دانة زيدان: “الطريق للقدس لا يمر في عوكر” من يجرم الخطاب الإستعلائي في بعض وسائل الإعلام اللبنانية؟ حاملي فيروس نقص المناعة المكتسب عقوبة إلهية أم مرض مثل غيره؟ إن كان حسن نصر الله “خنجراً في ظهر الأمة” فماذا عن الدول التي ترضخ للإملاءات الأمريكية؟

Dana-zidan-ver-new-400x300

دانة زيدان

لم يفاجئني كثيراً الأسلوب الدرامي الذي نقلت فيه قناة “mtv ” اللبنانية خبر المظاهرة أمام السفارة الأمريكية في عوكر احتجاجاً على تصريحات ترامب. فتوجهات القناة معروفة، ولهجتها الإستعدائية تجاه الفلسطيني، والسوري لا تخفى على أحد. وصف مذيع قناة ال “mtv” التجمهر الحاصل أمام السفارة الأمريكية، بالإعتداء على ممتلكات اللبنانيين وترويع الآمنين في بيوتهم، ليختم فقرته بالقول “إن طريق العودة إلى القدس لا يمكن ان تمر في عوكر”.

أما قناة ال”lbc” فاستخدمت أيضاً نفس الجملة عن الطريق إلى القدس. إلا أنها كانت أشد عنصرية، وإنفصالاً عن الواقع، متسائلة “أين يتحرك الفلسطينيون في الدول العربية كما يتحركون في لبنان؟” ضاربة المثل في مخيم اليرموك في سوريا، ومخيم البقعة في الأردن.

لم تكتف ال”lbc” بهذا القدر من الخطاب الإستعلائي القميء، بل ذهبت أبعد من ذلك معطية نفسها حق فرض الإملاءات على الفلسطيني، مطالبة إياه بأن يسلك نهج النأي بالنفس عن الداخل اللبناني الذي استضافه، متهمة الفلسطيني بالتهجم على لبنان و”كأنه هو من اغتصب فلسطين منذ سبعين عاماً”.

بدا جلياً بأن القناة كانت تحاول تصوير الأمر على أنه صراع بين الفلسطيني الذي ينتهك البلد ويدمره، وبين اللبناني الذي يعاني الأمرّين من الوجود الفلسطيني، متناسية تماماً بأن اللبناني – الذي لا تمثله هذه القنوات-  خرج أيضاً للشارع بنفس حرقة، وغضب الفلسطيني.

ليت قناة ال “mtv” تخصص ربع الإهتمام الذي خصصته للتباكي على شجرة الميلاد التي تعرضت للتكسير خلال الإشتباكات بين المتظاهرين وبين القوى الأمنية، في تغطيتها لتبعات القرار الأمريكي، دون أن تتناسى متعمدة مشهدية الإحتجاج أمام السفارة، ودوافعه، ومعانيه.

*********

حاملي فيروس نقص المناعة المكتسب عقوبة إلهية أم مرض مثل غيره؟

يجد حامل فيروس نقص المناعة نفسه يحارب على جبهات عدة، صحية، وإجتماعية، وثقافية، ونفسية، ومادية، في ظل الرفض الاجتماعي، ووصمة العار، والتمييز المرتبط بحاملي فيروس نقص المناعة المكتسب، وغياب الدور التوعوي للدولة في تصحيح المعلومات حيال طرق الإصابة بالفيروس، وكيفية انتقال العدوى.

ناقش الداعية الإسلامي خالد الجندي في برنامج “لعلهم يفقهون” عبر فضائية “dmc” واقعة انتحار شابة مصرية بسبب طلب أهالى الحي الذي تقطنه وزوجها وطفليها مغادرة منزلهم فور علم أهالي الحي بحمل الزوجة لفيروس نقص المناعة المكتسب، وذلك بعد أن أقام الأهالي اجتماعاً قرروا فيه ضرورة مغادرة العائلة للحي خوفاً من نقل العدوى للجيران!

