هآرتس : المارد الذي تحرر بعد تصريح ترامب لم يعد الى القمقم

abas trump.jpg555

بقلم:عاموس هرئيل

هذا هو التقدير الحديث حسب ما قدمته أمس الاستخبارات للمستوى السياسي. على الرغم من اطلاق النار الواسع نسبيا من قطاع غزة، على الاقل 24 قذيفة في الايام التسعة الاخيرة فان حماس غير معنية بالمواجهة مع اسرائيل. سلطة حماس في القطاع أرخت الحبل قليلا للمنظمات السلفية المتطرفة (وربما ايضا الجهاد الاسلامي) بعد خطاب الرئيس ترامب في 6 كانون الاول – ومكنتهم من اطلاق القذائف كتعبير عن المعارضة الفلسطينية للاعتراف الامريكي بالقدس عاصمة لاسرائيل. منذئذ تجد حماس صعوبة في السيطرة على القطاع واعادة المارد الى القمقم. اجهزة حماس الامنية اعتقلت نشطاء سلفيين شاركوا في اطلاق النار، لكن يبدو أنه سيمر وقت الى حين أن تنجح في اعادة الهدوء. الاجواء في القطاع بقيت متلبدة منذ فجرت اسرائيل النفق الهجومي، الذي قتل فيه 12 شخص من الجهاد الاسلامي وحماس في نهاية تشرين الاول.

 رجال الاستخبارات يجدون علاقة مباشرة بين ما يحدث في القطاع واحداث الضفة الغربية.في القدس وفي الوسط العربي في اسرائيل تم الحفاظ على الهدوء بشكل عام، باستثناء المظاهرة العنيفة في شارع وادي عارة يوم السبت الماضي. احتجاج ترامب تم توجيهه من الاعلى نحو الاسفل، سواء السلطة الفلسطينية أو حماس التي دعا رؤساءها لانتفاضة ثالثة شجعت الجمهور في المناطق للخروج في مظاهرات ضد الولايات المتحدة واسرائيل، لكن الاستجابة كانت محدودة. في تلك الاحداث شاركت آلاف معدودة رغم أن الامر يتعلق بالقدس. في الشارع الفلسطيني لم تتموضع رواية دينية حول الاعلان الامريكي.

 في ظل عدم وجود عمل رمزي على الارض مثل “وضع البوابات الالكترونية في الحرم”، في اعقاب قتل الشرطيين في العملية في تموز الماضي، وفي ظل عدم وجود هدف واضح للاحتجاج مثل “تراجع اسرائيل وازالة اجهزة كشف المعادن” فان الجمهور لم يحضر. في اجهزة الامن الاسرائيلية ارادوا انتظار احداث نهاية الاسبوع: الذكرى السنوية الثلاثين لتأسيس حماس التي صادفت أمس وصلوات الجمعة اليوم، اذا لم يكن هناك قتلى آخرون بعد هذه الاحداث فيمكن القول إن احتجاج ترامب انتهى بهذا الشكل أو ذاك.

ولكن ليس كل هذا التحليل المنطقي والمرتب يتوافق بالضرورة مع الواقع. أولا، حجم الاطلاق هو الاوسع الذي حدث في القطاع منذ انتهاء عملية الجرف الصامد في آب 2014، هذا حدث استثنائي جدا في واقع غزة الحالي، حيث يثور سؤال هل لا يوجد هنا اغماض عين مقصود ومستمر من حماس عن نشاطات الخلايا التي تطلق الصواريخ. وثانيا، الشباك أعلن أول أمس أنه اعتقل خلية لحماس في قرية تل في منطقة نابلس التي خططت حسب اقواله لاختطاف جندي أو مستوطن في السامرة في عيد الانوار. حماس تعطي للاختطاف اولوية، لأن هذه هي الطريقة الوحيدة حسب رأيها لتحرير آلاف الاسرى الفلسطينيين في السجون الاسرائيلية وتحقيق انجاز كبير كما فعلت في صفقة شليط في 2011. ولكنهم في حماس يعرفون أن اسرائيل تعتبر الاختطاف حدث استراتيجي مثل اعلان الحرب تقريبا، وهي سترد بشدة ايضا في الضفة.

في جهاز الامن يتولد الانطباع أن من يخططون العملية ليسوا من الهواة، لقد كان على رأسهم أحد النشطاء الميدانيين القدامى نسبيا (26 سنة)، وقد حصلوا على مسدس وجندوا الاموال وقاموا بجولات استطلاع في الشوارع كجزء من التحضير للعملية. التوجيهات جاءت من الخارج، من “قيادة الضفة” التابعة لحماس التي يشغلها من القطاع محررو صفقة شليط الخاضعين لقيادة الضفة برئاسة صالح العاروري الذي يقسم الآن وقته بين لبنان وتركيا.

