اليمين الفلسطيني والثنائيات الجديدة!

haidar_eid_ed_0

 

حيدر عيد

تفاقمت أزمة اليمين الفلسطيني، بجناحيه الديني والعلماني، بشكل واضح في المرحلة الأخيرة بسبب غياب رؤية استراتيجية واضحة للتحرير، وعدم وجود فهم واضح لمفهوم التكتيك الذي يجب اتباعه من قبل حركات التحرر الوطني، والخلط بينه وبين الإستراتيجي. وبغض النظر عن المُسبب لحالة الإنقسام على 22% من فلسطين (الضفة وغزة) والدور الذي سُمِح للولايات المتحدة، بالشراكة مع إسرائيل وبعض الأنظمة العربية البائدة بلعبه، في تأجيج حالة (الصراع) الداخلي، إلا أن الواقع يشير الى أزمة عميقة يعاني منها اليمين، بجناحيه، نهجاً وممارسةً!

ومن الخطأ المنهجي إرجاع هذه الأزمة الى عام 2007 فقط، حيث تم حسم المعركة لصالح الجناح الديني وإقصاء الجناح العلماني عن السلطة في قطاع غزة نتيجة رفض الأخير قبول نتائج انتخابات 2006. تلك الانتخابات التي كرست ثقافة أوسلوالسياسية من خلال مشاركة الفصائل المعارضة لنهج المفاوضات الأوسلوي وما أنتجته من عملية سياسية منافية للحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني من عودة وتقرير مصير، والسماح للإحتلال، مدعوماُ من قبل الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي، بخلق انطباع جديد عن (الصراع) الذي يمكن إيجاد حل له عبر (حوار ومفاوضات) قد تستمر الى ما لا نهاية وأن أساس القضية هوسيكولوجي نايع من (عدم تفاهم  عدموقدرة على الحوار!). ومع النجاح في توريط اليسار واليمين الديني بدخول العملية السياسية السائدة في المنطقة من خلال إندماجهما في أفرازات إتفاقية أوسلومن مؤسسات تنفذية وتشريعية،وبالتالي تحييدهما، فإن الخيار الوحيد المتبقي لهما هوما تم طرحه من قبل اليمين العلماني من حل الدولتين العنصري، مع دفع حق العودة الى قاع المطالب الوطنية، وليصبح البرنامج الوطني الفلسطيني (المُجمع عليه) هوإقامة بانتوستان (معزل عرقي) على جزء من أرض فلسطين لا يتعدى ال 22% من مساحتها.

الخطر الكامن في هذا الطرح هوأنه يتعارض مع حق تقرير المصير الذي كفلته الشرعية الدولية والذي ينص صراحةً على حق عودة ملايين اللاجئن وتعويضهم. ناهيك عن الخطر الوجودي الذي يهدد مواطني دولة إسرائيل الفلسطينيين الذين يتعرضون لنظام فصل عنصري (أبارتهيد) يتعارض مع قرارات الأمم المتحدة التي اعتبرته (جريمة ضد الإنسانية). وبالتالي فإن حديث الطرفين، ومعهما اليسار الستاليني، عن (الإنقسام بين شطري الوطن) يعبر بشكل عميق عن مدى الأزمة الفكرية التي يعانيان منها وإهمالهما، بسبب سيطرة نهج أوسلو، لباقي الوطن. أصبح الآن الوطن يتكون من شطرين هما الضفة الغربية وقطاع غزة! وبالتالي فإن علاقة سكان الضفة وغزة مع لاجئي الشتات وسكان ال48 أصبحت علاقة تضامن، وليست نضال مشترك!

الأزمة التي خلقها اليمين العلماني، وبَلعَها الجناح الديني بطريقة مختلفة مغلفة بتبريرات دينية، تكمن في الوقوع في شباك برنامج (اليسار الصهيوني) الذي أعلن استعداده لقبول دويلة فلسطينية، مع العمل على (إيجاد حل عادل لقضية اللاجئين!) فمن ناحية، قبلت قيادة منظمة التحرير بهذا الطرح من خلال الموافقة على ما سمي (البرنامج المرحلي) المليء بالتناقضات حيث ينص على حق الشعب الفلسطين في العودة، وتقرير المصير، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة التي تم الموافقة على أن تكون على حدود 67! والتناقض الواضح يكمن في أنه في الوقت الذي ينص البرنامج المرحلي على الحق في تقرير المصير فإنه يحدد الأفق التحرري باقامة دولة على حدود 67 مع عدم ذكر حقوق مواطني إسرائيل الفلسطينيين! وبالتالي فإن  البرنامج يمكن أن يُفسَّر على أنه ينص على حق تقرير المصير لسكان الضفة الغربية وقطاع غزة فقط! وهذا بالضبط ما فعلته إتفاقيات اوسلوسيئة الصيت.

