منكم بلا خوف فليرجمني بحجر! الإنسان خائف بطبيعته، كنت أتجاهل الخوف وأتمرّد عليه وسقطت ضحيّته فإعتبرت من الماضي، لذا تراني مرتدياً ثياب الخوف)

(مش ممكن الإشيا تكون بالكون عن عبث … أنا يمرجحني الشك وشيئًا فشيئًا أقترب الى الإيمان)

(صلوات الناس أنقذتني، إصابتي كانت أخطر إصابة، ولكن صلوات الناس أدخلت المعجزة على يدي البروفسور لوغرو … هل تؤمن بالله؟ إذا يجب أن تؤمن بصلوات الناس التي تستجاب عند الله، وخاصة إذا انطلقت من صدور غرباء لا تعرفهم ولا يعرفونك)

بين ضغوط مهام الشخصية البطريركية التي كان يلعبها فنيا وعائليا وابداعه الغزير على مستوى التأليف الشعري والموسيقي والمسرحي واشرافه على أدق تفاصيل الإنتاج والحفلات … أي هامش كان يتبقى له للترويح عن النفس والاسترخاء؟ ما الذي كان يمد عاصي بتلك الطاقة الهائلة؟

ما كان عندو وقت لحالو ابداً، دايماً مأخود بشي، موجود ومش موجود، مسكون بالقلق والخلْق وقدر يحوّل قلقو لإبداع، خَلَق الجمال من العدم وكان حريص على إنّو يوصّل العمل للكمال، الفن عندو هوّي إبن الصعوبة، وإبن الوعي، وبدّو ترِهْبُن أي تنسُّك، أنت وقاعد معو يكون عم يحكيك ويجادلك ويناقشك، ويكون في جوّاتو عاصي تاني عم يلحّن ويألّف، يلحّن هوّي وعم يحكي مع الناس، يلحّن هوّي وعم ياكل، يلحّن هوّي وقاعد، هوّي وواقف، هوّي ونايم، ما قعد دقيقة بيدون خلق وتأليف وشغل، ويدير تمارين وبروفات وتسجيل وتصوير وإذاعة وإنتاج وتحضير، ما يرتاح من قلقو الدايم إلا لمّا يكون عم يألف أو يجادل لينسى، ولو موقتاً، الهدير المتصاعد اللي جوّاتو … الترويح عن النفس كان العمل نفسو وهيدي الطاقة الهائلة اللي كانت تنبع منّو هيّي اللي كانت تمد حالا بالطاقة، ما بعتقد برّات الخَلْق كان في شي بيهمّو أو بيعنيلو، ندر حالو للفن وللعطاء ولإسعاد الآخرين، من الناس وللناس، يعطيهن تيسعدوا حب وإخلاص وإيمان بفنّو ولفنّو، وبفيروز ولفيروز

(لا أستطيع أن أعيش دقيقة واحدة بلا تلحين وعطاء)

أين كان شغف عاصي الرحباني الحقيقي ضمن الألوان الموسيقية الكثيرة التي تنقّل بينها ابداعه من فولكلور محلي وكلاسيكيات أوروبية وموشّحات أندلسية ولوحات مسرحية؟ أيها كانت بمثابة الواحة التي يشده الحنين دائما لزيارتها؟ وما قصة تعلّقه بآلة البزق؟

كان يعتقد إنّو نِص الأعمال اللي عملها بيقدر يكبّا، هلقد كان مليان خَلْق وإبداع وغزارة إنتاج إنّو ما كان يلتِفِت لورا أبداً، دايماً في إشيا جايي وأكيد إنّها أحلى … فعلاً عاصي فريد من نوعو، ما حدا قدر حتى يشبهو ، ومش اللون اللي كان يلِفتو بقدر ما العمل نفسو، جمال العمل، بغض النظر عن تصنيفو،بالموسيقى يهمّو النغمة الأساسيّة مش التوزيع، البساطة بالكلمة وبالنغمة وبالإخراج وبالأداء، الإشيا الحقيقية والصادقة بتعبّر عن نفس مبتكرها، أمّا بالنسبة للبزق، فجِدّي لبيّي كان يعزف ع البزق وهوّي اللي علّم بيّي البزق، أكيد هاي إلها تأثير، كان متعلّق بالبزق ويحبّو كتير، يحسّو حزين وحقيقي، يمكن لأنّو بيشبهو! بالنسبة إلي “بزق” مرادف عاصي، كان يحبّني إتعلّم بزق، يضل يقلّي شو حلو لو بتصيري تعزفي عالبزق، وحاول هوّي يعلّمني، بس الوقت سبقنا وما تحقّقت هالأمنية

(الأعمال ما بتِتقَيّم إلاّ ما واحد يِبعُد عنّا شوَي بالزمان، وما زالني أنا اليوم في دوّامتا، ما بقدر فاضِلّك بين أشياء وأشياء، الحقيقة بِعتقد إنو سِلسِلة بِتكَمّل بعضا، أنا ضد تصنيف الأشياء بمدارس معيّنة وبعدين واحد يحبّها … الموسيقى لا يمكن وضعها في نطاق المنطق لأنها شيء تجريدي مطلق والأعمال الفنّية تولد أولاً وبعد ذلك يولد التفلسف عليها)

.