 إن تقارب الاحداث بين الاستعداد للاختطاف في الضفة والتصاعد الفجائي في اطلاق الصواريخ من القطاع يثير ذكريات ليست لطيفة من صيف 2014، في حينه، في شهر حزيران، اختطفت خلية لحماس من الخليل وقتلت الفتيان الثلاثة الذين سافروا برحلة مجانية قاتلة في غوش عصيون، في الايام التي اعقبت العثور على الجثث في بداية تموز، وعلى خلفية غضب الجمهور الاسرائيلي، زاد التوتر في القطاع حول جهود الجيش الاسرائيلي لاحباط عملية محتملة من قبل حماس عبر نفق في كرم أبو سالم. اسابيع التصعيد ادت في نهاية المطاف الى البدء بعملية الجرف الصامد.

الظروف في هذه المرة مختلفة. أولا، عملية الاختطاف في الضفة تم احباطها. ثانيا، حماس قامت بخطوات اولية نحو المصالحة مع السلطة الفلسطينية، التي من شأنها أن تحررها من عبء الادارة المدنية اليومية للقطاع وضخ الاموال الضرورية لغزة من اجل بقائها. ولكن عملية المصالحة تتأرجح ومن الصعب استبعاد امكانية الانزلاق نحو المواجهة، التي يمكن أن تعود وتفاجيء اسرائيل.

 لا يمكننا تجاهل الضغط السياسي الداخلي في اسرائيل. رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو قام بعمليتين عسكريتين في القطاع، وقد قام بذلك فيهما كمن يتخبطه الشيطان. في تشرين الثاني 2012 عشية عملية “عمود السحاب” وقف نتنياهو امام حملة انتخابية للكنيست وتلقى هزة لا تتوقف من العناوين في “يديعوت احرونوت” التي القت عليه مسؤولية وضع سكان غلاف غزة تحت اطلاق صواريخ القسام من القطاع. في 2014 القي عليه ضغط مشابه من اليمين ومن الائتلاف، خاصة بعد العثور على جثث الفتيان. رئيس الحكومة نفسه اعترف هذه السنة في نقاش في الكنيست حول تقرير مراقب الدولة أنه لم يكن يرغب في الحرب في القطاع. وأنه جر اليها على خلفية العمليات الهجومية لحماس. التقديرات في اسرائيل لصالح رد محدود في هذه المرحلة يوجد عامل آخر لم يذكر – مواجهة مباشرة مع حماس الآن سترسخ في الوعي العالمي مثل “حرب ترامب” وستعتبر نتيجة مباشرة لاعتراف الولايات المتحدة بالقدس. لهذا تفضل اسرائيل ابعاد خطر المواجهة بقدر الامكان.

ميزان قوى جديد

احدى التغييرات الاساسية التي حدثت منذ 2014 يتعلق بتغييرات القيادة في حماس. في الحرب الاخيرة انقسمت حماس بين الداخل والخارج. خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي للمنظمة وصاحب المكانة الاعلى فيها، استقر في قطر وحث رجاله على مواصلة القتال، في الوقت الذي كان فيه عدد من قيادة غزة يأملون وقف اطلاق النار تحت ضغط القصف الجوي الاسرائيلي. منذ ذلك الحين تم استبدال خالد مشعل باسماعيل هنية الذي يعيش في غزة. وقد جاء بدلا من هنية قائد حماس في القطاع يحيى السنوار، رجل الذراع العسكري في القطاع. ميزان القوى الجديد الداخلي في حماس نقل القوة من الخارج الى الداخل وأعطى وزن اكبر لخريجي الذراع العسكري. السنوار ايضا هو من محرري صفقة شليط، وهو الاول الذي يوحد بشكل ما بين الذراع العسكري والذراع السياسي.

 بعده احتل ايضا عدد من اصدقائه، قدماء الاسرى، مراكز هامة في التنظيم. هؤلاء هم رجال جيل الوسط في حماس: شباب المجموعة التي التفت حول الشيخ احمد ياسين عند اقامة الحركة في بداية الانتفاضة الاولى، الذين اجتازوا انتفاضتين، التي جاءت من “الضواحي” الفلسطينية، مخيمات اللاجئين في غزة. وهم يتحدثون اللغة العبرية بطلاقة ويعرفون بدرجة معينة المجتمع الاسرائيلي من خلال مكوثهم الطويل في السجون الاسرائيلية.

عندما تم انتخاب السنوار لمنصبه في شباط الماضي، زادت في اسرائيل التقارير عن تشدده وتصميمه الايديولوجي. هذا الرجل في نهاية المطاف قضى اكثر من عشرين سنة في السجن بتهمة قتل متعاونين مع اسرائيل. ولكن في الاشهر العشرة التي قضاها في منصبه استطاع تبديد الكثير من التوقعات السابقة. ليس لأنه فجأة تبين أن السنوار مؤيد لاسرائيل (رغم تقليد جديد وناجح في “بلاد رائعة”) بل لأن الضائقة الاستراتيجية التي وجدت حماس نفسها فيها أملت الانعطافة – وتبين أن السنوار مؤهل لاتخاذ قرارات حاسمة اكثر من اسلافه وشركائه في القيادة. السنوار هو الذي قاد حماس في اتفاق المصالحة مع السلطة الفلسطينية بوساطة مصر.

حسب تقدير الاجهزة الامنية الاسرائيلية فان الهدف الاهم لحماس بقي الحفاظ على حكمها في غزة، وبعد ذلك مواصلة بناء قوتها العسكرية، لكن الحفاظ عليها اصبحت اصعب بسبب العزلة السياسية التي وجدت حماس نفسها فيها (الازمة مع مصر، نقص الدعم المالي من دول الخليج)، ونقص الاموال الشديد الذي حدث في اعقاب ذلك. من هنا الاستعداد للتنازل عن جزء من صلاحيات الحكومة في غزة لصالح السلطة الفلسطينية. ولكن المصالحة ما زالت تكتنفها العقبات والتحفظات الكثيرة. بالاساس من جانب رئيس السلطة محمود عباس الذي جر اليها وهو غير راض. عباس الذي يخشى حقا من أن تواصل حماس السيطرة على غزة بقوة السلاح، شبيها بالنموذج الذي اتبعه حزب الله في لبنان، لم يرسل أي شيكل لتحسين تزويد الكهرباء في غزة أو لدفع رواتب موظفي الدولة هناك. تصريح ترامب وفر ذريعة لاظهار موقف فلسطيني موحد، لكن اذا تم الاعلان عن فشل المصالحة فستزول عقبة اساسية من امام مواجهة عسكرية اخرى مع اسرائيل.

دروس الماضي

كانون الاول 1987 كان شهر مليء بالاحداث في تاريخ الفلسطينيين: ليس فقط انشاء حماس بل ايضا اندلاع الانتفاضة الاولى كرد تلقائي بدأ بحادثة طرق دهس فيها سابق شاحنة اسرائيلية اربعة سكان فلسطينيين من القطاع. في الرواية الفلسطينية ترسخت الانتفاضة كفترة تثير الفخر: صحوة شعبية وقف فيها الاطفال وهم يحملون الحجارة بشجاعة أمام الدبابات الاسرائيلية وأمام الهراوات التي تكسر العظام للجيش الاسرائيلي وحرس الحدود. في معسكر فتح على الاقل تم عرض الانتفاضة في البداية على أنها أمر حرك سلسلة عمليات جاء في اعقابها مؤتمر مدريد وعملية اوسلو (في السنوات التي اعتبرت فيها السلطة اوسلو انجاز).

ولكن الوقت الذي مر يمكن كما يبدو من القيام بمحاسبة النفس ونظرة متفحصة أكثر لما تم انجازه وما لم يتم انجازه. في المقال الذي نشر في الاسبوع الماضي في صحيفة “الايام” التي اصحابها مقربون من السلطة، كتب عبد الغني سلامة بأن “الانتفاضة الاولى كانت حقا حدثا مميزا، اكتشاف أصيل لحركة النضال”. ولكنه ذكر ايضا الاخطاء التي حدثت فيها والدروس التي يمكن استخلاصها منها حسب رأيه. الشعب الفلسطيني، ادعى، يجب عليه البدء بالتعلم من التجربة التي راكمها والقيام بانتقاد ذاتي ناجع.

 حسب سلامة، في السنتين الاوليين للانتفاضة تمت قيادتها بصورة جيدة، ولكن اعتقال رؤساء الانتفاضة ونقل القيادة الى الجيل الشاب عديم التجربة، جلبت معها اخطاء كثيرة. وينسب سلامة صعوبة تحقيق اهداف الانتفاضة الى الانقسام بين فتح وحماس، وتزايد القيادات وخطط العمل المتناقضة. سلامة ايضا يعدد اخطاء الانتفاضة ويذكر الاضرابات التجارية الكثيرة التي أدت الى تدهور اقتصاد المناطق وفرضت عبء يصعب تحمله على الفلسطينيين. وقال إنه سادت في المناطق فوضى امنية حدث فيها أنه بدل مواصلة القتال ضد الجيش الاسرائيلي، تبنى الشباب هدف اسهل وهو قتل المتعاونين مع اسرائيل. تم جر المناطق الى صيد المتعاونين، الذين كان كثيرون منهم ابرياء، وتم جر المناطق الى عمليات الثأر والنزاعات العشائرية.

تطور آخر ضار هو المس بجهاز التعليم الفلسطيني. الاضرابات الكثيرة عن التعليم أدى الى اضرار بعيدة المدى، تركت حسب قوله خلفها جيل الشباب الذين شاركوا في النضال كـ “جيل جاهل”. ويضيف سلامة أن جو الحزن والقسوة الذي فرضته التنظيمات على الجمهور على خلفية النضال ضد اسرائيل والخسائر الكبيرة والتي رافقها تشدد ديني، اوقفت الحياة اليومية في المناطق ومكنت من صعود قوة الحركة الاسلامية المتطرفة. مقال سلامة يعبر عن مصداقية فريدة في تحليل النضال الفلسطيني وحالات الفشل فيه. إن نشر هذا المقال في ايام توترات جديدة يطرح سؤال كيف يتم النظر بنظرة الى الخلف ايضا الى الفترة الحالية وفيها اخطاء الطرفين.

  (المصدر)