التقاليد والمبادئ الأمنية الموجهة للسياسة الخارجية العمانية

fatasy.jpg88

أ. محمد بن سعيد الفطيسي

     ( اذا أردنا ان نكون جديرين بالدور الذي يطالبنا به مصيرنا . فينبغي علينا ان نتمسك بشدة بالمبادئ التي قوت من عزائمنا في المحن التي مرت علينا في الماضي ) قابوس بن سعيد – سلطان عمان – 18/ نوفمبر/ 1979م

          تعد السياسة الخارجية والأمن الوطني مترادفان لصيقان لا يمكن فصلهما عن بعضهما البعض . فمن المستحيل الحديث عن احدهما دون التطرق الى الأخر . فالأمن الوطني لأية دولة بشقيه الداخلي والخارجي لا يكتمل ويتكامل واقعيا ومنطقيا سوى باستقرار سياسات تلك الدولة وعلاقاتها الخارجية , كما لا يمكن بحال من الأحوال تحقيق سياسة خارجية هادئة ورزينة . قادرة على التعاطي مع المتغيرات والتحولات الدولية العابرة للحدود الوطنية , وبالتالي تحقيق الاستقرار الداخلي في الدولة انطلاقا من سياساتها الخارجية دون مراعاة وحسبان للبعد الأمني الدولي وتحولاته ومتغيراته العابرة للحدود الوطنية. والدور الكبير الذي يلعبه الجانب الأمني في السياسة الخارجية . ومقدرة تلك المؤسسات على تفعيل أدوارها الوقائية او ذات البعد المتقدم فيما يتعلق باستراتيجيات الأمن الوطني .

      لذا يدور جانب الأمن الوطني في السياسة الخارجية على عدد من الجوانب والمحاور الرئيسية ذات التداخل والاهتمام , فنجد ( تركز النظريات الواقعية على المشاكل الدولية ، والصراعات ، وتبرز رؤى الشركات العالمية العابرة للحدود والقومية، النواحي الاقتصادية والمحافظة على النظام الاقتصادي الدولي. وتركز وجهات نظر الأمن الإنساني، التي أخذت تبرز على ظروف الأفراد والعالم، كما أن بدء تحليل المخاطر يبرز طريقة متممة للتعامل مع المشاكل الأمنية للتغلب على التناقض بين الأنواع المختلفة للمفاهيم الأمنية (.

          بالإضافة الى ارتفاع سقف اهتمام السياسة الخارجية للدول بجانب تحولات القوة والهيمنة والنفوذ واثر ذلك على مكانة الدولة السياسية وقدرتها على المحافظة على مصالحها الجيوسياسية . يضاف الى ذلك علاقة السياسة الخارجية فيما يخص الأمن الوطني بقضايا حقوق الإنسان والتدخلات الخارجية , والتحالفات الدولية والإرهاب وتصدير الثورات . وغيرها من القضايا التي أصبحت السياسة الخارجية تتداخل معها بطريقة مباشرة او غير مباشرة .

         كان إدراك ووعي حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم  – حفظه الله ورعاه – للأهمية والدور الكبير الذي يلعبه الجانب الأمني في السياسة الخارجية واضح وجلي منذ بواكير النهضة المباركة . برز ذلك من خلال الفلسفة الأمنية او ما يطلق عليه بتأسيس مبادئ وأهداف العقيدة الأمنية الوطنية بشقيها الداخلي والخارجي . انطلاقا من موجهات السياسة الوطنية المستقاه من مصادرها الرسمية سالفة الذكر , وربط هذه العقيدة الشاملة للأمن الوطني بتلك الجوانب المتعلقة بمختلف الأبعاد ذات الصلة والتأثير والتأثر بتلك العقيدة وعلى رأسها السياسة الخارجية العمانية . بالإضافة الى تكييف تلك الفلسفة الأمنية مع المبادئ السياسية الموجهة لسياسات الدولة الخارجية .بحيث تتمكن المؤسسات السياسية ذات الاختصاص والعلاقة بسياسات الدولة الخارجية من تفعيل أدوارها المختلفة لتحقيق استراتيجيات وأهداف الأمن الوطني لسلطنة عمان .