(الفن لا يلغي الفن، دائما تولد الأشياء الجميلة والتطوّر مستمر، الحياة لا يمكن أن تعود الى الوراء … الفنان كالفراشة يتصيّد الجمال، بحب الشِعر الحلو اللي فيه جمال)

(تأثّرنا بكل التراث الموسيقي اللبناني الشعبي والعربي عامة والعالمي، وحاولنا أن نبني شخصيّة خاصة من ذلك، لا يمكن لأي إنسان أن يكون مقطوعاً من لا شيء فهو إبن النهر الأزلي الذي إسمه الشعب)

عُرِف عنه انضباطه الشديد وصرامته في التدريبات سعيا وراء الاتقان، الأمر الذي لم يستثن حتى ملهمته فيروز، لكن على المستوى العائلي، هل لك أن تطلعينا على بعض ملامح عاصي الأب، هل كان مرحا، كيف كان يلاعب أطفاله مثلا؟

مرح ومحب وكريم، في جوّاتو طفل ما كبر أبداً، يعطي ثقة بالنفس ويشجّعنا ع الإختيار ويحمّلنا المسؤوليّة، يحكينا ويناقشنا ويجادلنا وياخد آراءنا بالأعمال ويخلّينا نتّكل ع حالنا من نحنا وزغار ولِعَبنا كانت قعدات تأليف قرادة — زجل شعبي — ضد بعضنا، دايماً يشجعنا ع التأليف والتصوير وكل أشكال الفن بيدون تدخّل، بس علّمنا ننتقد حالنا ونكون قاسيين بالنقد ودايماً بالتفتيش ع الأحلى. يسمع ويشوف ويفرح فينا … كان يوزّع فرح وهوّي حزين، يعطي الكل ثقة ودعم وقوّة وهوّي خايف وقَلِق، كان هوّي حَيْطنا، حيط الكل، ولَوْ إنّو الحَيْط خايف، ولأنّو طلع من الفقر ومن المسؤوليّة المُبكّرة عن بيتو وإخوتو كون بيّو توفى بكّير، كان يحب كل اللي حواليه يكونوا مرتاحين وما يحسّو بنقص أي شي ويفرحوا، من إخوتو لولاد إخوتو لإلنا لكتير ناس حواليه، وعندو مبادئ وعلّمنا ياها، يحب هوّي دايماً يكون العازم ومُوزّع الفرح، كان طفل كبير، يحب الألوان الزاهية والزاهرة والمنعشة، الأصفر، الأحمر الأزرق والأخضر يعطوه تفاؤل وفرح، يحب المشاركة بالأشيا وإعطاء أهميّة لأزغر الناس، ما كان عمري ٦ سنين يعيّطلي تنقّيلو كرافات يلبسها أو تنقّيلو كنزة يشتريها، يسمّعني من الأعمال ويشوف ردّة فعلي ويسمع شو رأيي، بإستمرار يهدي ولاد العيلة كلا الألعاب، يحب الفرح بعيونن ويهدي إخوتو وأصحابو ومعارفو تياب، كان متل بابا نويل ع مدار السنة مش بس ع الميلاد

(أعرف ان الألعاب تجلب السعادة للأولاد، في أجمل من رؤية الفرح في عيون الأطفال؟)

(العلاقات الإجتماعيّة تخرّب الإنسان وتذهب بطفولته ونقائه، وإن بقي بعيداً يصبح في غربة عن وقته)

هل كان عاصي الرحباني يحلم بمشروع ما عند رحيله؟

عاصي ما توقّف دقيقة عن العطاء ولا عن الحلم … كان في مشاريع كتيرة ناطرة تصير، ورفوف مليانة دفاتر بخطّو الزغير الأخضر أو الأزرق

(ما بعتقد إنّو بالفن في وصول، في مَشي، بدّو يضل يمشي الواحد، وهالدَرب اللي هيّي ما إلها آخِر هيّي بالواقع درب الحلم، لأن بيضَل يِحلَم الإنسان يلاقي إشيا جديدة ع الطريق وبيعرف إنو مش رح يوصل لنِقطة مَسدُودة، ولهالسبب، الأمنية دايماً، إنو يضل يمشي الإنسان … يضل يقدر يمشي لقدّام)

هل في نيتك أو في نية السيدة فيروز اصدار سيرته الكاملة في كتاب أو ربما فيلم تسجيلي ثان؟

أنا صرت أكيدة إنّو الإشيا ما بتصير إلا بوقتا، وإذا إنكتبلا تصير. دايماً الإشيا اللي بتخطّطلا ما بتصير، وإشيا تانية ولا بتكون خاطرتلك ما بتلاقيها إلا عم تدلّك ع حالا وتصير، لهيك ما عدت خطّط أو فكّر سلف باللي بدّي أعملو … اللي رح يصير، بوقتو، إذا إجا وقتو، بيصير!

مهندس معماري وكاتب عراقي/ نيوزلندي، مؤلف رواية “كافيه فيروز”

Print Friendly, PDF & Email
مشاركة

2 تعليقات

  1. لا، لم يكن الرحباني بخدمة صوت فيروز. كان صوت فيروز )و غيرها( بخدمة عاصي رحباني.

  2. انا وضحى من حيفا قد قرأت المقال من اول حرف للأخر تأثرت كثيراً على ما اعطى عاصي للبنان وللفسطينين لولا الاخوين رحباني وفيروز ما عُرفت قضية فلسظين بحق اما اليوم فقد كثر المزاودين على القضية الفلسطينية وتحريره من براثن الاحتلال وحق العودة وحق المهجرين والقانون الطبقي ،انا بنت ٥٩ عاما اما لاربعة ابناء تربيت على اغاني فيروز وبلاد الشام وهكذا ربيت ابنائي وخسارة ان اسمع عن عاصي هذه الامور المحزنة وانه لم يحصل على العز في الحياة شكراً للسيدة ريما الا كان أجدر ان يكون المحاور من لبنان لكن لا نبياً في وطنه شكراٍ للسيد شاكر على لفتته

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here