كم هو محزن أن نرى فتاة لم تتجاوز الخامسة والعشرين تترك خلفها طفل رضيع، وتقدم على انهاء حياتها بسبب الضغوط المُمارسة من قبل المجتمع الذي وبدلاً من أن يقدم يد العون، أو على الأقل يكف أذاه ويتنحى، إختار أن يكون مرضاً أشد فتكاً بسبب الجهل، والصور النمطية في مخيلته، وغياب الدور التوعوي الإعلامي، والحكومي.

أزعجني استخدام الجندي لكلمة “عقوبة إلهية وابتلاء وامتحان واختبار من الله” في حديثه عن فيروس نقص المناعة المكتسب. فالواجب على الوسائل الإعلامية نشر التوعية حيال الفيروس، ومناهضة وصمة العار التي تلحق بالمريض، والتعريف عنه كمرض يشبه أي مرض آخر، له مسببات، وطرق وقاية.

إن لم تهز قصة هذه الفتاة، المجتمع بأسره، ومؤسساته الحكومية، والمدنية، والإعلامية للعمل على كسر الصور النمطية عن المصابين بالمرض، وعن طرق نقله مثل الإعتقاد بأن التواصل اللمسي مع حامله يؤدي لإنتشاره، وغيرها الكثير من الصور الخاطئة، فماذا يمكن أن يهزهم؟

********

إن كان حسن نصر الله “خنجراً في ظهر الأمة” فماذا عن الدول التي ترضخ للإملاءات الأمريكية؟

انشغلت القنوات العبرية -كعادتها- بتحليل خطاب السيد حسن نصر الله رداً على قرار ترامب إعلان القدس عاصمة لدولة الاحتلال. تشابهت تحليلات القنوات العبرية العاشرة، والثالثة عشر حيث بدا التركيز واضحاً على انتصارات سوريا في الحرب على الحركات الإرهابية، والانجازات العسكرية التي حملتها الأسابيع المنصرمة في معركة العراق للقضاء على الوجود الداعشي.

ركز محللو القنوات العبرية مثل “تسفي يحسكيلي” و”إيهود يعري” على الإنتصارات السورية، والعراقية، مستشعرين أولوية مجابهة “إسرائيل” في خطاب السيد حسن نصر الله الأخير، وحماس الجماهير التي رددت خلفه: ” على القدس رايحين شهداء بالملايين”.

في ذات الوقت الذي تحلل فيه القنوات العبرية، خطاب السيد حسن نصر الله، وتقرأ ما بين السطور، وتستشرف مستقبل، وأولويات الحزب مع إقتراب حسم معركة المصير في سوريا والعراق. يخرج في برنامج “في المنتصف” والذي يعُرض عبر قناة التاسعة، صالح فاضل عضو اللجنة الاستشارية لتركمان سوريا ليقول بأن حسن نصر الله ليس سوى مشروعاً طائفياً استعمارياً يهدف لخدمة “إسرائيل” وأميركا، واصفاً إياه بالخنجر المزروع في ظهر الأمة.

يمكنك أن تختلف مع حزب الله في توجهاته، وسياساته، ورؤيته الحالية. إلا أن الأمر لا يحتاج أن تكون في صفه لتدرك بأن حسن نصر الله يعد ويفي، ولو بعد حين، فحتى ألد اعدائه، وخصومه، ومن يدرجون اسمه على لوائح المطلوبين يدركون هذا الأمر، ويأخذون كل كلمة، وحركة جسد تصدر عنه على محمل الجد.

إن كان من يقف بوجه الهيمنة الأمريكية، ويرفض الإذعان للمصالح الضيقة، ويحارب ضمن إمكاناته وظروفه، في الوقت الذي تحاول فيه واشنطن، ومعها تل أبيب إستغلال أوضاع المنطقة، لفرض معادلات جديدة، يمثل “خنجراً مزروعاً في ظهر الأمة” على حد تعبير فاضل. فكيف اذا يمكننا وصف اللاهثين خلف التطبيع، ممن طبخوا، وأعدوا لتصفية حركات المقاومة؟

كاتبة أردنية

Dana.zeedan@gmail.com