        حيث يتضح ان الرؤية السلطانية لمبادئ وقيم وثوابت السياسة الخارجية العمانية ركزت كثيرا على البعد الأمني بخلاف بقية الأبعاد الرئيسية لها . والتي أضع على رأسها البعد الإنساني للسياسة الخارجية العمانية . انطلاقا من ان السياسة الخارجية للدول تعد خط الدفاع الخارجي للأمن الوطني الداخلي . وأي خلل او ثغرة يمكن ان تحدث في هياكل بناءها وتوجهاتها وأهدافها الخارجية سيرتد سلبا على الداخل الوطني ” لا قدر الله ” .

       يضاف الى ذلك ان تلك المبادئ والأهداف والتوجهات الأمنية التي رسمها ووضع خطوطها العريضة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم  – حفظه الله ورعاه – وركز فيها على البعد الأمني بشكل رئيسي تصب في نهاية المطاف في ما يطلق عليه بفلسفة النهضة العمانية. باعتبار ان السياسة الخارجية العمانية سلوكا سياسيا للدولة العمانية يعبر من خلالها عن شكل ومضمون تلك النشاطات والفعاليات المتعلقة بالسياسة الخارجية والأطر التي تحرك توجهاتها وعلاقتها ومرئياتها تجاه العديد من القضايا الدولية مع الخارج سواء كان ذلك في بعده الخليجي او العربي او الإقليمي او العالمي . وسواء كان ذلك في شقه السياسي او الأمني او غير ذلك . وبالتالي فان السياسة الخارجية العمانية هي الواجهة الوطنية والمعبر عن ملامح الدولة السياسية والأمنية والمجتمع الوطني  في البعد الدولي .

        ويمكن تعريف المبادئ الأمنية للسياسة الخارجية العمانية بأنها : مجموعة القيم والمبادئ والمعتقدات الموجهة والمنظمة للسلوكيات والتصرفات وكذلك للسياسات والقرارات المعنية بالأمن الخارجي لسلطنة عمان. والتي بدورها تعد امتداد للعقيدة الأمنية العمانية ككل . والتي تعرف بأنها : ( مجموع الآراء والمعتقدات والمبادئ والقيم التي تشكل نظاما فكريا لمسألة الأمن في الدولة . وبالتالي فانه يقصد بالعقيدة الأمنية العمانية : مجموع الآراء والمعتقدات والمبادئ والقيم العمانية والسلطانية التي تشكل النظام الأمني لسلطنة عمان ) .

         وبدورها أي العقيدة الأمنية العمانية تشكل وتكون هياكل بناء الأمن الوطني للسلطنة والذي يتكون من (مجموعة من العوامل المركبة ، بعضها مجموعة ثوابت ، إلا أن الجزء الأكبر منها متغيرات ، ويكسب مفهوم الأمن الوطني خاصية ديناميكية. وتحقق له طاقة حركية. هي لازمة لتطوره المستمر. ولتتابع الدولة المتغيرات في المستوى الإقليمي والدولي، وتتمكن من تعديل قدراتها لتحافظ على درجة الأمن التي ترغب بها. وهي الحركة المهمة كعنصر بقاء دون أن تصبح مثاليات مجردة . وإنما حركة ديناميكية مصدرها المتغيرات في الأمن الوطني ، والتي تكسبها الواقعية اللازمة لبقائها ).

       قد تنطلق او تنشا المبادئ الأمنية الموجهة للسياسة الخارجية العمانية من موارد او مصادر فكرية اقتصادية او ثقافية او سياسية متعلقة بالمصالح العليا للدولة بوجه عام , وقد يجد المتتبع لها تشابه او تقارب كبير بين كونها مبادئ أمنية بحته , او أنها قريبة من كونها مبادئ سياسية على كونها مبادئ أمنية . وباعتقادي الشخصي ان ذلك لا يتعارض مع مفهوم المبادئ الأمنية لكون هذه الأخيرة تنشا في العادة من موارد ومصادر مختلفة ومتعددة منها بكل تأكيد المبادئ والموجهات السياسية . بالتالي فان تشابه او تقارب المبادئ الأمنية العمانية الناشئة عن المبادئ السياسية الموجهة للسياسة الخارجية العمانية في الظاهر ليس إلا تقارب او تشابه بين وجوه او ملامح أفراد الأسرة الواحدة .على ان ذلك لا يمنع استقلاليتها البنائية او الهيكلية او التكوينية باعتبارها مبادئ او قيم أمنية مستقلة مستخرجة او ناشئة عن موجه او مبدأ سياسي . او احد مصادر التشريع السياسي الموجه للسياسة الخارجية العمانية .

