من نحن.. ولماذا أصدرنا هذه الصحيفة؟

عبد الباري عطوان

بدأت فكرة هذه الصحيفة الالكترونية تتبلور وتترسخ في ذهني في الاعوام الاخيرة من رئاستي لمجلس ادارة تحرير صحيفة “القدس العربي”، حيث ادركت، وبالارقام، ان اكثر من 95 بالمئة من قرائها المنتشرين في اكثر من 208 دول وكيانات على طول العالم وعرضه، يتابعونها عبر شبكة الانترنت، ووسائط الاتصال الاجتماعي الاخرى مثل “فيسبوك” و”تويتر”، وان معظم ميزانية الصحيفة تذهب للخمسة في المئة الذين يقرؤونها مطبوعة.

مع تعاظم الديون والضغوط المترتبة عليها، كان لا بد من التفكير بطريقة مختلفة، ومجاراة العصر ومتطلباته، والسير على نهج مطبوعات عريقة مثل “نيوزويك” و”كريستيان ساينس مونيتور”، هجرت الورق تحت ضغط العجوزات في الميزانية وتضاؤل الاعلانات والقراء معا، والاتجاه الى النشر الالكتروني، حيث لا تكاليف مطابع او شحن او اجرة مقر، وقرطاسية وفاتورة هاتف وغيرها والقائمة تطول.

سياستنا في هذه الصحيفة“رأي اليوم”، ان نكون مستقلين في زمن الاستقطابات الصحافية والاعلامية الصاخب، واول عناوين هذا الاستقلال هو تقليص المصاريف والنفقات، والتمسك بالمهنية العالية، والوقوف على مسافة واحدة من الجميع بقدر الامكان، والانحياز الى القارئ فقط واملاءاته، فنحن في منطقة ملتهبة، تخرج من حرب لتقع في اخرى، في ظل خطف لثورات الامل في التغيير الديمقراطي من قبل ثورات مضادة اعادت عقارب الساعة الى الوراء للأسف.

اخترنا اسم الصحيفة الذي يركز على “الرأي” ليس “تقليلا” من اهمية الخبر، وانما تعزيز له، ففي ظل الاحداث المتسارعة، وتصاعد عمليات التضليل والخداع من قبل مؤسسات عربية وعالمية جبارة تجسد قوى وامبراطوريات اعلامية كبرى، تبرخ على ميزانيات بمليارات الدولارات، رأينا ان هذه المرحلة تتطلب تركيزا اكبر على الرأي المستقل والتحليل المتعمق، وتسمية الامور باسمائها دون خوف.

نحن لا نحتكر الحقيقة، ونؤمن بأن لكل قضية وجهين ، لذلك سنفتح صفحاتنا لكل الاتجاهات دون تمييز، وسنحترم الرأي الآخر حتى لو اختلف مع رأينا، طالما جاء في اطار الالتزام بأدب الحوار والاختلاف، بعيدا عن السب والتجريح والقذف، وهو اسلوب يتعارض مع قيمنا واعرافنا واخلاقنا، قبل ان يتعارض مع الاعراف القانونية.

لسنا معصومين عن الخطأ، ولا يمكن ان نكون، فالعصمة للانبياء فقط، ونحن من اتباعهم ومريديهم والمؤمنين برسالتهم، فمن يجتهد يخطئ ويصيب، وسنعترف دون تردد باخطائنا عندما نرتكبها، وسنعتذر عنها على الملأ وفي وضح النهار، وسنعمل على تصحيحها، ولن يضيرنا ذلك اطلاقا.

سنتجنب كليا الخوض في الامور الخصوصية، ولن ننجر الى معارك مع زملاء المهنة، او غيرهم، مثلما فعلنا على مدى اربعين عاما من العمل في بلاط صاحبة الجلالة الصحافة مثلما تسمى في الغرب والشرق، فمعركتنا ليست مع الزملاء، حتى لو اساء الينا بعضهم لاي سبب من الاسباب، وانما مع انظمة فاسدة قمعية ديكتاتورية، ومع احتلال غاشم لارضنا، وقوى استعمارية تتآمر لنهب ثرواتنا والحيلولة دون نهوضنا من تخلفنا على المستويات كافة.

نؤمن بأن الخطر الطائفي لا يقل خطورة عن الخطر الاسرائيلي، ولذلك كنا وما زلنا وسنظل فوق كل التقسيمات العرقية والطائفية، وسنعمل على محاربة من يبذرون بذور فتنتها، ويقفون في خنادق استقطاباتها، نحن طلاب تعايش، وانصار الوفاق والمساواة، في اطار ديمقراطي يرتكز على قيم العدالة والقضاء المستقل واحترام حقوق الانسان.

لم نصدر حتى ننافس احدا، ولن نقول اننا الافضل، وسنترك الحكم دائما للقارئ الذي آمنت دائما بذكائه وقدرته على التمييز بين الغث والسمين، والوقوف في نهاية المطاف مع من يحترم عقله وعقيدته وقيمه الوطنية.

اسرائيل التي تحتل الارض والمقدسات وتقتل اهلنا واطفالنا في فلسطين المحتلة هي عدونا، وليس لنا اي عداء مع انظمة او شعوب عربية او اسلامية، ولكن من حقنا ان نختلف مع هذا النظام او ذالك اذا اعتقدنا بانه خرج عن ثوابتنا الوطنية، وسيكون هذا الخلاف موضوعيا دون اي غلو، فنحن نؤسس لاعلام مهني عصري مختلف يرتقي الى ادوات العصر ومتطلباته ومتغيراته المتسارعة.

“رأي اليوم” ستكون باذن الله عصارة تجربة اعلامية وسياسية تمتد جذورها لاكثر من اربعين عاما في الصحافة المكتوبة والمرئية والمسموعة، باللغتين العربية والانكليزية، والقاء محاضرات حولها في كبريات الجامعات العربية والعالمية، وسيكون سقف حرياتها عاليا في اطار القانون ومقتضياته، وتستهدف الوصول الى اوسع شريحة من القراء العرب على وجه الكرة الارضية، والشباب منهم على وجه الخصوص.

هذه الصحيفة الالكترونية ستتجدد على مدار الساعة وتواكب الاحداث لحظة بلحظة، في اطار عمل جماعي، وبسواعد مجموعة من الزملاء، هم بمثابة القلة المؤمنة، التي تؤمن بالنهضتين العربية والاسلامية مثلما تؤمن ايضا بان الرأي قبل شجاعة الشجعان.

ناشر ورئيس تحرير “رأي اليوم”

raialyoun-400x280x