سعيد ملوكي: لماذا انحرف قطار الثورات عن السكة؟

 سعيد ملوكي

حلت ذكرى الربيع العربي يوم 15 يناير و الآراء لازالت منقسمة في وصف ما حدث على طول الجغرافية العربية، فهناك من يتشبث بتسمية الثورات العربية بالربيع العربي، وهناك من يصفها بالخريف العربي، وهذا الارتباك والتذبذب راجع إلى عدم وجود دراسات وتحاليل موضوعية وعلمية تُلقي الأضواء على ما وقع ويقع في الوطن العربي.

إن الأحداث التي عاشها العالم العربي هي بمثابة زلزال مباغت حطم كثيرا من قلاع الاستبداد ولحق أضرارا بأوطان، وكأي زلزال قوي تكون ضريبته باهظة يؤديها المواطنون. ومما ساهم أيضا في تأزم الوضع دخول سماسرة الدمار واللصوص إلى مكان الزلزال لسرقة ما يمكن سرقته ومحاولة استغلال الأحداث لتحقيق مآربهم.

لقد جاءت الثورات العربية نتيجة الفقر وانسداد الأفق وتهميش شريحة واسعة من المجتمع ونتيجة لمحاولات التشبث عبثا بكرسي الحكم وتحويل الجمهوريات إلى جمهوريات متوارثة. وقد بلغت الأوضاع مرحلة من الفساد لا تطاق.

إن الانفجار الذي وقع جاء مباغتا وعفويا، ساهم في إنجازه شباب غير منتم لأي حزب أو قوى. فأنظمة الاستبداد حاربت جميع القوى الوطنية ودَجَّنتْ البعض منها، وبقيت القوى الإسلامية محافظة على تماسكها ومنتهجة سياسة شعرة معاوية مع أنظمة الاستبداد، وكقوى مؤطرة تأطيرا جيدا، اكتسحت الساحة وجنت ثمار الثورات نظرا لفراغ الساحة السياسية من القوى العلمانية والليبرالية.

إن الثورات التي قادها شبان متنورون حاملون لشعارات الديمقراطية والحرية والذين قدموا تضحيات كبيرة، لم يكن لديهم نفس طويل، فبمجرد الوصول إلى آخر المحطة، سلموا زمام الأمور إلى قوى ركبت موجة الثورات، فزاغ القطار عن السكة.

إن الثورات العربية كانت تحمل في طياتها أسباب الفشل نظرا لعدم وجود من منظمات قادرة على ترجمة الشعارات التي رُفِعَتْ، وانعدام رؤى واضحة للمستقبل.

هذه الأسباب الداخلية أدت إلى تحريف الثورات العربية، إلا أن هناك أسباب خارجية ساهمت كذلك في إفشالها، فلقد اجتمعت القوى المضادة للثورات العربية مع القوى الأجنبية لمصادرة آمال الشعوب وتحطيم إرادتها. إن التسونامي الذي ضرب الجغرافية العربية أفزع النخب الحاكمة والدول الكبرى الاحتكارية والتي لا يمكن لها بتاتا أن تسمح بمس مصالحها. فإبان الثورات صرح منظر السياسات الغربية الوزير الأول الإنجليزي السابق طوني بلير بأنه يجب التحكم في مسار هذه الثورات.

فكيف يفسر هبوب رياح الديمقراطية على كل شعوب العالم إلا المنطقة العربية؟ وبماذا يفسر سكوت الدول الغربية الرافعة لراية الديمقراطية وحقوق الإنسان على الأنظمة الاستبدادية والتعامل معها؟ إن الجواب يأتي على لسان العالم اللساني والأنتربولوجي، نعوم شومسكي الذي صرح بأن الذي تخشاه الولايات المتحدة هو هبوب رياح الديمقراطية على البلدان العربية. أن تكون الشعوب العربية سيدة لقراراتها، فذلك ما لا يقبله الغرب أبدا.

إن العالم العربي يعيش في مأساة وكأن الخطاب الموجه إليه يقول: إما الاستسلام أو الدمار. ولكن مهما كانت نتائج الربيع العربي، فإن الساحة العربية تعرف أحداثا متسارعة وفجائية، أحداثا خطيرة، صنعتها منظمات إرهابية. إن الربيع العربي كان فرصة سانحة للنخب الحاكمة لترميم ما يمكن ترميمه وإصلاح ما يمكن إصلاحه واتخاذ خطوات في اتجاه الديمقراطية وإشراك الشعوب في اتخاذ القرارات. ولكن بدل التجاوب مع تطلعات الشعوب تم الالتفاف على هذه المطالب.

إن عجلة التاريخ تدور ولا يمكن إرجاعها إلى الوراء، ولا يمكن مواجهة التهديدات التي تتربص بالوطن العربي إلا بالاعتناء بالإنسان العربي وفتح باب الأمل أمامه. وطريق سيار مفتوح من وجدة إلى جدة سيغير وجه العالم العربي.

Print Friendly, PDF & Email
مشاركة
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here