       وتلك المبادئ الأمنية من وجهة نظري هي :-  1- مبدا التعايش السلمي 2- مبدا الندية 3- مبدا تنفيذ الواجب 4- مبدا الإقناع والحوار والتفاهم 5- مبدا التوازن في العلاقات الدولية 6- مبدا الحياد الايجابي 7- رفض فكرة وجود مناطق أمنية 8- رفض ازدواجية السياسات وتجزئة المواقف . لذا سنقول في هذه الدراسة بتناول 7 مبادئ منها فقط , كوننا قد تناولنا في مقالات ودراسات سابقة مبدا الحياد الايجابي  . مع ضرورة التأكيد . على ان ما سيرد من مجموعة المبادئ الأمنية في هذا الطرح  لا يعني حصريتها او كونها حالة نهائية لا يمكن ان يضاف إليها لاحقا . بل يجب التأكيد على ان ما سيرد منها ليس إلا جهد واجتهاد شخصي يمكن الإضافة إليه من قبل الباحثين الذين سيقومون بدراستها والبحث عنها بشكل متعمق أكثر من مصادرها الرسمية ومواردها المختلفة .

           المبدأ الأول : ( التعايش السلمي ) : يعد مبدا التعايش السلمي من المبادئ السياسية والأمنية التي ركز على انتهاجها والمحافظة عليها حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد – حفظه الله – منذ بداية قيام وتأسيس الدولة العمانية الحديثة في العام 1970م . وينطلق هذا النهج من بعد امني أكثر منه بعد سياسي من وجه نظري . على اعتبار ان عدم تدخل سلطنة عمان في شؤون الدول الأخرى سيجنبها افتراضا تدخل الدول الأخرى في سياساتها الداخلية , وهو ما سيحفظ لها سيادتها واستقلال توجهاتها وسياساتها وبالتالي أمنها الوطني . وسيحقق لها بدوره الغاية السامية من وراء كل ذلك وهي التعايش السلمي مع مختلف أطراف المنظومة الدولية , سواء البعيدة منها او المجاورة .

           وما يجب التأكيد عليه في هذا السياق هو ان هذا المبدأ ينطلق من موقف القوي القادر الحريص على السلم والسلام في مختلف أرجاء العالم , لا من موقف الضعيف المستسلم للأمر الواقع , وهو ما أكده جلالة السلطان – حفظه الله – بقوله (ان رغبتنا في السلام لا تنبثق من شعور بالضعف , نحن اذا تعرضنا الى أي عدوان فإننا سندافع عن بلدنا بكل قوانا ) . وفي سياق آخر قال جلالته ( عملنا من اجل السلام يقتضي ان تكون بلادنا قوبة .. وان تظهر قدرتها على حماية ذاتها , ولقد اثبت التاريخ مرارا وتكرارا ان هذا هو المنطق الوحيد الذي يحترمه من تقودهم أطماعهم الى تهديد السلام العالمي بالخطر ).

      وكما قال حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد – حفظه الله ورعاه – من ان ( السلطنة تنظر الى الأمور بمنظار يتجانس مع سيادتها الوطنية وموقعها الاستراتيجي وتلتزم بمبادئ التعايش السلمي التي تشترط حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير والاحترام المتبادل لسيادة الدول )( ) . وقد أكد جلالة السلطان – حفظه الله – في أكثر من محفل ومناسبة على هذا التقليد والمبدأ بشكل واضح وبطريقة مطلقة . فكان دائم الربط بين مبدا التعايش السلمي وحسن الجوار وعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى . لان كل منهما مكمل للآخر .فحسن النوايا من حسن التعايش وعدم التدخل في شؤون الدول سيؤدي بلا شك الى احترام أطراف تلك المنظومة لبعضهم البعض .