ولا شك أن مشاركة اليمين الديني الفائز في انتخابات 2006 وتبنيه لهذا الطرح، وصبغه بلغة جديدة عن (هدنة طويلة الأمد)، قد لعبت دوراً كبيراً في تصغير تعريف الشعب الفلسطيني الى الذين يقطنون داخل حدود 67. من الطبيعي أن يتم المرور على حقوق المكونين الأخرين، من لاجئين وسكان 48، ولكنهم، في هذا السياق الجديد، لا يشكلون جزءاُ رئيسياً من خطاب اليمين السياسي.

وهذا بالضرورة كان سيؤدي الى ما وصلنا إليه من وضع راهن، من صراع على كعكة السلطة بين جناحي اليمين، ووقوف (اليسار) متفرجاُ في بعض الأحيان، ومؤيداً لليمين العلماني في أحيان أخرى بسبب المصالح المتشابكة. أصبح الفلسطيني يُعرَّف (على الهوية الفصائلية!) ومن خلال ثنائيات جديدة بغيضة: الضفة-القطاع، رام الله-غزة، فتح-حماس، علماني-ديني، شرعية-انقلاب، هدنة-تنسيق أمني، صوارخ (عبثية)-مفاوضات (عبثية!)…الخ وأدت هذه الثنائيات الى شرخ عمودي وأفقي في المجتمع الفلسطيني يتحمل الطرفان المسئولية عنه، وإن كان بدرجات متفاوتة. ويكمن الخطر الشديد في خلق هويتين جديديتين: الفلسطيني الضفاوي والفلسطيني الغزي!

وهذا بالضبط ما يمكن إعتباره نتيجة حتمية لأزمة اليمين الفلسطيني، في ظل غياب بديل جدي، وفي ظل تعنت أيديولوجي ضيق لا يرى الوطن إلا من من منظور فصائلي. وانعكست هذه الأزمة على الطريقة التي يقوم كلاً من الجناحين بتطبيقها في حكم الجزئين الذين يتحكمان بهما، وإن كانت تلك السلطة تحت حراب الإحتلال! فقد أصبح الطرفان يعانيان من شيزوفرينيا سياسية كاريكاتورية. فأحدهما يصر على حق المقاومة، ولكن من منظورٍ واحد لا يأخذ الأشكال المتعددة الإبداعية الأخرى للمقاومة بعين الإعتبار. فيتم السماح، على صعيد المثال،  لمنظمات تطبيعية بالعمل بأريحية، والموافقة على إقامة حفل موسيقي لمايستروإسرائيلي، والتعدي على وفود ثقافية عربية جاءت لكسر الحصار. وعلى الطرف الآخر يتم التنكر لحق العودة على لسان قيادات، ويستمر التنسيق الأمني بشكل غير مسبوق، وتوفير غطاء للعديد من الشخصيات المطبعة، وا تخاذ قرار فردي بالعودة الى طاولة المفاوضات العبثية على الرغم من استمرار اسرائيل بتوسيع مستوطناتها في الضفة المحتلة وعدم استعدادها للقبول مبدئياً حتي بحل الدولتين العنصري.

وتكمن العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية على أجندة أولويات كلا الفريقين. فالعلماني نجح في كسر العزلة التي فرضتها عليه أمريكا وأصبح مرحباً به في البيت الأبيض فور اعترافه باسرائيل، وتوقيعه اتفاقيات لا تنص على عودة اللاجئين وولا تشترط إزالة المستوطناتوأوحتى اطلاق سراح كل الأسرى. والديني بادر بإرسال أكثر من رسالة الى البيت الأبيض يؤكد تبنيه لخيار الدولتين، بدون الاعتراف باسرائيل(!)  مع هدنة طويلة الأمد لمدة 20 عاما.  وعلى اللاجئين أن ينتظروا 20 سنة حتى تتغير موازين القوى، وعلى فلسطينيي إسرائيل أن يقبلوا بالتفرقة العنصرية التي تمارس ضدهم حتى ذلك الوقت!

إذاً قبل الجناحان حل الدولتين، واختلفا على من يحكم الدويلة العتيدة قبل أن تقام! وتم تقديم نموذجين في الحكم لما يمكن أن يكون المعزل الذي سيسمى (فلسطين). نموذج (علماني ليبرالي) يعتمد اقتصاده على معونات غربية وعربية، ويتبع روشتة البنك الدولي، يتحكم به طبقة ريعية، قد تُعَّرف على أنها طفيلية، تستفيد من نموالإستهلاك مع غياب كامل للانتاج،مع تحكم  أجهزة أمنية عديدة به تمارس التنسيق الأمني مع اسرائيل تخت اشراف جنرال أمريكي. وعلى الطرف الآخر، نموذج ديني يعتمد إقتصاده على إحسان وصدقات من العالم الإسلامي، وبروز طبقة، أيضاً ريعية، ولكنها تقوم على أساس احتكار المواد المستوردة، بعد اغلاق الأنفاق، ومواد البناء والصرافة! في كلا الحالتين، اقتصاد غير انتاجي  تتحكم به أقلية، طفيلية أحياناً، وعلى علاقة بمراكز الحكم ، ولكنه اقتصاد، في المحصلة النهائية، محاصر من قبل اسرائيل! ومن الواضح غياب مفهوم العدالة الإجتماعية بشكل كامل من كلا البرنامجين!

يقول الشاعر الكبير مريد البرغوثي في رسالة موجهة للطرفين على صفحة الفيس بوك:

  “لا تلوموا من يضعكم في سلة واحدة ولا تنهمكوا في سوق الأدلة على نقاط الاختلاف بينكم في السياسة والتاريخ. فقد وفقكم الله في طمس كل الفروق أومعظمها في أقل مما توقعنا من وقت…. تقولون “حكومتنا” فتمر الكلمة منزوعة المعنى والدسم فأنتم أول من يعلم أن الحكومة الوحيدة القائمة، والفاعلة والمسموح بها في فلسطين هي حكومة الاحتلال، تأذن بحركتكم أوتمنعها، تفتح الحدود أوتغلقها، تدفع مستحقاتكم أولا تدفعها وتختم جوازات سفركم أولا تختمها!”

العامل المشترك أيضاً بين الجناحين أنهما في الوقت الراهن يعيشان وهم الإستقلال وإن كان على حساب التحرير. فالأخير مرتبط بمفهوم تقرير المصير على أساس حقوق مكفولة حتى في إطار القانون الدولي. الغريب أن برنامج اليمين السياسي حالياً اقل من سقف ما تكفله هذه الشرعية الدولية! فالأخيرة تعترف بالحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني بمكوناته الثلات: انسحاب من الأراضي العربية المحتلة، عودة الجئين الفلسطينيين تبعأ لقرار الأمم المتحدة 194، أنهاء السياسات العنصرية المطبقة ضد سكان 48 على أساس أن الأبارتهيد جريمة ضد الانسانية. هذا هوالبديل لبرنامجي اليمين من حيث أنه يركز على حقوق ثابتة لا تجزئ الشعب الفلسطيني ولا يتعامل مع مكون  سكاني على حساب الآخر. إنه بديل، بل نقيض لحل الدولتين/السجنين العنصري بامتياز، والذي يتناقض جذرياً مع برنامج التحرير الذي يبدأ بتحرير العقل الفلسطيني.

 ولا شك أنه لا يوجد رؤيا لدى الجناحين في الوضع الراهن للقيام بمبادرةٍ مقاوِمةٍ خلاقة.  فأحدهما وضع كل جهده في تقديم طلب للجمعية العمومية للأمم المتحدة لقبول فلسطين كدولة غير عضو، وتم التهليل لهذه الخطوة على أنها المفتاح السحري لدويلة لن تقام قريباً لسبب واضح الا وهوأن اسرائيل قد قتلت هذا الحل وبلا رجعة من خلال بناء المزيد من المستوطنات وتوسيع الموجودة منها لتصبح مدناً تضم مئات الإلاف من السكان! بل أن عدد المستوطنين تخطى النصف مليون. وقامت اسرائيل ببناء جدار فصل عنصري التهم ما تبقى من الأرض. بمعنى آخر،فإن الذهاب الى الامم المتحدة للحصول على اعتراف بدولة فلسطين كعضوغير كامل العضوية فيها، كان يهدف أساساً الى تحقيق ‘انجاز’ ما في مقابل ملف كبير من اخفاقات وفشل اليمين العلماني في إنجاز ما وعد به من حل الدولتين. وقد انخفض سقف توقعات هذا الجناح حيث قبل بالعودة لمفاوضات عبثية صرح أقطابه أكثر من مرة أنها غير مجدية في “اقناع” اسرائيل تقديم أي تنازلات.

أما الجناح الآخر فقد رضي بوظيفة كبير المساجين الذي يحافظ على النظام ويضمن أن للمقاومة مفهوم واحد لا يخرج الا من تحت عباءته، ويتم المحافظة عليه من خلال إما تهدئة، أحياناً، أووقف اطلاق نار ، أحياناً أخرى، وكأن هناك جيشين متساويين على خط إطلاق النار! وأصبح الهدف هوالحصول على اعتراف بكينونته من قبل ما يسميه “بالعالم”، أو”المجتمع الدولي” الذي يُعًّرِفَه على أنه البيت الأبيض والاتحاد الاوروبي..ولكن ، عكس التوقعات، صاحب ذلك تشدداً وغلواً أيديولوجياً داخلياً من خلال تطبيق قوانين تحد من الحريات الإجتماعية  الفردية والعامة، ولكن بدون سنِّها!

في كلا الحالتين يصبح الحفاظ على الوجود السياسي في غاية الأهمية، بل أولوية وجودية. وتصبح جدلية الوطن-الفصيل مشوَّشة، بالضبط كما كان يتم الخلط بين الرئيس والوطن في بلدان ما قبل الربيع العربي!

Print Friendly, PDF & Email
مشاركة

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here