         المبدأ الثاني :( مبدا الندية) :- تعد علاقة الندية بين الدول من مظاهر السلطة وصور القوة والنفوذ التي تبرز شخصية الدولة ومدى حضورها واستقلالها وسيادتها في السياسية الدولية . ولعل هذا ما جعل حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله – ان يقرن مبدا الندية في علاقاته مع بقية أطراف المنظومة الدولية , سواء كانت ندية سياسية او أمنية او عسكرية . ومن ابرز ما تطرق إليه جلالته في هذا السياق قوله : ( سيكون لنا تبادل دبلوماسي قريبا , وعلاقتنا مع الدول علاقة الند بالند ) ( ) .وفي نفس السياق قال جلالته – اعزه الله – ( كما تستمر عمان في جهودها المتواصلة ونشاطاتها الباسلة في الأسرة الدولية . وتسهم بنصيبها في حل المشاكل والقضايا العالمية إثباتا لوجودها كعضو في هيئة الأمم المتحدة وإعرابا عن رغبتها الأكيدة في استقرار الأمن والسلام بين دول العالم المختلفة . وإقامة علاقات الود والصداقة مع كل دولة تمد يد الصداقة لنا على أساس الاحترام المتبادل وعلاقات الند للند )( ) .

          ويختلف التعامل مع القضايا الأمنية والعسكرية ( القوة الصلبة ) بشكل كبير عن التعامل مع القضايا السياسية والدبلوماسية ( القوة الناعمة) . صحيح أنهما في أكثر الأحيان وجهان لعملة واحدة , ولكن يختلفان في تطبيق السلوك والإجراء المتبع في التعامل مع القضايا نفسها , وعندما يقرن حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم مسالة التبادل الدبلوماسي مع الدول بعلاقة الند بالند , فهو لا يقصد حصر الموضوع في المسالة السياسية والدبلوماسية فقط , بقدر ما ينظر الى تلك العلاقة او ذلك السلوك بشكل استراتيجي ومبدأ من المبادئ التي يجب ان تسير عليها السياسة الخارجية العمانية سواء من الناحية السياسية او الأمنية , وما الى ذلك .

       بمعنى آخر ان : التعامل السياسي والدبلوماسي مع الدول يجب ان يقترن بالقوة والقدرة والشخصية السياسية ذات السيادة والاستقلال , لا ان ينطلق من الضعف والحاجة والتبعية . لذا فان إبداء السلوك السياسي والدبلوماسي المقرون بالقدرة على التعامل مع مطلق القضايا الأمنية الخارجية التي يمكن ان تؤثر في مستوى قدرة الدولة العمانية سياسيا هو وحده ما يمكن ان يحفظ لهذه الدولة عبر سياستها الخارجية مكانتها الدولية في النظام العالمي . فعلاقة الدولة العمانية مع بقية دول العالم ليست علاقة تبعية او ذيلية او عاطفية , بل هي علاقة ندية .

          المبدأ الثالث : مبدا تنفيذ الواجب :مبدأ تنفيذ الواجب أشبه ما يكون بسلوك الدولة لفكرة تحديد اقل معيار للتحرك والمشاركة في البيئة السياسية الدولية . وبمعنى آخر , ما هو المحدد الذي يمكن للدولة العمانية ان تنطلق من خلاله للمساهمة بفاعلية في الأحداث التي يمكن ان تؤثر على الاستقرار والأمن الإقليمي والدولي . وبالتالي الأمن الوطني العماني بشقيه الخارجي والداخلي . وما هي الحدود السياسية والأخلاقية المحفزة للانطلاق نحو المساهمة في هذا المسار القائم على المساهمة الايجابية في قضايا المنطقة سواء السياسية منها او العسكرية او الأمنية .

          على ضوء ذلك نجد ان مبدا تنفيذ الواجب انطلاقا من النهج السامي والفكر السياسي لحضرة صحب الجلالة السلطان قابوس – حفظه الله- يعد امتداد لتبني السلطنة العمانية لمفهوم أمني بالغ الأهمية في التعاملات والعلاقات الدولية والدبلوماسية . ينطلق من ابرز تقاليدها السياسية التاريخية . اقصد , مبدا عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول بشكل مطلق , إلا وفق فكرة المساهمة الايجابية وحسن الجوار والمسؤولية الأخلاقية التي تقتضي تنفيذ واجبات الدولة في المساهمة في مسؤوليتها الدولية دون فرض نفسها على الآخرين . او سلوكها لتصرف قائم على التدخل في شؤون وقضايا وأحداث الدول الأخرى .

          ومن ابرز الأمثلة التاريخية على تبني سلطنة عمان لهذا المسار او هذا التوجه السياسي والأمني على سبيل المثال لا الحصر. رؤية السلطنة لسبل إنهاء معاناة الشعب العراقي الشقيق أثناء الحرب العراقية الإيرانية (1980- 1988) , حيث قال جلالته حينها : ( ان السلطنة قامت من خلال عضويتها في مجلس الأمن بما أملاه عليها الواجب , ودخلت في حوار طويل وعريض مع البريطانيين والأميركيين فيما يتعلق بهذه المسالة ).

         عليه يمكن التأكيد على ان الدور الذي يجب ان تسهم فيه الدولة العمانية ايجابيا في الساحة السياسية الدولية يجب ان يبدأ من منطلق تنفيذ الواجب كمعيار رئيسي للتحرك السياسي والأمني , فعمان كما يؤكد ذلك جلالة السلطان ( لا تريد ان تفرض نفسها على احد . ولكن عمان مستعدة دائما وابدا ان تقوم بواجبها . وتقوم بدورها في المنطقة حسب إمكانياتها واستطاعتها ومكانتها في العالم . وان تؤدي دورها المطلوب منها من اجل تحقيق الهدف الاسمي وهو الرفاه والأمن والاستقرار وكل ما فيه مصلحة المنطقة . وعلى كل حال فان الذي علينا هو تنفيذ الواجب).

         المبدأ الرابع : الإقناع والحوار والتفاهم : من ضمن ابرز المبادئ الأمنية التي سار عليها النهج السلطاني في حل القضايا السياسية والأمنية سواء الإقليمية منها او الدولية , وسواء تعلقت تلك القضايا بما يمس الأمن الوطني العماني بشكل مباشر او غير مباشر , او عبر مطالبة بعض الأطراف الدولية تدخل السلطنة للمساهمة الايجابية في حل او التوسط في بعض القضايا . هو مبدا الإقناع وأسلوب الحوار , وهذا الأسلوب يعد امتداد للفكر السياسي لصاحب الجلالة والذي كما سبق واشرنا يعد احد موارد القوة الناعمة الطرية في السياسة الخارجية العمانية .

        ومن ابرز الأمثلة على انتهاج السلطنة لهذا المبدأ او هذا الاتجاه الأمني والدبلوماسي لحل معظم المشاكل والقضايا الأمنية  , وإيثار جلالة السلطان حل المشاكل عبر الحوار والتفاهم السلمي , هو قول جلالته – حفظه الله – في أكثر من محفل منها على سبيل المثال : ( نحن منذ البداية عندنا وجهة نظر واحدة لم تتغير .. ولا نزال نتمسك بها , إلا وهي : ان نكون على حسن جوار مع الجميع بدون استثناء , بابنا مفتوح للجميع … لمن يريد ان يرجع وان يخدم بلاده …. بالطبع نحن لا نوافق على الكثير من أفكار جماعة ظفار ولكننا نؤمن بأسلوب الإقناع – وهذا الجواب كان ردا طرح على جلالته مفاده – ان الثورة التي بدأت في الجبال منذ العام 1965م لا تزال مستمرة , ما هي أسباب استمرارها , وما هي برأيكم الوسيلة لوضع حد لهذا النزاع الدائم بين أبناء الوطن الواحد الذي يستنزف في الوقت نفسه قسما كبيرا من مواردكم )

         كما قال جلالته في ذات السياق ( لقد تحملنا سلسلة من الاعتداءات المباشرة من حكام عدن وتمسكنا بالصبر , وبحقنا المشروع في الدفاع عن النفس , لكننا في نفس الوقت أثرنا ان نحل المشكلة بالحوار والتفاهم ). وقد شدد جلالته على مبدا الحوار وحل الأزمات عبر التفاهم والإقناع والحلول الدبلوماسية في حديث آخر لصحيفة كورير النمساوية قائلا:- ( إيمان السلطنة الراسخ وانطلاقا من مبادئها الاساسية بان جميع الخلافات يجب ان تحل بالمفاوضات وليس بالصراع المسلح , وقال جلالته في هذا الصدد . لقد كنا نأمل ان يحل الخلاف بين الكويت والعراق من منطلق هذا المبدأ , ولذلك أيدنا قرارات الأمم المتحدة ).

        المبدأ الخامس : مبدا التوازن في العلاقات الدولية : يعد هذا المبدأ  , من ابرز الركائز الأمنية التي تبنتها السياسة الخارجية العمانية للتعامل مع العديد من القضايا الإقليمية والدولية , خصوصا تلك التي تلامس الأمن الوطني العماني من خلال تلك التحولات السياسة والأمنية في البيئة الدولية والمتغيرات في النظام العالمي .كقضية القوة ونظرية الاعتمادية وتوزان القوى بين الدول الكبرى او حتى تلك القوى القارية على رقعة الشطرنج الأسيوية . او من خلال ما تقوم عليه العقيدة الأمنية العمانية تجاه قضية التحالفات والتكتلات الدولية على سبيل المثال لا الحصر

          ومن ابرز الأمثلة التاريخية على ذلك . ما قامت عليه السياسة الخارجية العمانية من قدرة على بناء توازنات قطبية بين ابرز القوى الدولية (العظمى والقارية) في ثمانينيات العقد الماضي . كان من الضرورة ان ترتبط بها عبر علاقات سياسية . وبعضها علاقات أمنية وعسكرية حتمية . واقصد بتلك القوى الدولية كل من الولايات المتحدة الاميركية والاتحاد السوفيتي السابق وبريطانيا العظمى . ويمكن في هذا السياق الارتكاز الى الفكر السياسي والفلسفة السلطانية لصاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد – حفظه الله – للتأكيد على ذلك الاتجاه في القدرة صناعة التوازنات القطبية والتي لا زلنا نتلمس نتائجها حتى يومنا هذا .

          فالإستراتيجية الأمنية للسلطنة قائمة أصلا على نبذ التطرف الأمني سواء في داخلها الوطني او عبر الإقليمية او حتى الدولية من جهة . ومتطلبات القوة والسلطان من جهة أخرى , مع ضرورة مراعاة مصالح بقية أطراف المنظومة الدولية عند الأخذ بمصالحها السياسية والسيادية . وهو ما عملت عليه وأخذت به على ارض الواقع عبر العديد من القضايا السياسية والأمنية التي شاركت فيها . ( فطموحات عمان السياسية ان تحافظ دائما على التوازن في جميع السياسات وان تحد من التطرف في أي اتجاه . وهذا هو الدور الذي تسعى إليه السلطنة دائما وتطمح في ان تنجح فيه ).

         المبدأ السادس : رفض فكرة وجود مناطق أمنية  : من ضمن القضايا السياسية والأمنية التي اهتم بها حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد – حفظه الله – ويمكن ان تعد من الأفكار الأمنية الاستشرافية التي احتلت مكانة خاصة في فكره النخبوي ما يطلق عليه بالمناطق الأمنية . وهذه الفكرة تقوم على إمكانية وجود مناطق او بقع جغرافية في هذا العالم يمكن القول عنها بأنها مناطق غير قابلة لأصابتها او تعرضها لأي خوف او مشكلة او كارثة . وبمعنى آخر , أنها مناطق معزولة او محصنة او بعيدة عن أي تهديدات او مخاطر يمكن ان تتعرض إليها البيئة السياسية الدولية .

          وهو أمر بعيد جدا عن منطق الواقع الأمني والسياسي الذي تعايشه وتتعرض له رقعة الشطرنج العالمية , والتي نجد اليوم من الاستحالة بمكان التأكيد على وجود منطقة أمنية او آمنة في العالم لا يمكن ان تتعرض للتهديدات والمخاطر العابرة للحدود الوطنية . لذا كان الرفض الواضح والقاطع من قبل جلالته للأخذ بهذه الفكرة الغير قابلة للتحقق على ارض الواقع في عالم أصبحت مساحته الجغرافية تتقلص أمام ضربات العولمة وتوسع الدولة الافتراضية والمواطن العالمي. وهو ما أشار إليه جلالته بقوله ( ان عالم اليوم اخذ في الصغر ….. ) لذا استبعد جلالته قيام مناطق أمنية في الخليج او في غيره قائلا ( انه في عصر الصواريخ والتكنولوجيا الحديثة لم يعد في الواقع ما يسمى مناطق أمنية ).

 المبدأ السابع : رفض ازدواجية السياسات وتجزئة المواقف : جانب مهم من جوانب أخلاقيات العمل السياسي والتعاون الأمني هو الثقة والمصداقية وتوفر النوايا الحسنة بين مختلف الأطراف . والتي طالما تحدث عنها حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد – حفظه الله – , بل وأكد على ان اغلب مشاكلنا السياسية والأمنية نابعة من افتقاد الثقة وارتفاع سقف الشك والريبة وعدم المصداقية بين أطراف المنظومة الدولية في البيئة السياسية . لدرجة ان جلالته – اعزه الله- كان يربط دائما التعاون بالمصداقية والثقة وحسن النوايا , وهو أمر بديهي ومفترض في العلاقات الدولية بالرغم من الاختلافات في الآراء والتوجهات والمصالح السياسية . فكيف يمكن ان نضع أيدينا في يد من نعلم او ربما لا نعلم انه يتعامل معنا بوجهين احدهما في الخفاء وآخر في العلن .

           لذا أكد جلالته على أهمية تلك القيم السياسية الأخلاقية في التعامل بين الدول . لذا يجب تغليب ( النوايا الحسنة لدى الأطراف المعنية ونبذ أي خلافات . فإذا توافرت النوايا الحسنة وتجاوز الجميع المصالح الشخصية , وابتعدوا عن الوقوع في أية أخطاء سيكون هناك مجال للتعاون والتضامن ) . كما قال جلالته في هذا السياق كذلك ( لشيء طبيعي ان تقع خلافات وستظل تقع خلافات في الآراء ووجهات النظر بين أعضاء امتنا العربية , ولكل عضو في هذه الأمة الحق لكي يعبر عن آراءه بحرية كلما نشأت الخلافات , ولكن حرية التعبير يجب ان تتسم بروح الإخوة الصادقة والمنزهة عن الحقد والضغينة والتنافس).

        كما رفض جلالته التعامل والتعاون مع تلك الأشكال المستهجنة في العلاقات الدولية , وأكد على ان السياسة الخارجية العمانية ترفض ان تندرج في سياق هذا النوع من التوجهات الغير أخلاقية . فقال – اعزه الله – مؤكدا على سلطنة عمان قد ( تعودت ان تعلن سياساتها بكل صراحة . وليس عندها سياسة في الخفاء وسياسة في العلن ) كما أكد جلالته في نفس السياق على أهمية الصراحة والمصداقية في التعامل بين أطراف المنظومة الدولية , مهما كانت عواقب ذلك او نظرة البعض الى ذلك .

         فالمصداقية والثقة وحسن النوايا رغم ما يمكن ان تترتب عليها من انعكاسات وأثار ومتاعب مؤلمة في بعض الأحيان سواء من الناحية السياسية او الأمنية , قد تغضب البعض او تدخل البعض في دائرة القطيعة والغضب  , إلا أنها أفضل بكثير من الكذب والتعامل مع العالم بوجهين قذرين . لذا قال جلالته:  ان طريقتنا هي طريق الصراحة . ونحن هنا في جميع تعاملاتنا نتوخى ألا نلف وندور . وان نكون صريحين , ولو ان هذه الصراحة أحيانا تجلب لنا بعض المتاعب . واعتقد ان الإنسان يجب ان يكون مخلصا في قوله وفي عمله . وأنا لا أقول هذا بمعنى ان بقية الدول العربية او بقية الإخوة ليست لديهم الصراحة او الإخلاص . أبدا. ولكن المسالة إننا أحيانا نتعدى الحدود الدبلوماسية التقليدية . ونقول كلمتنا بدون ان نأخذ ونعطي فيها , لأنه ربما من واقعنا ومن التجارب التي مرت بنا . قد جعلتنا نتخذ هذا الاتجاه )

        كما ان صاحب الجلالة وفي نفس سياق رفض ازدواجية السياسات . رفض تجزئة المواقف في العديد من القضايا ذات الصلة والارتباط , خصوصا الأمنية منها , فكان يرفض ان يتم التعامل مع القضايا في جزء من كل , وواحدة من ابرز تلك القضايا والمواقف , رؤيته من امن المنطقة بوجه عام , والخليج العربي بوجه خاص . ففي سؤال وجه إليه حول تصورات جلالته لأمن المنطقة قال :( لقد كانت إستراتيجيتنا دائما هي ان امن الخليج هو كل لا يتجزأ تطبيقا ) وقال كذلك ( أنا أقول واحذر بان أمن المنطقة كل لا يتجزأ واستقرارها مسؤولية كل حكومات وشعوب المنطقة ).

ملاحظة : هذه الدراسة المختصرة نقلا عن كتاب قادم سيصدر لنا بإذن الله بمعرض مسقط للكتاب 2018م تحت عنوان : التوجهات الكبرى في بنية النظام العالمي وانعكاساتها على المبادئ الأمنية الموجهة للسياسة الخارجية العمانية .

باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية

رئيس تحرير صحيفة السياسي. المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية