عزالدين المناصرة: عيسى بن مريم (المسيح): كنعانيٌّ فلسطينيٌّ.. جنوبي تلحميٌّ.. ولم يكن يَهْويّاً.. ولا نصرانياً.. ولا أسينياً (الفلسطينيون هم شعب المسيح)

iz-aldeen-almanasra.jpg66

عزالدين المناصرة

ولدتُ في محافظة (الخليل) بفلسطين على بعد عشرين كيلو متراً من (بيت لحم)، مسقط رأس المسيح. ورُغم أنَّ الخليل مدينة إسلامية، إلاَّ أنني كنت أشاهد في الخليل، (الخوري)، بلباسه الكهنوتي، ونياشينه الصفراء اللامعة كالذهب، يتجوّل في أسواق المدينة التجارية، كأنَّه كائنٌ هبط من السماء فجأة كالنيزك. بعد ذلك، عرفتُ أنَّ ديراً للروس البيض، يُدعى (المسكوبية)، يقع في أعالي أحد جبال الخليل، جهة الغرب. ثمَّ شاهدت الدير عن قرب. تعلَّمتُ في (مدرسة بلدة (بني نعيم) الخليليَّة)، التي تقع شرق المسجد الإبراهيمي في الخليل، الذي جرت فيه مذبحة رهيبه، ارتكبها الإسرائيليون، عام 1994. في هذه المدرسة، كان أحد أساتذتي يدعى (حنّا مكركر)، وآخر يدعى (حنّا جودة)، وهما مسيحيان من بيت لحم. كان حنّا مكركر، صديقاً لخالي (الأستاذ في المدرسة نفسها)، وكان غالباً ما يدعوه ضيفاً في منزل جدّي لأمّي (الحاج موسى حمد).

وكنت أستمع إلى الحوارات بينهما. ذات مرَّة، غضب الأستاذ حنّا مكركر من تلميذ ينتمي لعائلتي، فدلق في الصَفِّ، زجاجة الحبر الأزرق على وجهه. ذهب التلميذ إلى أهله، وعندما رأوه في هذه الحالة المزرية، هدّدوا بقتل الأستاذ، أو نقله من المدرسة إلى منطقة أخرى. عندئذٍ، استجار الأستاذ بجدّي، وخالي، فقاما بحمايته، ورفض جدّي، أيَّ نقلٍ للأستاذ إلى أي مكان آخر. وتمَّت تسوية المشكلة. بعد ذلك، عرفت الطريق إلى دور السينما في بيت لحم. كنّا نذهب كل شهر، مع مجموعة من الفتيان، إلى سينمات بيت لحم، سراً، دون علم عائلاتنا. وكنت أشاهد طابوراً من السَّيارات الخليلية، مساء الخميس، متوجهة نحو بيت لحم. بعد ذلك، عرفتُ السرّ المقدَّس لهذه السّيارات: إنّه (النبيذ)، و(الفيلم السينمائي). كان والدي يرفض بيع عنب كَرْمهِ لتجّار البراميل، لكنّه كان يبيعه بسعر منخفض في أسواق الخليل، حيث عرفت سرَّ البراميل، فالعنب الذي يوضع في البراميل، أغلى سعراً من عنب السوق، لأنَّ البراميل تذهب إلى حانات بيت لحم، لتتحول إلى نبيذ. هكذا، فإن، نبيذ بيت لحم، هو ابنُ الدالية الخليلية. وفي بلدات جبل الخليل الإسلامية، هناك مئات الرجال، يُسمّون (عيسى)، ومئات النساء، يُسمين: (مريم)، لأنَّ عيسى بن مريم، نبيٌّ مقدّسٌ عند مسلمي الخليل، وعند غيرهم، ولأنَّه ابن المنطقة جغرافياً.

فالخليل، هي مدينة إبراهيم، وقبره موجود في المسجد الإبراهيمي، وبيت لحم، هي مكان ولادة المسيح، ومكان نشأته، قبل أن يتوجه شمالاً، نحو (الجليل الفلسطيني). وبلدة بني نعيم الخليلية، هي مكان قبر النبي (لوط). أمّا القدس على بعد أربعين كيلو متراً من الخليل، فهي مسرى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وفيها يقع المسجد الأقصى، قبلة المسلمين الأولى، قبل أنْ يحوّل (القرآن الكريم)، نحو مكَّة. هكذا أصبح خطّ (الخليل، بيت لحم، القدس)، هو مركز القداسة لدى المسلمين والمسيحيين الفلسطينيين والعرب، بل والعالم كله. كانت نساء (بيت جالا) المسيحية، القريبة من بيت لحم، يلبسن نفس اللباس، الذي تلبسه النساء القيسيّات المسلمات في جبل الخليل، بخصوصيته الفولكلورية.

عندما كنت فتىً، أركب الحافلة من الخليل إلى القدس، أمرُّ في الطريق الإجباري من بيت لحم، حيث نرى كنيسة المهد، وفي المنحدرات الشرقية لبيت لحم، هناك جبل (الفريديس)، وفيه بقايا قصر، عرفت لاحقاً، أنَّ فيه، قبر هيرودوس الكبير، (حَرَد الأدومي العربي)، الذي حكم هو وأولاده فلسطين كلها، وأنشأ أول مملكة فلسطينية أدومية فيها. فهو فلسطيني من عسقلان، وأمُّه (نبطيّة)، وهو الذي بنى معبداً للكنعانيين الفلسطينيّين (الوثنيين)، في الخليل (حبرون)، التي كان اسمها الأصلي (خِلّْ إيل)، والذي تحوَّل لاحقاً إلى مسجد. كان المسلمون في الخليل، وما يزالون، يقولون انطلاقاً من عقيدتهم الإسلامية: (سيّدنا عيسى)، و(ستّنا مريم)، ولهما في قلوبهم، منزلة رفيعة من القداسة. أمّا، أنا، فقد كنت أضيف إلى ذلك، مشاعري المناطقية، فالمسيح، ابن منطقتي الجغرافية، وكنت أضيف معنى (الحوار)، ومعنى (التعدديّة الدينية)، ومعنى (التآخي)، ومعنى (التنوع الثقافي)، ومعنى (الجيرة)، ومعنى (المقاومة المشتركة)، ومعنى (العذاب المشترك)، ومعنى (الفداء المشترك) في مواجهة الأعداء. والأهم من ذلك، معنى (الكنعنة، والفلسطنة).

لم أنظر إلى المسيح إلاَّ كفدائي فلسطيني مقاوم، وابن منطقتي. يُضاف إلى ذلك، أنَّ يوحنّا المعمدان (النبي يحيى بن زكريا)، عند المسلمين، وهو معلّم المسيح، ولد في بلدة (يوطة = يَطّا حالياً) الخليلية، وقبره ما يزال هناك. وما البريَّة التي لجأ إليها يحيى بن زكريا في عزلته التأمليَّة، سوى (بريَّة بلدة بني نعيم) الخليلية، فهي لا تزال تُسمّى حتى الآن: (البريَّة). وقد كانت تمتدُّ من بلدة (كفر البريك) الرومانية، أي بلدة بني نعيم الحالية، حتى منحدرات: جبل أُسدُمْ = سدوم، وقلعة مصعدة (مسعدة = مسَّادا)، وخربة عين جدي، وكلها تقع في البرية بين الخليل وبيت لحم في المنحدرات المشرفة من جهة الغرب على البحر الميت. وكنا نشاهد جنوب الخليل في الطريق إلى بئر السبع، كهرباء مستعمرة، أنشأها الاحتلال الإسرائيلي عام 1948، وحين سألت والدي عنها، قال لي: هي مدينة (تلّ عْراد) الفلسطينية الكنعانية القديمة.

وبما أنَّ الصحابيين: (نعيم الداري)، جدّ عائلتي الموثَّق تاريخياً، وشقيقه تميم الداري، كانا راهبين مسيحيين، قبل أن يصبحا (أوَّل المسلمين في فلسطين)، حسب (كتاب الإنطاء الشريف)، فقد عرفت أنهما كانا كنعانيين وثنيين قبل ذلك. هكذا، لم أنظر إلى (الوثنية) من زاوية دينية، بل نظرت إليها كتراث طبيعي للشعب الفلسطيني، قبل المسيحية والإسلام. ولم يكن تاريخ فلسطين الحقيقي، سوى تاريخ هذا الشعب الكنعاني الفلسطيني (الوثني)، الذي كان يعبد إلهاً واحداً، هو (إيل)، المجسَّد في منحوتات رمزية دينية.

دائرة حركة المسيح في حياته:

– ولد المسيح في (بيت لحم) الجنوبية، يؤكّد هذا صلة القرابة بينه وبين النبي الخليلي يحيى بن زكريا (يوحنا المعمدان)، الذي ولد في (يوطا = يطَّا الخليلية) على مسافة قليلة من مكان (طائفة النصارى) في قرية الكرمل، جنوب شرق الخليل، كذلك صلة القرابة بين (مريم)، و(اليصابات). فالأحداث الرئيسة الأولى تدور في ثلاثة مواقع: (خِلّْ إيل، وبيت لخمو، وأورسالم (القدس)، إضافةً لنهر الأردن، حيث عمَّده يحيى بن زكريا. كذلك، بريَّة (بنوعام). ويعتقد أنَّ التعميد قد تمَّ في سنّ الثامنة عشرة، وقيل: في الثلاثين. ويجمع الباحثون على أنَّ المسيح، قد مات في سنّ (الثالثة والثلاثين)، وأنَّ ذروة نضج دعوته، تمت في السنوات الثلاث الأخيرة من عمره، التي قضاها في الجليل، شمال فلسطين. ويُجمع الباحثون أيضاً، على أنَّ (مريم)، و(يوسف النجَّار)، كانا كنعانيين فلسطييَّين، ولم تكن لهما أية علاقة بالطائفة اليَهْويَّة. ويرى بعض الباحثين أنَّ المسيح ولد عام (4 ق.م)، (وسبب هذا (الخطأ التاريخي) يعود إلى (ديونيسيوس أكيسغوسُس) من أهل (القرن السادس الميلادي)، حسب نقولا زيادة (ص: 71). ومات عام (30 ب.م)، وأنَّ هيرود الكبير (حَرَدْ الأدومي العربي)، حاكم فلسطين، الذي توفي في عام (4 ق.م)، لم يرد في سيرته التاريخية، أنه قتل أطفالاً في بيت لحم، أو غيرها. ولم تهاجر عائلة المسيح إلى شمال فلسطين، هرباً من (أرخيلاوس)، خليفة هيرود الكبير، لأنَّ شقيق أرخيلاوس، (هيرود أنتيباس)، كان يحكم منطقة الجليل نفسها، التي هربت إليها عائلة المسيح. أمَّا حاكم القدس الروماني (بيلاطس البنطي)، الذي حدثت في عهده (محاكمة المسيح)، فقد حكم في الفترة (27 – 36م). وقد بدأ المسيح دعوته، كما يقول بعض الباحثين عام (27م)، أي عندما كان في الثلاثين. ولم تذكر (الأناجيل الأربعة)، أيَّة إشارة صريحة على أن المسيح، كان (يَهْوياً)، أو له علاقة باليهوية، التي تعبد (الإله يَهْوَهْ). لقد كانت مناطق تجوال المسيح، هي: بيت لحم، حيث ولادته وعيشه طفلاً، والخليل، حيث قد تكون له صلة قرابة أيضاً مع النبي الخليلي، يحيى بن زكريا (المعمدان)، وقد تكون صلة قرابة بين مريم التلحمية، واليصابات الخليلية، التي قد تكون (خالة المسيح)، كذلك منطقة البريَّة، حيث يقول شُرَّاح الإنجيل، بأنها: (منطقة قليلة السكّان، تقع بين أورشليم (القدس)، وحبرون (الخليل)، والبحر الميّت). كذلك، نهر الأردن، (التعميد). ثمَّ أورسالم، في المرحلة الأولى، أي حتى سنّ الثامنة عشرة، حسب بعض الباحثين. ثمَّ عاش داعيةً في شمال فلسطين: (كفر كنّا، قانا، طبريا، جبل الكرمل)، وجنوب لبنان (صيدا وصور). وفي هذه المرحلة، بلغت دعوته، مرحلة النضج. أما المرحلة الثالثة، فهي التجوال في القدس، وبرية بيت لحم والخليل، وأريحا، وبلاطة نابلس. أما المرحلة الأخيرة، فهي محاكمة المسيح في القدس، وقرار كهنة الطائفة اليهوية بصلبه، وتهرُّب بيلاطس البُنطي، الحاكم الروماني من تنفيذ القرار، كذلك تهرُّب هيرود أنتيباس الأدومي، حاكم الجليل من القرار، لهذا تُرك أمر تنفيذ الصلب لرعاع الطائفة اليهويَّة، فقتلوه، حسب ما تقول العقيدة المسيحية، ودفن في القدس. أمّا ما بعد الدفن، فهي رواياتٌ سردها تلامذةُ المسيح عنه بطرق مختلفة أحياناً، ومتفقة أحياناً أخرى. ولم يشهد أيٌّ من هؤلاء التلاميذ، عملية الصلب عن قرب في القدس، وإنما تناقلوا رواية الصلب عن بعض النساء اللواتي قيل: أنَّهُنَ شهدن العملية، وأشهرهنّ: مريم المجدلية.

– هذه صورة المسيح في رأسي، وتصوّراتي لتاريخه المختلط بالسرد الأدبي. أما صورة المسيح (عيسى بن مريم) في القرآن، فهي تعبيرٌ عن جدل القرآن مع النصارى، حول إنجيل عيسى، الذي يقول القرآن، أنه تمَّ تحريفه، حيث نفى القرآن عقيدة التثليث، وعقيدة الصلب، وعقيدة القيامة. وفهمت من القرآن، أنَّ هناك عقيدة في (إنجيل عيسى)، مختلفة عن فهم النصارى لهذا الإنجيل، الذي يقول القرآن إنه متطابق مع عقيدة التوحيد الإسلامية، حيث أن الإيمان بإنجيل عيسى الأصلي، هو جزءٌ من الإيمان الإسلامي. ومعنى ذلك، حسب فهمي، أنَّ (إنجيل عيسى)، يتناقض مع (إنجيل النصارى)، الذين أقاموا في (الكرمل)، جنوب شرق الخليل.

صورة المسيح في الأناجيل الأربعة

تُجمع الكنائس المسيحية على أنَّ أسس العقيدة المسيحية، موجودة في الأناجيل الأربعة: (مرقس، متّى، لوقا، يوحنّا)، إضافة لأعمال الرُسُل، وبعض رسائل بولس، مثل: (رومة، كورنثوس الأولى، كورنثوس الثانية، وغلاطية). وهناك رسائل أخرى، وأسفار أخرى، تأتي من حيث الأهمية في الدرجة الثانية، حسب بعض الباحثين. والرأي السائد، حسب كمال الصليبي، هو أنَّ: (الأناجيل، كُتبتْ قبل العام 70م، وانتهت كتابتها مع نهاية القرن الأول الميلادي، أو بداية القرن الثاني الميلادي). أمّا رسائل بولس، فقد كُتبتْ، قبل وفاته عام 67م، فهي أقدم من الأناجيل. ولم يكن بولس، قد رأى المسيح. ومعنى الإنجيل، هو: الخبر الجيّد، أو (البشارة)، وهي كلمة يونانية (euangelion)، كما يقول كمال الصليبي (البحث عن يسوع: ص 12 – 13).

  1. 1. المسيح في إنجيل متّى: لقد قيل إنَّ الأناجيل، هي سردٌ أدبي، إيماني، وليس له علاقة بالتاريخ. ونحن هنا لا نبحث في المعتقدات المسيحية، وإنما (نبحث عن رائحة التاريخ في السرد الأدبي لرواة الأناجيل)، وهو أمرٌ ممكن، قياساً على البحث عن التاريخ في الأسطورة، والموروث الشعبي، إذْ لا يمكن إلاَّ أن نشُمَّ رائحةً ما للتاريخ والجغرافيا في السرد الأدبي للأناجيل. صحيح أنَّ ذلك يحتاج إلى غربلة، ونقاش نقدي، مع هذا يمكن أن نبدأ باستخلاص هذه الصورة من كل الأناجيل، دون أن نزعم أنه تاريخ مؤكَّد. يرسم (إنجيل متّى)، سيرة المسيح، كما يلي، علماً أنَّ (متى ويوحنّا، هما من تلاميذ المسيح، أما (مرقسن ولوقا)، فهما من معاوني الرسول بولس – (الصليبي: ص 12).

أولاً: يرى (متّى) أنَّ المسيح، ينتمي إلى (إبراهيم، وزَرُبابل)، وأنَّ يوسف، هو (رجل مريم، التي ولدت يسوع، الذي يُدعى المسيح).

ثانياً: كانت مريم مخطوبة ليوسف، فتبيَّن قبل أن تسكن معه، أنَّها حبلى من (الروح القدس)، وكان يوسف رجلاً صالحاً، فما أراد أن يكشف أمرها، فعزم على أن يتركها سرّاً. وبينما هو يفكر في هذا الأمر، ظهر له (ملاك الربّ) في الحلم، وقال له: يا يوسف، لا تخف أن تأخذ مريم امرأة لك، فهي حُبلى من الروح القدس، وستلد ابناً، تُسميه: يسوع. فجاء يوسف بامرأته إلى بيته، ولكنَّه (ما عرفها) حتى ولدتْ ابنها يسوع في بيت لحم (الجنوبية) في عهد الملك هيرودوس (الكبير).

ثالثاً: استدعى هيرودوس، بعض الفلكيين القادمين من المشرق (المجوس)، وطلب منهم البحث عن الطفل (المسيح) في بيت لحم، فوجدوا الطفل مع أُمّه مريم، لكنهم لم يرجعوا إلى هيرودوس، بل عادوا إلى الشرق.

رابعاً: أخذ يوسف الطفل وأمّه، وهرب إلى (مصر)، فأقاموا فيها حتى مات هيرودوس. وكان هيرودوس قد غضب من المجوس، فأمر بقتل كل طفل في بيت لحم وجوارها. وسمع يوسف أنَّ (أرخيلاوس)، أصبح ملكاً، بعد وفاة أبيه هيرودوس، وبما أنَّ بيت لحم كانت تابعة له، فقد لجأ إلى (الجليل)، وسكن في مدينة الناصرة.

خامساً: في تلك الأيام، جاء يوحنا المعمدان (يحيى بن زكريا)، يُبشّر في البريَّة (منطقة تقع بين أورسالم، وحبرون، والبحر الميت). كان يوحنا يلبس ثوباً من وَبَر الجِمال، وعلى وسطه حزام من جلد، ويقتات الجراد، والعسل البرّي، كما يقول متّى. وكان الناس يأتونه من أورسالم، وأريحا، وبيت لحم، وحبرون، وبئر السبع، وكل الأرجاء المحيطة بنهر الأردن، حيث يستمع لهم، ويلقي عليهم النصائح. وزاره من أبناء الطائفة اليهوية، الفرّيسيّون، والصدوقيون، فخاطبهم بوصفهم: (يا أولاد الأفاعي)، وأضاف: (أنا أُعمّدكم بالماء من أجل التوبة، وأما الذي يجيء بعدي، فهو أقوى مني، هو يعمّدكم بالروح القدس والنار)، أي أنه يعني مجيء المسيح. جاء المسيح إلى نهر الأردن، وتعمَّد على يدي يحيى بن زكريا (المعمدان). ثمَّ تمَّ اختبار المسيح بالتجربة في البريَّة بالصوم أربعين يوماً: (ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان).

سادساً: سمع المسيح، بخبر اعتقال يوحنا المعمدان من قبل السلطة الرومانية الحاكمة، فرجع إلى الجليل، وسكن في (كفر كنا). وهنا بدأت الدعوة والتبشير لأفكاره. فانتشر صيته في سورية كلها، فتبعته جموع كبيرة من (الجليل، والمدن العشر، وأورسالم، وعبر نهر الأردن، وبيت لحم، وحبرون، وأريحا). وهناك إشارات واضحة إلى ركوب المسيح لقارب في بحيرة طبريا، حيث كان يقطع البحيرة بالقارب جيئة وذهاباً أثناء تجواله. وكان المسيح، قد أرسل تلاميذه الاثني عشر للدعوة في فلسطين، لكنَّه أوصاهم: (لا تقصدوا أرضاً وثنية، ولا تدخلوا مدينة سامريَّة)، بسبب امتزاج السامريين بالوثنيين الكنعانيين الفلسطيين. وأوصاهم، بأنه إذا اضطهدهم الحكّام في مدينة، فليتركوها إلى غيرها. وبعد أن أتمَّ المسيح وصاياه لتلاميذه، خرج يُبشّر في المدن المجاورة. وتحدث للجموع عن يوحنا المعمدان وفضائله: (الحق أقول لكم: ما ظهر في الناس أفضل من المعمدان). وانتقد المدن غير التائبة: (كورزين، بيت صيدا، وكفر ناحوم). وقد ورد في كلامه اسم (بعل زبول)، بصفته رئيس الشياطين، وهو أحد آلهة الكنعانيين.

سابعاً: بعد إحدى جولاته التبشيرية، عاد إلى (الناصرة)، وأخذ يلقي الدروس، حيث يرد وصف المسيح بأنه (ابن النجّار)، وإخوته هم: يعقوب، ويوسف، وسمعان، ويهوذا، وقد رفضه أهل الناصرة، فقال: (لا نبيَّ بلا كرامة، إلاَّ في وطنه وبيته). وفي إحدى جولاته في نواحي صور وصيدا، عالج ابنة امرأة، وصفها متّى بأنها: (كنعانية). كما أنه في الجليل، زار (مجدان = مجدل)، التي وصل إليها بوساطة القارب عبر البحيرة. وكان بطرس، أحد تلامذة المسيح، قد سافر للدعوة إلى (قيسارية فيلبُّس). ولأول مرَّة، تحدث المسيح لتلاميذه عن (موته وقيامته). لهذا يجب أن يذهب إلى أورسالم. ثمّ تحدث مرَّة ثانية، وثالثة، حيث قال: (سيسلَّم ابن الإنسان إلى رؤساء الكهنة ومعلمّي الشريعة (اليهوية)، فيحكمون عليه بالموت، ويُسلّمونه إلى أيدي الغرباء، فيستهزئون به ويجلدونه، ويصلبونه، وفي اليوم الثالث يقوم. وها نحن صاعدون إلى أورسالم). وجاءت إليه أُمّ يعقوب، ويوحنا، ابني زبدي. ثمَّ زار أريحا، ولحقته جموع كثيرة. ويروي (متّى) أيضاً، بأن الفريسيين، وهم فرعٌ من الطائفة اليهوية، سألوه عن مدى شرعية دفع الجزية، للقيصر الروماني، فقال لهم: (ادفعوا إلى القيصر ما للقيصر، وإلى الله ما لله). وخاطب أورسالم: يا قاتلة الأنبياء، وراجمة المرسلين إليها). وتنبَّأ المسيح، بخراب الهيكل (هيكل هيرود الأدومي) في أورسالم: لن يُترك هنا حجرٌ على حجر، بل يُهدَّم كلُّه). ثم ذهب مع تلاميذه إلى (جبل الزيتون). ثمَّ جاء إلى مكان، اسمه (جتسيماني = معصرة الزيتون)، وقال: (جاءت الساعة، التي فيها يُسلَّمُ ابن الإنسان إلى أيدي الخاطئين). وبينما يسوع يتكلَّم، وصل يهوذا الأسخر يوطي، أحد التلاميذ الاثني عشر، على رأس عصابة كبيرة تحمل السيوف والعصي، أرسلها رؤساء الكهنة، وشيوخ الطائفة اليهوية. وكان يهوذا قد اتفق مع العصابة، على أنَّ (الشخص الذي أُقبّلهُ، أمسكوه، فهو المسيح). وهكذا اعتقل المسيح، ويختم (متّى) بالقول: (فتركه التلاميذ كلُّهم، وهربوا).

ثامناً: يقول متّى، بأن الذين اعتقلوا المسيح، أخذوه إلى (قيافا: رئيس الكهنة)، حيث كان الكهنة مجتمعين في دار رئيس الكهنة. وتبعه بطرس عن بعد، وقعد مع الحرس. ووجّهتْ إليه تهمة (التجديف)، فبصقوا في وجه يسوع ولطموه، ومنهم من لكَمَهُ. وحين سُئل بطرس من قبل جارية: (أنت أيضاً كنت مع يسوع الجليلي)، فأنكر ذلك، قال: لا أعرف هذا الرجل، لكنهم عرفوه من لهجته الجليليَّة، فكرّر بطرس أنه لا يعرف هذا الرجل، عندئذ صاح الديك، فتذكر بطرس قول يسوع: (قبل صياح الديك، تنكرني ثلاث مرّات)، فخرج بطرس، وبكى بكاءً مُرَّاً. وفي اليوم التالي، تشاور الكهنة وشيوخ الطائفة اليهوية على يسوع من أجل قتله. ثمَّ قيّدوه، وأخذوه وأسلموه إلى الحاكم بيلاطس. ونصحت (زوجة بيلاطس) زوجها، أن لا يمسَّ هذا الرجل الصالح. فسأل بيلاطس، رعاع الطائفة اليهوية، فصاحوا جميعاً: (أصْلُبهُ، أُصلبه). فقال بيلاطس: (أنا بريءٌ من دم هذا الرجل، دبّروا أنتم أمره)، فأجابوا: دمه علينا وعلى أولادنا. وهكذا قام بيلاطس الحاكم الروماني، بتسليم المسيح لرعاع ورؤساء كهنة الطائفة اليهوية، لكي يصلبوه. أخذ جنود الحاكم، المسيح إلى خارج أورسالم، في مكان يدعى (الجلجثة)، فصلبوه، واقترعوا على ثيابه، واقتسموها. وعند الظهر صرخ يسوع بصوت عظيم: (إلهي، إلهي، لماذا تركتني!!)، وصرخ صرخة ثانية، صرخة قوية، وأسلم الروح. وكانت هناك نساءٌ ينظرن عن بُعد، وهنَّ اللواتي، تبعن يسوع من الجليل، ليخدمنه، فيهنّ: (مريم المجدلية، ومريم أمّ يعقوب ويوسف، وأُمّ ابني زبدي). وجاء عند المساء، رجلٌ غنيٌّ من (الرامة)، التي تقع على بعد 35 كم إلى الشمال الغربي من أورسالم، وأخذ جسد يسوع، ووضعه في قبر جديد، كان حفره لنفسه في الصخر. ثمَّ دحرج حجراً كبيراً على باب القبر، ومضى. وكانت مريم المجدلية، ومريم الأخرى، جالستين قرب القبر. وجاء حرس بيلاطس، فأقاموا حرساً على القبر. ولما طلع فجر الأحد، جاءت مريم المجدلية، ومريم الأخرى لزيارة القبر، فهبط (ملاك)، وقال لهما: لقد قام يسوع من بين الأموات، وها هو يسبقكم إلى الجليل، وهناك ترونه). ذهبت المرأتان إلى التلاميذ، تحملان الخبر، فلاقاهما يسوع، وقال: (لا تخافا، اذهبا وقولا لإخوتي أن يمضوا إلى الجليل، فهناك يرونني). وعندما لم يجد كهنة الطائفة اليهوية، جثمان المسيح، أشاعوا بأنَّ (تلاميذ يسوع، جاءوا ليلاً، وسرقوه، ونحن نائمون). فانتشرت الرواية بين أتباع الطائفة اليهوية. وأوصى المسيح، تلاميذه، بأن يذهبوا إلى الجليل: (تلمذوا جميع الأمم).

  1. 2. المسيح في إنجيل مرقس: يبدأ مرقس، سرديته، بتعميد المسيح في نهر الأردن على يدّ يوحنا المعمدان، مباشرةً، دون الإشارة إلى سرديات ميلاد المسيح في بيت لحم، ولا تهريبه إلى مصر، وهو يقول بأن يسوع جاء من الناصرة إلى نهر الأردن من أجل التعميد، وأقام في البريَّة (شرق بيت لحم، وحبرون)، أربعين يوماً ليخوض التجربة. وبعد اعتقال المعمدان، جاء يسوع إلى الجليل (يعلن البشارة). وهناك التقى على شاطئ طبريا، (سمعان وأندراوس، ويعقوب ويوسف، ابني زبدي)، وجاؤوا جميعاً إلى كفرناحوم (تلّ الحوم حالياً).

أولاً: يذكر مرقس أنَّ المسيح، وهو يمارس تجواله، عند بحيرة طبريا (بحر الجليل)، تبعه جمهور كبير من أورسالم، وبيت لحم، وحبرون وأدومية، وعبر الأردن، ونواحي صور وصيدا. وكانت حبرون تتبع أدومية. واتهمته الطائفة اليهوية بالعلاقة مع (بعل زبول)، (إله كنعاني). وكان ردّ يسوع عليهم: (كلُّ خطيئة، وكلُّ تجديف، مهما كان، يغفرهما الله للناس، وأمّا من جّدَّفَ على الروح القدس، فلا مغفرة له أبداً).

ثانياً: يروي مرقس أنَّ (أُمّ يسوع، وإخوته)، وأخواته، جاءوا يسألون عنه، فقال: مَنْ هي أمّي، ومن هم إخوتي. ونظر إلى الجالسين حوله، وقال: هؤلاء هم أمّي وإخوتي، لأنَّ من يعمل بمشيئة الله هو أخي وأختي وأمّي).

ثالثاً: اختار المسيح، تلاميذه الاثني عشر، وهم (سمعان (بطرس)، ويعقوب، ويوحنا، ابني زبدي، وأندراوس، وفيلبُّس، وبرثولوماوس، ومتّى، وتوما، ويعقوب بن حَلْفي، وتدَّاوس، وسمعان الوطني الغيور، ويهوذا أسخريوط).

رابعاً: يسرد مرقس قصة يوحنا المعمدان على النحو التالي: كان هيرود أنتيباس (ابن هيرود الكبير)، قد أمسك يوحنا وأدخله في السجن، بسبب (هيروديا)، التي تزوجها، وهي امرأة أخيه فيلبُّس (وهو غير فيلبُّس الذي حكم قيسارية فيلبُّس)، فاعترض المعمدان، لأنه، لا يحلُّ له الزواج من امرأة أخيه. وكانت هيروديا ناقمة على المعمدان. وكان هيرود أنتيباس، يحمي المعمدان، لأنه رجل صالح قدّيس. أقام هيرود، احتفالاً، فدخلت هيروديا ورقصت، فأعجبت هيرود والمدعوّين. فقال هيرود (حاكم الجليل): اطلبي ما شئت، فأعطيك، فخرجت وسألت أمّها، فأجابتها: رأس يوحنا المعمدان. فحزن هيرود كثيراً، لكنه أمر الحارس أن يذهب إلى السجن، ويقطع رأس المعمدان، ففعل، حيث جاء به إلى الفتاة، فحملته إلى أمّها. وبلغ الخبر تلاميذ يوحنا، فأخذوا جثته، ودفنوه في قبر.

خامساً: يروي مرقس قصة شفاء ابنة المرأة الكنعانية، وهي من أصل سوري فينيقي (كنعاني)، كما يقول: حدث ذلك في صور، وعاد يسوع إلى بحر الجليل، عبر أراضي المدن العشر، مارّاً بصيدا. وفي إحدى جولات يسوع، ذهب مع تلاميذه إلى قرى قيصرية فيلبُّس (قرب منابع نهر الأردن، وهي: بانياس).

سادساً: ذهب يسوع مع تلاميذه إلى أورسالم، ووصلوا إلى: (بيت فاجي: قرية تقع على سفح جبل الزيتون الشرقي)، و(بيت عَنْيا: قرية قريبة من فاجي)، عند (جبل الزيتون. ثمَّ يسرد مرقس، وصولهم إلى (أورسالم): (وجاءوا إلى أورشليم، فدخل الهيكل، وأخذ يطرد الذين يبيعون ويشترون فيه. وقلب يسوع، مناضد الصيارفة، ومقاعد باعة الحمام، ومنع كلّ من يحمل بضاعة، أن يمرّ من داخل الهيكل). وسمع الكهنة بذلك، فتشاوروا لقتله. وعند المساء خرج المسيح وتلاميذه من المدينة. وأقام في جبل الزيتون.

سابعاً: يسرد مرقس قصة اعتقال المسيح، وتواطؤ يهوذا الاسخريوطي مع رؤساء كهنة يهوه، من أجل تسليم المسيح، حيث أُخذ يسوع إلى رئيس الكهنة. واجتمع رؤساء الكهنة، والشيوخ، والمعلمون اليهويون، وهيَّجوا رعاع الطائفة ضدَّ المسيح، الذين صاحوا أمام بيلاطس الحاكم الروماني، بضرورة صلبه. ونُفّذ الصلب. أما النساء اللواتي شاهدن عملية الصلب (عن بُعد)، فهُنَّ: (مريم المجدلية، ومريم أم يعقوب الصغير، ويوسي، وسالومة)، وغيرهن كثيرات صعدن معه إلى أورسالم.

ثامناً: دفن المسيح. وفي صباح الأحد، جاءت مريم المجدلية، ومريم أم يعقوب، وسالومة إلى قبر يسوع، وهنا أخبرهن شابٌّ، أن المسيح قد (قام). ثمَّ يسرد مرقس قصصاً عن ظهور المسيح لمريم المجدلية، وتلاميذه، وبعدما كلّم يسوع تلاميذه، (رُفع إلى السماء).

  1. 3. المسيح في إنجيل لوقا: يسرد لوقا، أولاً قصة زكريا وزوجته اليصابات، وكيف (بعد العُقم)، ولد لهما طفلٌ أسمياه (يوحنا). وحين كانت اليصابات في شهرها السادس، بشَّر (الملاك)، عذراء اسمها مريم، تقيم في بلدة الناصرة، كانت مخطوبة لرجل اسمه يوسف، بشَّرها بولادة ابن، تسميه يسوع. فاعترضت مريم قائلة: (كيف يكون هذا، وأنا عذراء، لا أعرف رجلاً)، فقال لها: (الروح القدس يحلُّ عليك، قريبتك اليصابات، حبلى بابن في شيخوختها، وهذا هو شهرها السادس، رغم أنها كانت عاقراً). قامت مريم، وأسرعت إلى مدينة في الجبال الجنوبية، (جنوب أورسالم)، ودخلت بيت زكريا، وسلَّمت على اليصابات، وأقامت عند اليصابات، نحو ثلاثة أشهر، ثمَّ رجعت إلى بيتها. وعندما ولد يوحنا المعمدان: (انفتح فمه في الحال، وانطلق لسانه، فتكلَّم، فملأ الخوف جميع الجيران). وكبر الطفل، وأصبح رجلاً، فأقام في البريَّة، حيث جاءته (كلمة الله)، فجاء إلى جميع نواحي نهر الأردن، يدعو الناس إلى معمودية التوبة. وبشَّر يوحنا بقدوم المسيح: (يجيء الآن من هو أقوى مني)، لكنَّ يوحنا وبَّخ هيرود أنتيباس، حاكم الجليل، فحبس يوحنا المعمدان.

أولاً: في تلك الأيام – يقول لوقا – أمر قيصر روما أوغسطوس (29 ق.م – 14 ب م)، بإحصاء سكّان الامبراطورية. وجرى هذا الإحصاء الأول، في عهد كيرينيوس، حاكم سورية الروماني: (فذهب كل واحدٍ إلى مدينته ليكتتبَ فيها)، كما يقول لوقا. وصعد يوسف من الجليل (الناصرة) إلى بيت لحم (الجنوبية)، ليكتتب مع خطيبته مريم، وكانت حبلى. فولدت في بيت لحم، (ابنها البكر)، وقمَّطته، وأضجعته في مِذْود، لأنه لم يكن هناك مكان في الفندق. وجاء (الرعاة من البريَّة)، إلى بيت لحم، فوجدوا مريم، ويوسف، والطفلَ مضطجعاً في المِذودْ، فسبَّحوا الله. ولمّا بلغ الطفل يومه الثامن، وهو يوم ختانه، سُميَّ: يسوع. ثمَّ زار والداه (مريم ويوسف)، أورسالم، وعادا إلى الجليل. ثم رجعا به في سنّ الثانية عشرة إلى أورسالم، لحضور العيد، وعادوا إلى الناصرة. ثمَّ تعمّد في نهر الأردن على يدي يوحنا المعمدان.

ثانياً: يقول لوقا بأن يسوع بدأ رسالته، عندما كان في الثلاثين من عمره. وبعد أن أنهى معموديته في نهر الأردن، دخل في تجربة الاختبار التأملية في البريَّة، وفي أورسالم. وعاد إلى الناصرة، (حيث نشأ)، وبدأت دعوته. ويرد اسم مدينة (نايين) التي تقع في جنوب غربي الجليل، حيث حدثت إحدى معجزاته.

ثالثاً: يقول لوقا: وجاء إلى يسوع، أُمُّهُ وإخوته، فقال المسيح: (أمّي وإخوتي، هم الذين يسمعون كلام الله، ويعملون به). وعندما حان الوقت الذي يرتفع فيه إلى السماء، أراد زيارة أورسالم، فأرسل رسله إلى (قرية سامرية) من أجل تجهيز منزل له، فرفض أهلها أن يقبلوه، لأنه كان متوجهاً إلى أورسالم. فساروا إلى قرية أخرى. وبينما هم سائرون في القرى، وصلوا إلى قرية، فرحَّبت امرأة اسمها (مرتا) بيسوع. وكان لها أخت اسمها: مريم. ويكرر لوقا، قصة طرد يسوع للباعة في الهيكل، حيث قال: (بيتي بيت الصلاة، وأنتم جعلتموه مغارة اللصوص)، لهذا تنبأ بخراب هيكل هيرودوس، كما يقول لوقا، كما تنبَّأ بموته، أثناء (العشاء الأخير): (هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي الذي يُسفك من أجلكم).

رابعاً: صلَّى يسوع (كعادته) في جبل الزيتون: (صلّوا لئلا تقعوا في التجربة). واعتقل يسوع من قبل عصابة يهوذا الاسخر يوطي، أحد تلامذته. وأنكره بطرس ثلاثا. وقال بيلاطس الروماني، لرؤساء الكهنة: (لا أجد جُرْماً على هذا الرجل). ولما عرف بيلاطس أن المسيح من الجليل، أرسله إلى هيرودوس أنتيباس، الذي كان موجوداً في أورسالم. فلما رأى هيرود، المسيح، فرح كثيراً، لأنه كان يرغب في التعرف إليه، لكنَّ هيرود انقلب عليه بعد التحقيق معه، حيث رفض المسيح الإجابة، فأرجعه هيرود إلى بيلاطس. وكان على ما يبدو أنَّ (هيرود وبيلاطس)، يرغبان في إخلاء سبيله، لكن رؤساء الكهنة، رفضوا ذلك، فصلبوه وقتلوه، ودفن في قبر في الصخر. أما النساء اللواتي شهدن الصلب ورأين القبر، فهنَّ، حسب لوقا: (مريم المجدلية، وحنَّة، ومريم أم يعقوب)، وهُنَّ من أخبرن التلاميذ، بقيامة المسيح من القبر. وهنا يضيف لوقا، قصة لقاء يسوع باثنين من التلاميذ، في (بلدة عمواس)، قرب أورسالم، بعد قيامته، وعودتهما إلى أورسالم، حيث كان الرُسُل الأحد عشر، مجتمعين، وفجأة ظهر المسيح بينهم، وقد ظنوه شبحاً، ونصحهم بالإقامة في مدينة (أورسالم). ثمَّ خرج مع تلاميذه إلى قرية (بيت عنيا)، قرب القدس، ومن هناك، رُفع إلى السماء.

  1. 4. المسيح في إنجيل يوحنّا: يبدأ يوحنا في إنجيله، بشهادة يوحنا المعمدان، وقصص التعميد في نهر الأردن، قرب بيت عَنْيا، الواقعة شرق النهر، (وهي غير بيت عنيا، القريبة من القدس). ونتعرف إلى أنَّ فيلبُّس، أندراوس، بطرس، تلاميذ المسيح، هم من قرية (بيت صيدا). ثمَّ يذكر يوحنا قصة (عرس قانا) الجليل، حيث حوَّل المسيح، الماء إلى خمر. وقد حضرت (أمّ يسوع) هذا العرس. ثمَّ ذهب يسوع بعد ذلك، ومعه (أمَّه، وإخوته، وتلاميذه) إلى كفر ناحوم. كما يروي يوحنا، قصة طرد الباعة من هيكل أورسالم: (ورأى في الهيكل باعة البقر والغنم والحمام، والصيارفة، جالسين إلى مناضدهم)، لأنَّ بيت الله، لا يجوز أن يتحول إلى (بيت للتجارة). ثم ذهب يسوع مع تلاميذه إلى بيت لحم، وحبرون، وأريحا، فأقام فيها معهم، وأخذ (يُعمّد) الناس. وكان يوحنا المعمدان، يعمّد أيضاً في (عين نون)، بالقرب من (ساليم)، لكثرة الماء، وذلك قبل أن يتم سجنه، حسب إنجيل يوحنا. وتقع عين نون، وساليم، شمال شرق نابلس. ونعرف من هذا الإنجيل، أنَّ السامريين، لا يخالطون اليهويين. كما يسرد يوحنا، قصة (المرأة الزانية)، التي أحضرها الفريسيون لرجمها، فقال لهم يسوع: (من كان منكم بلا خطيئة، فليرمها بحجر). وأطلق سراحها. كما يروي إنجيل يوحنا، معجزة إحياء (لعازر)، شقيق مريم، ومرتا من قرية بيت عَنْيا، بعد أن دُفن في التراب، قبل أربعة أيام.

ثمَّ يسرد يوحنا، قصة اعتقال المسيح، وصلبه وموته، وقيامته. فقد خرج يسوع مع تلاميذه عَبْرَ (وادي قدْرون)، وكان هناك بستان، فدخله هو وتلاميذه. وكان يهوذا الإسخريوط يعرف هذا المكان، فجاء مع جنود وحرس أرسلهم رؤساء الكهنة. فاعتقل يسوع، واقتيد إلى (حنان)، وهو حمو قَيافا، رئيس الكهنة، الذي أرسله إلى قيافا، ثمَّ إلى قصر الحاكم بيلاطس، وقد حاول إخلاء سبيله في مكان القضاء: (البلاط)، وكان ذلك يوم جمعة، لكن الكهنة رفضوا، وطالبوا بصلبه، حيث تمَّ الصلب في مكان يدعى (الجُلجثة)، وهي إحدى تلال أورسالم. وكان في الموضع بستان، وقبر جديد، دُفن فيه. وفي يوم الأحد، ذهبت مريم المجدلية إلى القبر، فوجدت الحجر مرفوعاً عنه، فعادت إلى التلاميذ، وقالت لهم: (أخذوا يسوع من القبر، ولا نعرف أين وضعوه). ثمّ جاء التلميذان (بطرس، وتلميذ آخر)، إلى القبر، فوجدا أن جسد المسيح، ليس في القبر. ثم ظهر المسيح لاحقاً لمريم المجدلية، والتلاميذ، وحضر مرة أخرى، وكان توما التلميذ، موجوداً. وظهر أيضاً لسبعة من تلاميذه على شاطئ بحيرة طبريا: (سمعان بطرس، وتوما التوأم، ونثنائيل الذي من قانا، وابني زبدي، وتلميذين آخرين).ول\

مصادر ثقافة المسيح: هل كان:

نصرانياً، أم أسينياً، أم يَهْوياً، أم غنوصياً!!

يقول (فؤاد بطاينة) في كتابه: (شيطانية الأسفار)، ما يمكن تلخيصه بما يلي:

أولاً: إنَّ مصطلح (اليهود/ Jew)، ومصطلح (اليهودية/ Judaism)، هما مصطلحان حديثان، ولا وجود لهما في التاريخ الديني التوراتي، أو المسيحي، ولا في التاريخ السياسي لدول الرافدين، أو اليونان، أو الرومان. ولم تظهر كلمة (JEW) على الإطلاق في أية مناسبة أو وثيقة أو كتاب بأية لغة، قبل (عام 1775م). حتى شكسبير لم يذكرها في مسرحيته (تاجر البندقية)، بل استخدم كلمة (iewe) في عبارته: (What is the reason Iam a iwe,hath not a iewe eyes). وكانت في فلسطين في فترة (حياة المسيح)، مقاطعةً تحت حكم الرومان، حيث كانت تُسمّى آنذاك: (iudaea) باللاتينية، وتلفظ (ee – oo – dah)، أي: (إيودا). وكان السيّد المسيح، مواطناً فلسطينياً (إيودياً)، أي أنه مواطن، ينتمي إلى (iudaea = فلسطين)، وبانجليزية اليوم، هي (Judean)، بمعنى أن هذه الكلمات تعني: مواطن تلك المنطقة، التي تسمى فلسطين، فهي ذات دلالات (جغرافية فقط)، تطلق على كل مواطني فلسطين الكنعانيين الفلسطينيين. ولم تكن خلال حياة المسيح، أية ديانة، أو معتقد باسم: (Judaism).

ثانياً: ظهرت طبعة الكتاب المقدس، الإنجليزية، عام 1611م في عهد الملك جيمس السادس، منقولة عن طبعة (Wiclif) عام 1380م، حيث ظهر لأول مرّة مختصر (iew = إيو) للدلالة على المسيح، المواطن في مقاطعة فلسطين. وبقي الأمر هكذا، حتى القرن الثامن عشر، حيث ظهرت كلمة (Jew)، لأول مرّة (عام 1775م) في طبعتين منقحتين بالانجليزية للكتاب المقدس.

ثالثاً: لم يكن في أيام السيّد المسيح في فلسطين (جوديا) ولا في أي مكان آخر، جماعة تسمى (يهود – JEWS)، لا عرقا ولا جنسية، ولا ديانة. بل كانت في أيامه، ديانات وثنية، مثل: الفريسيَّة. وهذا ما يؤكده الرابيان (هايمن إنلو، وأدولف موسى)، في كتابهما: (عبادة يهوه عند العبرانيين، 1903)، فقد ورد فيه حرفياً ما يلي: (ابتكر جوزيف فلافيوس مصطلح (iudaismus) في القرن الأول الميلادي، ليقابل به مصطلح الهللينية (Hillinism)، كمصطلح يدلُّ على حضارة بلد وأمَّة معينة بلغتها وآدابها وسلوكها ونمط معيشتها وعلومها)، أي كمقارنة بين حضارة فلسطين أو جوديا، بالحضارة الإغريقية، وليس بصفتها (ديانة!!)، وتمَّ تحريف مصطلح جوزف فلافيوس، في العصور الحديثة (القرن التاسع عشر م) إلى: (Judaism)، للدلالة على أمر آخر، وهو الديانة اليهودية.

رابعاً: اليهويَّة، معتقدٌ وثني، يتكأ على (أسفار شريعة موسى)، وقد مارسه (الفريسيون)، وهي طائفة عبدة الإله يهوه، فالمعنى الحقيقي لحركتهم الفريسية، هو: الانعزال والعنصرية، لأنَّ كلمة الفريسيين، مشتقةٌ من الآرامية، وتعني: المنشقين، المعتزلة. وكانوا ألدّ أعداء المسيح، الذين وصفهم بأنهم (قتلة الأنبياء)، ووصفهم يوحنا المعمدان بـِ (أولاد الأفاعي) – (فؤاد بطاينة: ص: 332 – 341 + 371 – 372).

– أمّا (عباس محمود العقّاد) في كتابه (حياة المسيح)، فيشير إلى أنَّ (الطائفة الأسينيَّة) في خربة قمران (مخطوطات البحر الميت)، قد تكون هي التي (كان يلوذ بها السّيد المسيح، ويوحنا المعمدان: ص: 18)، وأنَّ اسم المسيح، جاء من شعائر (المَسْحْ بالزيت المبارك). وقد قدّر القدماء، عدد أفراد الطائفة الأسينية بأربعة آلاف، يعيش أكثرهم في جنوب فلسطين: (ص: 47). ويقدر العقاد، سنة ميلاد المسيح في نحو (السنة الخامسة، أو السادسة، ق.م: ص: 98). ويقول العقَّاد بأنَّ من أقدم الصور الوصفية، التي حفظت للسيد المسيح، صورةٌ تداولها المسيحيون في روما في القرن الرابع الميلادي، زعم رواتها، أنها مكتوبة بقلم (ببليوس لنتيلوس)، صديق بيلاطس، وأنَّ بيلاطس رفعها إلى مجلس الشيوخ الروماني، والعقاد يُشكك في صحّتها، وفيما يلي نصُّها، (ص: 112):

(إنه في هذا الزمن، ظهر رجلٌ له قوى خارقة، يُسمّى (يسوع)، ويدعوه تلاميذه بإبن الله. وكان للرجل سمتٌ نبيل، وقوامٌ بَيِّنُ الاعتدال، يفيض وجهه بالحنان والهيبة معاً، فيحبُّه من يراه ويخشاه. شعره كلون الخمر، منسرح غير مصقول، ولكنَّه في جانب الأذن، أجعد لمَّاع، وجبينه صلت ناعم، وليس في وجهه شية، غير أنه مشرب بنضارة متوردة، وسيماه كلها صدق ورحمة، وليس في فمه ولا أنفه ما يُعاب، وعيناه زرقاوان تلمعان مخيفٌ إذا لامَ، أو أنَّب، وديع محبَّب إذا دعا وعلَّم، لم يره أحدٌ يضحك، ورآه كثيرون يبكي، وهو طويل له يدان جميلتان مستقيمتان، وكلامه متزنٌ رصين لا يميل إلى الإطناب، وملاحته في مرآه، تفوق المعهود في أكثر الرجال). ولم يذكر العقاد (كعادته)، المراجع التي استقى منها معلوماته. ويبدو أن هذا الوصف للمسيح، هو محاولة لجعله (روماني الهيئة)، فهو ليس إلاَّ (المسيح الروماني)، وليس المسيح الفلسطي الكنعاني الحقيقي، الذي ولد في بيت لحم، جنوب أورسالم. ثمَّ يقول العقاد: (اتفقت الأناجيل على أنه كان عظيم الأثر في نفوس النساء، يتبعنه حيث سار، ويصغين إليه في محبَّة ووقار: ص: 114)، وأنَّ (بدايات الدعوة)، لم تطل أكثر من ثلاث سنوات، قام بها: يوحنا المعمدان (يحيى المغتسل)، وعيسى بن مريم (المسيح). وكان المسيح متحركاً بين الناس، يمشي مع الصالحين والخاطئين، ويشهد الولائم والأعراس. وكانت شريعته، هي (شريعة الحبّ والضمير). أمّا كلمة (إنجيل)، فهي آرامية كنعانية، وليست يونانية (كما ذكر العقاد: ص: 206)، ومعناها: البشارة. ويقول العقَّاد أنَّ الأناجيل جميعاً، تعتمد على (نسخة آرامية مفقودة)، يشيرون لها بالحرف (q) = كيو، أي: الأصل. أمَّا (الأناجيل الموجودة الآن)، فقد كتبت، كما يقول العقاد باليونانية، ولوحظ في ترجمتها أنها تعتمد على نصوص آرامية، وأنَّ الأب فرار فنتون، يقول بأن (إنجيل يوحنا، هو أقدم الأناجيل)، وقد كتبه سنة (30 – 40 م). والترتيب المفضل عند المؤرخين أنَّ (إنجيل مرقس هو أقدم الأناجيل). وقد خرج السيد المسيح من العزلة إلى الرسالة، وأصبح له أكثر من ثمانين تلميذاً في الجليل. وقد بحث (ريشار هزباند) في كتابه (محاكمة المسيح)، تواريخ عيد الفصح، وتبيّن له أنَّه (يوم الخميس، سنة 30م، وكان يوم جمعة سنة 33م)، والأخبار تقول بأن المحاكمة والصلب، حدثا يوم الجمعة. أما تناول عشاء الفصح، فقد كان يوم الخميس، الموافق، 6/ 4/ 30م، أو يوم جمعة سنة 33م. ويقول عباس محمود العقَّاد بأنَّ هناك خبراً، لا يمكن إغفاله، وهو: (هناك ضريح في كشمير لنبي يدعى: (عوس آصاف)، يتناقل أهل كشمير عن آبائهم، أنه لنبيّ قدم إلى كشمير قبل ألفي سنة: العقّاد: ص: 227).

– يقول (جورجي كنعان) في كتابه: (والمسيح هو المشكلة)، ما يلي:

(القول بعودة المسيح أو مجيئه الثاني، ينقض المسيحية من جذورها، أو قُل يلغيها. لأنَّ المسيحية قامت على الاعتقاد بأنَّ (المجيء المنتظر، قد تمَّ): جاء يسوع (المسيح)، وسفك دمه لمغفرة الخطايا، فتمَّت (عملية الفداء)، ومنح المؤمنين به الخلاص، والحياة الأبدية – ص: 266). وفيما يلي مجموعة من الأفكار قدَّمها الباحث، نختصرها بما يلي:

أولاً: وهكذا فعل البطاركة الذين دوَّنوا سيرة يسوع الناصري الملقب بالمسيح، فقد أرادوا له ألاّ يموت، بل يتوارى عن الأرض لثلاثة أيام، ثم يعود إلى الحياة، كما حدث في (الأساطير الكنعانية): (دموزي، تموز، البعل، أدون)، كذلك، ماردوك، وأوزيريس المصري. وموت المسيح وانبعاثه ضروريان من أجل استمرار الحياة المتجددة. وهذا يعني أن الإيمان بالمسيح، هو الإيمان بالحياة المتجددة بعد الموت (الأبدية). وهكذا ورثت المسيحية، هذا المفهوم من المعتقدات الميثولوجية في العالم القديم. وهكذا يبدو لنا أنَّ البطاركة (الآباء) الذين صنعوا المسيحية، ركَّبوا ليسوع، صورةً ميثولوجية – (ص 61 – 63).

ثانياً: أراد آباء المسيحية الذين صاغوا صورة المسيح، أن يكون المخلّص، كائناً سماوياً، ينحدر من صلب الإله، ويتجسد في إهاب إنسان من رحم أُمّ عذراء، تماماً كما في الموروث القديم:

  1. بوذا الهندي (624 – 544 ق.م): أراد له قومه أن يولد في الخامس والعشرين من كانون الأول. وكان الحَبَلُ بلا دَنَس. كانت أمّه طاهرة ورعة، وأطلق الناس عليها، لقب (العذراء المقدَّسة)، و(ملكة السماء).

  2. كريشنا الهندي: وضعوا تاريخا لميلاده هو الخامس والعشرون من كانون الأول: حملت به أمُّه العذراء من الروح القدس.

  3. زرادشت الفارسي: حملت به أمُّه حَمْلاً إلهياً مقدساً.

  4. فيثاغورس: حملت به أمُّه العذراء من روح أبوللو: (ص: 67).

– وقد اتخذ أباطرة الرومان، لقب (الإله). وكان من كمال المديح للواحد منهم، القول بأنه، لم يولد من صلب إنسان، بل من إله. وهذا ما فعله (كما يقول الباحث) – الذين صنعوا المسيحية: ص: 68).

ثالثاً: على الرغم من تاريخية يسوع، فقد عمل يسوع (بطل الدرام الإلهي) أولاً، والتلاميذ ثانياً، والكنيسة ثالثاً، والمسيحيون أخيراً، على تجاوز التاريخية، وعلى التشبت بالتفكير الميثولوجي الذي كان في العالم القديم: ص: 78). وهكذا انتقلت إلى المسيحية: المعتقدات والطقوس الشرقية: الكنعانية، والمصرية، والفارسية إلى أقصى حدود العالم الروماني.

رابعاً: يبدو لنا – يقول الباحث – أنَّ الرجل (المسيح) كان من طائفة (الأسينيين)، الذين تلتقي تعاليمهم مع مفاهيم المسيح: (ص: 175). وكان هناك طائفة أخرى، هي: (الناصريون)، وهم فئة من النُسَّاك، ولم يذكر أصحاب الأناجيل، أي شكل من أشكال التنافر أو التناقض بين (يسوع)، وبين الناصريين، أو الأسينيين، أو الصدوقيين. ولكنهم أشاروا وفي أكثر من موضع إلى مآخذ (الفريسيّين) على يسوع، وإلى مآخذه عليهم. وفي زمن المحاكمة، (تركه التلاميذ كلهم، وهربوا: متى: 26: 47). ويبدو أن المسيح، ربَّما، تتلمذ على كهنة مصر، أو كهنة المجوس (كهنة زرادشت). لهذا، فإنَّ صورة (المسيح اليهودي)، رُكّبتْ تركيباً لدى كتبة الأناجيل في القرن الرابع الميلادي، بروما: ص: 253).

خامساً: قال (جيفرز – Jeffries)، ما يلي: (لقد استوطن الكنعانيون فلسطين منذ عصور ما قبل التاريخ، ومن الطبيعي أن عرب فلسطين اليوم، هم أحفاد تلك الأقوام، التي عمّرت فلسطين: تاريخاً وحضارةً منذ بداية التاريخ. وقد امتلك الكنعانيون، والفلسطينيون هذه البقعة من الأرض (فلسطين)، منذ ما قبل خمسة آلاف عام، ولم ينقطعوا عنها في يوم من الأيام حتى يومنا هذا: إنه أقدم امتلاك على ظهر الأرض، وأشدّ رسوخاً في التربة: ص: 7). وقال الكاتب الانجليزي (هـ. ج. ويلز): (لماذا إذاً، لا يُعاد تأسيس دولة كنعانية!: ص: 8) – (جورجي كنعان: والمسيح هو المشكلة). وباختصار، يُرجع جورجي كنعان، صورة المسيح، التي ركَّبها كتبةُ الأناجيل إلى الفكر الكنعاني، والرافديني، والفارسي، والهندي، (القديم)، ويرى أنه من طائفة النُسَّاك الزاهدين: فإمّا أن يكون (أسينياً)، وإما أن يكون (ناصرياً).

(المسيح، عام 2000 م):

هل كان تلحميّاً جنوبياً، أم نصراوياً، أم من جزيرة العرب!!

في عام 1999، أصدر كمال الصليبي (المؤرخ اللبناني)، كتابه (البحث عن يسوع: قراءة جديدة في الأناجيل). ونقدم فيما يلي قراءة مونتاجية لأهم أفكار الكتاب:

أولاً: يرى كمال الصليبي أنَّ (رسائل بولس، هي أهم المصادر للبحث عن حقيقة يسوع، تأتي بعدها الأناجيل الأربعة، كذلك كتابات المؤرخ (اليهودي!) يوسيفوس فلافيوس (توفي عام 100م)، ومقتبسات المؤرخ الكنسي يوسابيوس العسقلاني (توفي عام 339م). ويضيف: ومن العلماء من كان يأمل في العثور على معلومات من (مخطوطات البحر الميت) بشأن يسوع، وتاريخها يرجع إلى ما قبل زمن يسوع بقرن، وإلى ما بعده بنحو قرن، لكن الواقع أنه لم يُعثر حتى الآن على أي ذكر ليسوع، أو إشارة خفية له في مخطوطات البحر الميت: ص 14 – 15).

ثانياً: كتب بولس رسائله بين عامي 54 – و67م، مما يجعلها أقدم من الأناجيل الأربعة، فماذا يقول بولس:

  1. يقول بولس إنَّ يسوع كان من (بني إسراءيل)، وهو لا يُعرّفه بأنه كان يهودياً.

  2. يقول بولس إنَّ يسوع كان من نسل داود، من دون أي تعليق.

  3. يشير بولس إلى أن يسوع كان في الأصل (غنياً)، ثم (افتقر) من خلال سعيه للخير العام.

  4. قُتل يسوع إعداماً على الصليب بعد أن (أُسلم) إلى الذين قاموا بصلبه.

  5. مَثَل يسوعُ لدى محاكمته أمام بيلاطس البُنطي.

  6. يُحمّلُ (بولسُ) مسؤوليةَ قتل يسوع لليهود.

  7. التقى بولس بشقيق ليسوع اسمه يعقوب، وذلك خلال زيارتين قام بهما إلى أورشليم: ص 46 – 47).

ثالثاً: ثمَّ قرأ كمال الصليبي (الأناجيل الأربعة)، وقدَّم الاعتراضات التالية:

  1. الأناجيل الأربعة، تُجمع على أن والد يسوع كان يُسمّى: يوسف. وثلاثة من الأناجيل، تُسمي والدته باسم (مريم)، والرابع (يوحنّا)، مثل بولس – لا يعرّفها بأيّ اسم عند ذكرها، بل يشير إلى أنَّ (أختاً لها)، أي إحدى خالات يسوع، كان اسمها (مريم)، مما ينفي ضمناً كون مريم اسم والدة يسوع.

  2. إنجيلان فقط من الأناجيل الثلاثة التي تُسمي والدة يسوع (مريم)، تتحدث عن ولادته منها، وهي بعد عذراء (متى، لوقا). علماً بأنَّ هذين الإنجيلين يوردان نسب يسوع إلى (زرُبابل)، ثمَّ (داود)، مع الملاحظة أن هذا النسب لا يتفق مع القول بولادة يسوع من عذراء. ولا توجد في رسائل بولس، ولا في إنجيلي مرقس ويوحنا، لا توجد أية إشارة إلى ولادة يسوع من عذراء.

  3. الأناجيل الأربعة، مثلها مثل رسائل بولس، لا تعرّف يسوع بأنه كان يهودياً، بل جُلُّ ما في الأمر أنه خُتن وتربّى (حسب شريعة موسى: لوقا). وقد احتار اليهود في أمر يسوع من ناحية انتمائه الديني، حتى أن البعض اعتبره (سامرياً)، ولم يكن يسوع يُعمّد أتباعه بالماء، كما صار يفعل تلاميذه من بعده.

  4. كان يسوع في الأصل (غنيّاً) يتحدث عن الفقراء. وكان في حوزته (صندوق مال)، أوكله ليهوذا الإسخريوطي للإنفاق عليه وعلى الجماعة، مما يعني أنه لم يكن مُعْدماً.

  5. له أربعة أخوة، هم: يعقوب، سمعان، يوسي (حسب مرقس)، ويوسف حسب إنجيل متى، ويهوذا، وذلك عدا عن (الأخوات).

  6. تتفق الأناجيل الأربعة مع ما يقوله بولس عن (تسليم) يسوع، ومثوله أمام الوالي الروماني بيلاطس البنطي، وموته على الصليب، ومسؤولية اليهود عن ذلك، وهي المسؤولية التي يؤكدها المؤرخ اليهودي يوسيفُس.

  7. المصادر المتوافرة عن الملك هيرودوس، وعن عهده، لا تأتي على أي ذكر لقيامه بقتل جميع الذكور من أطفال (بيت لحم) وجوارها في أيّ وقت.

  8. لا بُدّ أنَّ (يسوع) في علاقته مع (الجليل)، ليس المقصود هو: (الجليل الفلسطيني) كمكان. وفي يقيني أنَّ هذا المكان هو (وادي جليل) بمنطقة الطائف من الحجاز، وكذلك (الناصرة)،حيث كان قد تربَّى، لم تكن في فلسطين، إذْ كان على يسوع أن يعبر وادي الأردن من ناحية الشرق إلى ناحية الغرب، حتى يتمكن من الوصول إلى الجليل، الذي بفلسطين: (ص: 47 – 56).

– ثمّ يقدّم كمال صليبي، سرديته الخاصة به على النحو التالي:

ولد يسوع المعرّف بـ (ابن النجّار)، والملقب بالناصري في مكان ما خارج أرض فلسطين، هو وادي جليل بمنطقة الطائف من الحجاز. وكان والده (يوسف) يُعتبر في دياره سليلاً لزَرُبابل، ومن ثمَّ صاحب الحق في المطالبة بعرش داود. وكان يوسف على جانب من الثراء. وُلد له بعد يسوع أربعة أولاد هم: يعقوب وسمعان ويوسي ويهوذا، عدا البنات. وعند وفاته انتقل حق المطالبة بعرش إسرائيل إلى يسوع. واقتنع يسوع بضرورة الذهاب من شبه جزيرة العرب إلى فلسطين للمطالبة بحق وراثته العرش، فخرج من دياره (مكة والطائف)، عام 28، أو 29م، قاصداً فلسطين، مصطحباً معه بعض الأنصار في عهد هيرودوس أنتيباس حاكم الجليل (4ق.م. – 39م). وحدث وجود داعية مُتنسّك في براري نهر الأردن يغسل أتباعه بالماء، وكان ينادي بقرب ظهور (المسيح المنتظر). وكان أول ما فعله يسوع عند وصوله فلسطين أنه قصد يوحنا، وتعمّد على يديه. ثم بدأ دعوته في الجليل. ثم أمر هيرود أنتيباس باعتقال يوحنا المعمدان، وسجنه، ثمَّ قتله. وقرر يسوع أن يجازف بمحاولة الدخول إلى أورشليم، لإعلان نفسه ملكاً على إسرائيل فيها. ودخل أورشليم مرتين، ثمّ اصطدم باليهود، ونتيجة لذلك، ألقي القبض عليه، وحوكم أمام كهنة اليهود، وحكم عليه بالإعدام على الصليب، ونفَّذ بيلاطس البنطي الروماني القرار – (ص: 61 – 66). وروايات الأناجيل تتفق بشأن محاكمة يسوع، والحكم على يسوع بالموت على الصليب حيث عمد كهنة اليهود إلى تحريض الشعب على مطالبة الوالي الروماني بصلبه. والكهنة هؤلاء، كانوا من السلالة (الصادوقية). وعندما ألقي القبض على يسوع، تركه جميع تلاميذه وهربوا، ولذلك لم يشهد أيٌّ منهم صلبه. وتتفق الأناجيل الأربعة على أن (مريم المجدلية)، قامت في فجر اليوم الثالث بزيارة قبر يسوع، لكنّها وجدته فارغاً. وهذا الإجماع من الأناجيل، يضفي أهمية خاصة على مريم المجدلية كشاهدة على ما حدث: ص 75 – 77).

رابعاً: يقول كمال الصليبي بأن بولس (ربَّما هو من سكّان دمشق أصلاً)، ذهب إلى (العربية – Arabia)، وهو الاسم الجغرافي الذي كان يطلق آنذاك على الأراضي الممتدّة من المشارف الجنوبية لدمشق إلى أقصى الجنوب من شبه الجزيرة العربية (اليمن). ومن العربية عاد إلى دمشق. وقد ذهب لمعرفة سرّ أتباع يسوع. ويرى صليبي أن أتباع يسوع الناصري، عرفوا في أورشليم بـِ (شيعة الناصريين)، أو (النصارى)، قبل أن يتسموا مسيحيين لاحقاً. ويبدو أن مركز النصارى كان في (بلاد العربية)، قبل انتقاله إلى فلسطين. كما يبدو أن (بولس)، اطَّلع على (رُقوق النصارى)، التي تبشر بيسوع المسيح، وهي بالآرامية، فاستخدمت (الرُقوق)، كمصدر للأناجيل لاحقاً. ويضيف صليبي: يبدو أن (المصدر الآرامي)، الذي اعتمده (لوقا) لرواية قصته، كان يتحدث عن (عيسى بن مريم)، قائلاً عنه ما يقوله القرآن. وكان (يوحنا) واعياً إلى أن المصدر الآرامي لا يتحدث عن يسوع الناصري بن يوسف النجار، بل عن (عيسى بن مريم)، ولذلك لم يأخذ يوحنا قصة ولادة عيسى عن هذا المصدر، لينسبها إلى يسوع، كما أنه لم يذكر اسم (والدة) يسوع أية مرّة، فهو يقول: (كان لها أخت اسمها مريم)، مما يفيد – كما يقول صليبي بأن اسم والدة يسوع، لم يكن (مريم), ولهذا، حسب صليبي، فإنّ: (المصدر الآرامي الذي يتحدث عن عيسى بن مريم، هو إنجيل (شيعة النصارى) من بني إسرائيل، ومن هذه الشيعة يسوع وأتباعه. والمعروف أن لهم إنجيلهم الخاص المكتوب بالآرامية، رغم أنهم كانوا يتبعون شريعة موسى مثل اليهود). ولهذا أيضاً، فإنَّ (عيسى بن مريم)، لا يمكن أن يكون هو ذاته يسوع بن يوسف النجَّار، الذي كان اسم خالته وليس أمه (مريم)، حيث يبدو أن الأمر اختلط على (لوقا)، و(مرقس)، و(متى)، و(ليس على يوحنا)، فأطلقوا اسم والدة عيسى على والدة المسيح.

خامساً: يُنسب يسوع المسيح إلى مدينة (الناصرة)، أي أنه كان (ناصرياً)، والمقصود هي (ناصرة الجليل الفلسطيني)، ويؤكد كمال صليبي أن (مدينة الناصرة) الفلسطينية، اليوم: (لا يُعرف لها وجود تاريخي بهذا الاسم في فلسطين، قبل القرن الثالث للميلاد). إذاً، حسب كمال الصليبي، فإنَّ (المسيح جاء من وادي جليل، أي منطقة الطائف ومكّة، وأنَّ (الناصرة) ربَّما يكون مكاناً في الماضي، أُخذ من اسم أحد فروع قبيلة بلحارث، واسمها – ناصرة): (ص: 128 – 129).

سادساً: نزحت جماعة من قبائل (ناصرة) جليل الحجاز إلى الجليل الفلسطيني واستقرت فيه في البلدة الفلسطينية التي اسمها: (الناصرة).

سابعاً: مزجت الأناجيل بين شخصية يسوع الناصري (بالتهجئة اليونانية: iesous) من جهة، وشخصية عيسى بن مريم (بالتهجئة اليونانية: iesous)، الذي كان في زمانه نبياً من بني إسراءيل: (ص: 167).

نقد نظرية كمال الصليبي، حول (المسيح):

أولاً: يقول كمال الصليبي أنه لم يُعثر في (مخطوطات) البحر الميت) على أية إشارة حتى لو كانت (خَفِيَّة) للمسيح، والصحيح أن الباحثين تحدثوا عن إشارة المخطوطات إلى (مُعلّم الحقّ) على أنه يشبه المسيح. وقال آخرون بأن الأسينيين (العيسويين) في خربة قمران هم (الجماعة المسيحية الأولى)، وقال الكاتب الأميركي (إدموند ولسون) بأنَّ (مولد المسيحية لم يكن في بيت لحم، وإنّما في (خربة قمران) بالقرب من بيت لحم). يقول المترجم الفلسطيني (موسى ديب الخوري)، مترجم (مخطوطات قَمْران – البحر الميت)، ما يلي:

  1. كان الأسينيون على خلاف أساسي مع (الفريسيين)، وكانت صلتهم بسكّان شمال فلسطين، قويَّة. وكان المسيح قادماً من (الجليل)، من حيث (لا يمكن أن يأتي شيء صالح)، كما اعتقد الفريسيون. وقد وجدناه (المسيح) يُعمّد عند يوحنا المعمدان في نهر الأردن (قرب الأسينيين): (وربّما التقى المسيح بالأسينيين، واطلع على تعاليمهم، بله لعلَّه، كان منهم: ص: 64). وممّا لا شك فيه أن عدداً منهم كان قد تبع المسيح. ثمَّ تفرَّق الأسينيون باتجاه البادية السورية، وشمال الحجاز، وشبه جزيرة العرب. أما الذين اتجهوا شمالاً إلى دمشق وإلى بعض الممالك الآرامية الأخرى، فقد (تنصَّروا). ويشير (الخوري) إلى أنَّ دمشق كانت تابعة للجليل الفلسطيني، وهي الأرض: (المنتظر ظهور المسيح فيها)، حيث كانت ذات ثقافة كنعانية فلسطينية.

  2. تتألف مكتبة قمران من (ستمائة مخطوطة)، إلاّ أنه لم يصلنا سوى (11 مخطوطة كاملة)، وهي ثلاثة أصناف: النصوص التوراتية، الكتب المنحولة، والكتب الخاصَّة بالملَّة. وكان عددٌ من فلاسفة القرن الثامن عشر، قد أعلنوا أنَّ (المسيحيَّة هي أسينيَّةٌ مُعدلَّة) ونجد في مراسلات ملك بروسيا فردريك الثاني، عام 1790، قوله: (كان يسوع أسينياً)، وأكَّد بيير لورو أن يسوع، هو (أعظم وآخر الأسينيين): ص: 44. ويقول (الخوري)، بأنه ممّا لا شك فيه أن الأسينية، والمسيحية، كانتا قريبتين في الزمان والمكان إلى حَدّ التطابق تقريباً. ولا نستطيع قراءة أصول المسيحية بمعزل عن كتابات قَمْران. ولا نستطيع تفهم الانتشار الأولي للمسيحية، دون محاولة تلمُّس الصلة التي كانت قائمة بين الأسينية، والنصرانية، تحديداً، أي: (الفئة اليهودية التي اعتنقت المسيحية).

  3. إنَّ أكثر ما كشفت عنه وثائق (قَمْران – البحر الميت)، إدهاشاً، كان وجود (مُعلّم الحق) في قمران. وكان مجهول الاسم، ومعارضاً لليهودية، وعبادة الهيكل، وقد قتل على يد (الكاهن الكافر): (عُلِّقَ حيّاً على خشبة). وقد عاش (معلم الحق) قبل المسيح بنحو قرن، كما تؤكد الوثائق. ومن جهة أخرى، ثمَّة تقارب أوضح بين يوحنا المعمدان، والأسينين الذين كانوا يعيشون في الصحراء. والمرجح أن يوحنا كان ناسكاً متوحداً، أكثر منه عضواً في جماعة. ومما لا شك فيه، حسب موسى ديب الخوري، أنَّ (يوحنا كان على صلة بالأسينيين، وبكافة التجمعات الروحية في وادي الأردن: ص: 45). ولم تذكر الأناجيل، الأسينيين، ولا أي مصدر يشير إلى علاقة المسيح بهم، ونحن نعلم صلة المسيح بالمعمدان، وهذا يعني أنَّ المسيح قد سمع على الأقل عن الأسينيين: (إذا لم يكن واحداً منهم: ص: 45)، وقد يكون المسيح على خلاف معهم، فهو لم يشاركهم كرههم للخطاة، بل إن فكرة الطهارة، لم تكن تستحوذ عليه، وتعاليمه لم تنسجم مع صرامة الشريعة الأسينيَّة. ولهذا (ثار المسيح على الأسينيين، والفريسيين معاً): (موسى ديب الخوري: مقدمة ترجمة مخطوطات البحر الميت).

– تعود مخطوطات الأسينيين في موقع قمران، الذي كان يُسمّى (مدينة الملح) إلى فترة (134 – 104 ق.م)، ودُمّر الموقع بهزّة أرضية عام (31 ق.م)، وأعيد بناؤه عام (4 ق.م)، وأحرقه الرومان عام 68م. ومعنى ذلك أن الأسينية، كانت مزدهرة في عصر دعوة المسيح، ولكنها كانت منعزلة ذات طابع صوفي، وساهمت في تمهيد الأرض للمسيحية. أمَّا (معلم الحق)، فهو شخصية غامضة، لها ملامح المسيح، ويوحنا المعمدان معاً، لكنها حسب الباحثين ترجع إلى ما قبل المسيح بقرن. وفي كل الأحوال، لم يكن مقنعاً أن يتجاهل (كمال الصليبي)، مخطوطات البحر الميت، فربّما تكون طريقاً مهمّاً للبحث عن عيسى بن مريم (المسيح)، في فلسطين، وليس في جزيرة العرب.

ثانياً: رسالة المسيح، موجهة إلى (جميع الأمم)، كما جاء على لسان بولس، وهذا يعني أنَّ رسالة المسيح، كانت موجهة بالتأكيد أولاً: إلى الشعب الكنعاني الفلسطيني، بكل اتجاهاته العقائدية، وبما أنَّ الشعب الكنعاني الفلسطيني، كان (وثنياً)، وكانت إحدى طوائفه تدين بعقيدة (اليهويَّة)، أي الطائفة الفريسية، فإنَّ رسالته كانت موجهة إلى شعبه الفلسطي بكامل طوائفه. والأرجح عندي، هو أنه لم يكن (يهويّاً)، أي لافريسيّاً، ولاصادوقيا، بل كان كنعانياً فلسطياً، فليس هناك في الأناجيل الأربعة أية إشارة إلى أنَّ والديه (يوسف النجار، ومريم)، ينتميان إلى (اليهويَّة)، أو: الأسينية، أو الناصرية، بل لا يوجد ما يثبت أنَّهما اتبعا دعوته التي سميت لاحقاً بالمسيحية، والأرجح عندي أنهما: (كنعانيان فلسطينيان وثنيان)، والمؤكد أنهما: (كنعانيان فلسطينيان) من عامَّة الشعب. وينسب (الإبن) في كل تقاليد العالم إلى أبيه وأمّه. أما العقيدة، فمسألة أخرى. وفي كلّ الأحوال، يُقرّ كمال الصليبي بأنه لم يكن يهودياً.

ثالثاً: لم يكن المسيح (إسرائيلياً من منطقة الطائف ومكَّة)، لأنَّ (بني إسراءيل) في جزيرة العرب، انقرضوا، واندمجوا، حسب معظم الباحثين، ولم يعد لهم وجود كجماعة، فهم من العرب البائدة، التي انتهى دورها في القرن الثامن ق.م. ولم يكن المسيح (نصرانياً من جزيرة العرب). أمَّا سلسلة النسب، التي أوردها (متّى)، واعتمد عليها كمال الصليبي، فهي واقعة أسطورية ميثولوجية، متأثرة بالفكر التوراتي. أمّا تصوير كمال الصليبي بأسلوبه السردي الأدبي السينمائي للمسيح، بأنَّه (قائد انقلاب عسكري ينتمي إلى سلالة زرُبابل الإسرائيلية، جاء من جزيرة العرب إلى فلسطين للمطالبة بعرشه الذي اغتصبه الفريسيّون في أورشليم)، فهذا يتناقض مع كلّ المصادر المسيحية، وغير المسيحية، وبالتالي، فهو ليس (اسرائيلياً من جزيرة العرب). ولو كان (طالب مُلكْ)، لمَا كان ذا رسالة نبويَّة تدعو إلى المحبَّة، لأنَّ هذا يتناقض مع الأناجيل، بل مع العقيدة المسيحية. أمّا أن يكون المسيح، (قائداً عسكرياً)، فهذا أمرٌ خيالي.

رابعاً: تأسسَّتْ (مدينة الناصرة) الفلسطينية منذ القرن الثالث الميلادي، كما يقول الصليبي نفسه، بل ويقول (فراس السوّاح)، أنَّ هناك قرية شمالية في الجليل، تدعى (بيت لحم)، وفيها ولد المسيح. وفيما يلي بعض الملاحظات:

  1. فترة الطفولة: ولد عيسى بن مريم، الملقبّْ بالمسيح في مدينة (بيت لحم) الجنوبية، وتقع قربها (خربة قمران الحالية)، وكان يذهب طفلاً، وفتىً إلى (مدينة أورسالم) القريبة أيضاً من بيت لحم في عهد هيرود أنتيباس الأدومي العربي، الذي هو أصلاً من عسقلان الفلسطينية، وجدّته لأبيه، نبطيَّة.

  2. فترة التجربة والتعميد: تمَّت أيضاً في بريَّة بيت لحم الجنوبية، القريبة من (خربة قمران)، ومدينة (أورسالم). أما التعميد، فقد تمَّ في نهر الأردن، حسب الأناجيل، قرب أريحا، حيث تبعد (خربة قمران) عشرين كيلو متراً جنوباً، عن أريحا. أمّا معلّمه يوحنا المعمدان، فقد كان يتنقل بين (يوطه) الحبرونية، مسقط رأسه، وبين بيت لحم، وأورسالم، وقمران. وهكذا، ما زلنا في الجنوب، لأنَّ (طائفة النصارى)، كانت تعيش في (الكرمل)، والمفاجأة هي أن (الكرمل) يقع جنوب شرق الخليل، وليس المقصود هو الكرمل الشمالي القريب من الناصرة.

  3. فترة الدعوة: إذا كانت دعوة المسيح لرسالته، قد استغرقت ثلاث سنوات فقط، حسب المصادر، وإذا كانت (الناصرة) قد تأسست في القرن الثالث الميلادي، فإن الأرجح أنَّ الناس قد سمّوا قرية ما في الجليل الفلسطيني، تيمناً بـِ (بيت لحم الأصلية)، رغم أن بيت لحم الشمالية، لم تُذكر في أي مرجع، وهي غير موجودة حالياً في شمال فلسطين، وقد يكون المقصود هو (تل حوام)، في شمال فلسطين.

  4. فترة أورسالم: المقاومة والتحدّي في الجنوب، ثمَّ الفداء الكبير، حيث أعدمته الطائفة اليهويَّة.

– جاء في (إنجيل متى)، أنَّ أهل الناصرة، رفضوا دعوته، فقال: (لا نبيَّ بلا كرامة إلاّ في وطنه وبيته)، وهذا، ربّما يعني أنه من بيت لحم الجنوبية، يؤكده قول (إنجيل لوقا) في أمر الإحصاء الروماني للسكان: (فذهب كل واحدٍ إلى (مدينته) ليكتتب فيها)، فقد ذهب يوسف النجار، ومريم إلى بيت لحم الجنوبية، لأنَّها (مدينتهما) الأصلية. وفي كل الأحوال، فإنَّ فترة الدعوة، هي فترة الحراك التاريخي، الذي أسَّس للدعوة، حيث تبعه كما يقول (مرقس): (جمهور كبير من أورسالم، وبيت لحم، وحبرون، وأدوميا، وعبر نهر الأردن، ونواحي صور وصيدا، وكانت حبرون تتبع أدوميا). وهذا يؤكد أن حركته قد تمت في كل أنحاء فلسطين، من الجنوب إلى الوسط إلى الشمال، ويأتي خبر (ابنة المرأة الكنعانية)، في صور، ليؤكد أن فلسطين، وفينيقيا، كانتا تتكلمان الكنعانية، وأنها كانت اللغة الشعبية، ولم تكن الآرامية التي تكلمها المسيح، (غير كنعانية)، لهذا تفاهم المسيح، دون مترجم، مع المرأة الكنعانية (الوثنية). والسؤال هنا، هو: لماذا أطلقت الأناجيل على عيسى بن مريم (التلحمي) الجنوبي، اسم (يسوع الناصري). المؤكَّد أن التسمية عند كمال الصليبي، لا تمتُّ بصلة لمدينة الناصرة، لأنها لم تكن قد تأسست كما يقول، وهو ما جعله يبحث عن نسبة أخرى، تتفق مع نظريته (المسيح جاء من جزيرة العرب)، وهي نسبته لطائفة (الناصريين)، أو (النصارى). أما الأناجيل، فهي تتناقض مع رأي الصليبي، لأنها تعترف بوجود مدينة اسمها: الناصرة. وبما أنَّ الأناجيل تجمع على أن الدعوة استمرت (ثلاث سنوات فقط)، قضاها المسيح في الجليل الفلسطيني، يدعو لرسالته، فقد أرادت نسبته إلى عقيدة هذه الدعوة الدينيَّة، لأنها أهم عند كتبة الأناجيل من انتمائه الجغرافي الحقيقي، وهو بيت لحم الجنوبية، أو حتى نسبته عند الصليبي إلى فرقة نصرانية صوفية، بدلاً من مدينته الأصلية (بيت لحم الجنوبية). والسؤال الأهم هو: لماذا لم ينقطع التقليد الديني المسيحي لاحقاً وحتى الآن عن اعتبار بيت لحم هي مهد المسيح: عيسى بن مريم، أو يسوع الناصري. ولماذا لا تكون تسمية (يسوع الناصري)، هي لقبٌ أراد كتبة الأناجيل أن يجعلوه صدىً لمقولات توراتية. أمَّا الأرجح عندي، فهو: (عيسى بن مريم، الملقب بالمسيح، هو تلحميٌّ جنوبي، كان له علاقة بطائفة (النصارى) في الكرمل الجنوبي، وله علاقة بطائفة (خربة قمران)، قرب بيت لحم. أطلق عليه (لاحقاً)، كتبة الأناجيل، لقباً دينياً، هو: يسوع الناصري)، وهو لم يأت من الطائف ومكَّة، وإنما هو كنعاني فلسطيني، لأنَّ الكتابات الاستشراقية، قامت بتضخيم (الطائفة اليهويَّة)، الفلسطينية بفروعها وبانشقاقاتها الدينية على حساب وجود الشعب الكنعاني في فلسطين، الذي كان (وثنياً)، ولم تكن الطائفة اليهوية الفلسطينية في القرن الأوّل قبل الميلاد، إلاّ طائفة وثنيَّة تعبد الإله يهوه في (مجمَّع الأديان في أورسالم). وقد وقع كمال الصليبي، تحت تأثير الفكر التوراتي، حين ظنَّ أنَّ تاريخ الطائفة اليهوية الفلسطينية، هو تاريخ فلسطين الحقيقي!!

– أمَّا (عبده وازن) في دراسة له عن كتاب الصليبي، تحت عنوان: (سقطة المؤرخ: التحايل على التاريخ، جعل المسيح، مَسيحَيْن، ونقض ذاكرة الأناجيل: (ملحق جريدة النهار اللبنانية – 22/1/2000)، فقد قال الكثير، وممّا قاله ما يلي:

أولاً: لم يقصد الصليبي كتابة تاريخ جديد للمسيحية، وإنما أراد (فضح) التاريخ المسيحي، عبر اختلاق شخصيتين للمسيح (أو: مَسيحيْن). ثمَّ عبر سوق بعض الروايات والاجتهادات التاريخية التي تنفي الكثير من معطيات التاريخ المسيحي.

ثانياً: أما الخطأ الفادح والمقصود، فهو إصراره على تجريد مريم (أُمّ يسوع) من اسمها، وفي ظنه أنها لا تدعى: مريم. وأشار إلى أنَّ (مريم)، كان اسم (خالة يسوع). وكان يكفي كمال الصليبي أن يعود فوراً إلى الأصل اليوناني، ليكتشف الخطأ النحوي الذي جرَّه إلى إسقاط اسم مريم عن أم يسوع. فالأصل اليوناني يفيد في بنيته النحوية، أنَّ مريم هي أمُّ يسوع.

ثالثاً: فات الصليبي أن يطلع على مبدأ العماد عند الأسينيين. وقد أشار إلى انتماء يوحنا المعمدان، عددٌ من الباحثين. وقد قال بعضهم، أنَّ (يسوع نفسه أمضى سنوات شبابه، التي لم تأت الأناجيل على سردها لدى جماعة الأسينيين في (قَمْران).

رابعاً: دمج الصليبي بين التاريخ، واللاهوت، دمجاً غير سليم، بل دمجاً خاطئاً. واللافت بل المثير في تأويل الصليبي لبعض المصطلحات، تحريفها عن سياقها وإخراجها عن أصلها، بغية فرض نظريته الخاصة المسبقة.

خامساً: يرى (وازن)، أنَّ (عيسى بن مريم)، و(يسوع الناصري)، هما اسمان مترادفان لفظاً ومعنىً (في الآرامية السريانية)، معارضاً الصليبي الذي فصل بينهما، وجعلهما شخصيتين مختلفتين. كذلك فصل الصليبي بين (بولس)، و(شاوول)، وهو أي (وازن) يعترض على ذلك، ويقول أنَّ الفرنسي دانيال مارغيرا حسم المسألة بقوله: (بولس هو شاوول الطرطوسي)، وهو اسم آرامي. كما أن قراءة الصليبي لسيرة بولس، حسب (وازن)، هي: (قراءة مجتزأة، وغير أمينة)، وأنَّ بولس ذهب إلى (العرب النبطيين)، وتحديداً عام 34م، حيث أفاد بولس من العداوة التي كانت قائمة بين الحارث ملك الأنباط، وهيرودوس أنتيباس، واختار بولس هذه الصحراء الجبلية، لأنها قريبة من دمشق. لقد غدا التاريخ عند الصليبي، كأنه يهدف إلى النقض العقائدي.

– أمّا (نقولا أبو مراد)، فيقول في نهاية مناقشته لكتاب الصليبي: (جُلّ ما نعرفه من وجهة النظر التاريخية الصارمة، أنه ثمَّة شخص اسمه: يسوع الناصري، عاش وعلَّم في فلسطين في القرن الأول للميلاد، وأنَّ الرومان أعدموه صلباً. وكل ما عدا ذلك من تنظير باحثين عن (يسوع التاريخي)، فهو: عملية افتراضية، لا تخلو من الذاتية: ملحق النهار، 22/ 1/ 2000م).

– وكانت جريدة النهار اللبنانية، قد أصدرت ملحقاً خاصاً، بعنوان: (يسوع المسيح، 2000)، بتاريخ (23/ 12/ 1999م)، وفي دراسة لـِ (نقولا أبو مراد) أيضاً، بعنوان: (كيف يُقرأ يسوع المسيح في عالم اليوم)، جاء ما يلي، الذي نلخصه عنه:

أولاً: يتساءل الباحث: هل كان يسوع نفسه إنساناً تاريخياً، أم أنه من بنات خيال مؤلفي الأناجيل، وبولس.

ثانياً: قال البروفسور هرمان صموئيل رايماروس (جامعة هامبورغ) في كتابه: (في غايات يسوع وتلاميذه، 1778م) ما يلي: (يسوع كان مجرد ثائر، وأنَّ تلاميذه بعد موته، سرقوا جسده من القبر، لكي يُلفّقوا قيامته). وقال ديفيد شتراوس (جامعة توبنغن)، عام 1835م في كتابه (حياة يسوع: دراسة نقدية)، ما يلي: (لا يمكن أن تكون الأناجيل، قد كتبها شهود عيان)، وهو يرجح أن تكون: (كُتبت في وقت لاحق للأحداث التي تصفها، وعلى أيدي أناس متأخرين جمعوها، فيها التقاليد التي كانت منتشرة في الكنيسة الأولى)، ورفض شتراوس: (روايات العجائب كأساطير اخترعها المؤلفون، لكي يعطوا يسوع، أهمية أكبر). أما اللاهوتي الفرنسي (البرت شفايتزر)، في كتابه البحث عن يسوع التاريخي، 1906، فقد قال: (إن يسوع كان، على الأرجح، ذا نزعة رؤيوية، وأنه لم يكن يريد إنشاء دين جديد). ودعا رودولف بولتمان (1953) إلى (نزع الصفة الأسطورية عن روايات الأناجيل)، بل ذهب (ج. أ. ويلس)، بأنَّ (يسوع الأناجيل لم يوجد قطّ، ولكنه من نسج خيال بولس).

ثالثاً: قالت (حلقة يسوع – Jesus seminar) الأمريكية، بأنَّ (18% من الكلمات المنسوبة إلى يسوع في الأناجيل، يمكن نسبتها إلى يسوع من دون شك)، ومن النتائج الأخرى التي توصلت إليها (حلقة يسوع، التي تضم (200 باحث في الكتاب المقدس والأديان): (إنكار الولادة من عذراء، والأقوال الكتابية التي فيها يعلن يسوع إنه ابن الله، وأنه المسيح اليهودي!!). وأهم تلك النتائج، هي: (إنكار قيامة يسوع من الأموات كحدث تاريخي)، وتقول (حلقة يسوع) بأنَّ يوحنا المعمدان، شخصيةٌ تاريخية، وأنَّ يسوع له أربعة إخوة، وربما أخوات، لكنَّ أباه، ليس يوسف النجَّار، وأن دعوته العلنية دامت عاماً إلى ثلاثة أعوام، وأنه صُلب في أورشليم). أما محاكمة المسيح، فقد كُتبتْ الروايات عنها في الأناجيل: (حتى تبدو كأنها تحقيقٌ لنبوءات العهد القديم)، حسب باحثي (حلقة يسوع) الأميركية.

رابعاً: نشر الباحثان الفرنسيان (جيرار مورديا، وجيروم بريور)، كتاباً بعنوان: (يسوع ضدّ يسوع)، قالا فيه: كان هناك في فلسطين القرن الأول، مجموعة صغيرة من الواعظين في الجليل، يسمونهم: (النازريين) = الناصريين، كانوا يتنبأون بنهاية الأزمنة واقتراب ملكوت الله، ربّما كان يسوع واحداً من هؤلاء، أدّى كلامه المتطرف والعنيف إلى اعتقال السلطات الرومانية له، وإعدامه بالصلب، إلاّ أن مؤلفي الأناجيل، استغلوا سقوط أورشليم على أيدي الرومان (سنة 70م)، فحوَّلوا إعدام يسوع، علامة ورمزاً لحياة جديدة (العهد الجديد)، وانتهوا إلى تقديم يسوع في صورة، لم يكن يريد هو أن يقدّم نفسه بها).

– أمَّا (فراس السوَّاح) في كتابه: (الوجه الآخر للمسيح، 2004)، فنلخّص أهم ما ورد فيه من أفكار على النحو التالي:

أولاً: يبدو أن إنجيل مُرقس، هو أقدم الأناجيل، فقد تمَّ تدوينه عام (70م)، تلاه إنجيلا (متّى ولوقا)، اللذان دُوّنا خلال الفترة الواقعة بين عامي (80، و90م)، وأخيراً إنجيل يوحنا، الذي دُوِّنَ بين عامي (90، و110م): (ص: 13). وبشكل عام، فإن مؤلفي الأناجيل الثلاثة، (متى، مرقس، لوقا)، لم يروا يسوع، ولم يسمعوا منه مباشرة وإنما كتبوا أناجيلهم بعد مرور جيل أو جيلين على وفاة يسوع. ويبدو من المعلومات، التي يوردونها عن فلسطين في عصر يسوع: (عدم معرفتهم بجغرافية وطوبغرافية، وبيئة فلسطين)، وقد دعيت الأناجيل الثلاثة، بالأناجيل الإزائية، لأنها تعكس وجهة نظر واحدة في حياة المسيح ورسالته. ويتجاهل (مرقص) قصة ميلاد المسيح، كما يتجاهل (الحَبَل العذري)، فيسوع يظهر فجأة عندما يأتي إلى الناصرة. وهذا ما يرجح في رأي البعض أنَّ قصة الميلاد العذري، وكذلك ظهورات المسيح المتكررة لتلاميذه، وارتفاعه أخيراً إلى السماء أمام عينهم، هي (عناصر مقحمة على النص الأصلي). وينفرد (لوقا)، بإيراد قصة يسوع، (وهو فتى في الثانية عشرة من عمره يزور أورسالم).

ثانياً: وقع فراس السوَّاح في خطأ جغرافي، حين قال إنَّ المسيح، ولد في بيت لحم (أفراتة)، الواقعة في الجليل، وهو رأي محدود قال به بعض التوراتيين، اعتماداً على (سفر التكوين)، لكن حتى شُرّاح (العهد القديم)، يقولون: (أفراتة بيت لحم، قرب بيت إيل، هي غير أفراتة، الواقعة إلى جنوب أورسالم: (هامش ص: 62). إذاً، هناك بيت لحم الواقعة جنوب أورسالم. وفي (التوراة السامرية): (أفراتة، التي هي بيت لحم: ص: 245). والأرجح عندي، هي أنَّ بيت لحم (بيت لخمو) الجنوبية، التي ولد فيها المسيح، هي الواقعة إلى جنوب أورسالم، القريبة من بيت إيل (بيت أولى الخليلية، حالياً). وكانت بيت لحم آنذاك (أي عند ميلاد المسيح)، أدوميَّة كنعانية وثنية، ولم تكن يَهْويَّة. وربَّما تكون بيت لحم الشمالية، قرية صغيرة، تأسست لاحقاً بعد وفاة المسيح، تيمناً ببيت لحم الجنوبية، رغم أنَّ أي مرجع، لم يذكر ما سمّاه السوَّاح (بيت لحم في الجليل). ورُبَّما كان (تلّْ حوم)، وهو اسم حديث، تمّ تحريفه إلى (تلحمي)، فاعتقد خطأً، أنّه منسوبٌ إلى (بيت لحم). أمَّا خطر المداخلات اليهودية، فهي سلسلة النسب التي اخترعها (متّى) للمسيح، حيث يقول فراس السَّواح، بأنها تتناقض مع فكرة (الحَمْل العذري من الروح القدس)، فقد أنهاها (متى) على الشكل التالي: (ويعقوب أنجب يوسف زوج مريم والدة المسيح).

ثالثاً: الأرجح عندي ان (المسيح ومريم)، لم يذهبا إلى مصر، لكن (متى) يورد قصة ذهابه طفلاً مع أمه إلى مصر، ومسألة قتل هيرودوس لأطفال بيت لحم، لتتم المقارنة بين مولده، مع قصة موسى والفرعون. وهذا ما يقوله فراس السوّاح، أي أن قصة مصر، مقحمة، كذلك قصة المذبحة!.

رابعاًَ: يقول فراس السواح، بأن الإحصاء الروماني لسكان فلسطين، جرى (عام 6 ميلادية). وهنا يجعل (لوقا) من (الناصرة) موطناً أصلياً ليوسف ومريم، لكنَّهما يضطران للقدوم إلى بيت لحم الجنوبية (مدينته)، وهنا يتعارض مع (متّى)، الذي جعل ميلاد يسوع في عهد هيرود المتوفى عام (4 ق.م)، وبما أن ميلاد المسيح عند (لوقا) قد وقع بعد وفاة هيرود بعشرة أعوام، فلا مكان لديه طبعاً لقصة مذبحة مواليد بيت لحم، ولا لهرب العائلة المقدسة إلى مصر، ثم عودتها بعد وفاة هيرود.

خامساً: يقول (ألبير بانييه): إنَّ (إنجيل يوحنّا) في شكله الأول يسير على النهج، الذي عرفناه في مؤلفات (الغنوصي) مرقيون، وبعد إدانة مرقيون وحرمانه من الكنيسة، أي بعد عام 144م، خضع الإنجيل لتنقيحات مهمة غرضها إسباغ حُلَّة قويمة عليه). ويعلق السوّاح: (إنَّ ما يظهره إنجيل يوحنا من مواقف حاسمة ليسوع، برفضه اليهود واليهودية، يدلُّ على رسالة مسيحية صافية) – ص: 47. وقد انفرد (إنجيل يوحنا)، بمعجزة تحويل الماء إلى خمر في عرس قانا. كما انفرد (إنجيل يوحنا) بذكر حادثتين: الأولى: حادثة العفو عن المرأة الزانية، التي أعلن فيها يسوع صراحة معارضته لشريعة موسى، والثانية: لقاؤه مع امرأة سامرية، معارضاً العُرف اليهودي بمقاطعة السامريين. ومن أهم خصائص إنجيل يوحنا، حسب السّواح أيضاً، هو: (تركيزه على كراهية يسوع لليهود)، وسعي اليهود منذ البداية لقتله والتخلص منه. وقد وصف يسوع، (اليهود) بأبشع الأوصاف، فهم: (أولاد الأفاعي)، و(قتلة الأنبياء)، و(أولاد الشيطان): (ص: 56).

سادساً: حصل الانشقاق الأول بعد وفاة المسيح – يقول السوّاح – بين كنيسة أورشليم ذات الإديولوجيا التوراتية، وبين كنيسة الأمم، بحسب تعاليم بولس. ثمَّ بدأت بالظهور في سوريا ومصر، حركة مسيحية راديكالية، عارضت الكنيستين معاً، هي: (الحركة الغنوصيَّة)، التي اتخذت أواسط القرن الثاني الميلادي، شكل كنيسة غير منظمة عقائدياً، حيث لم تكتف بالإعلان عن استقلالها عن اليهودية، بل وأظهرت العداء لكل الميراث التوراتي وتصوراته عن الألوهية والإنسان والعالم. وأنتج الغنوصيون، (أناجيلهم الخاصة)، وكنيسة الغنوصيين، موجهة إلى النخبة، وتقوم عضويتها على تقويم النضج الروحي للمريد. وتركز الغنوصية على حرية الفرد في سلوك طريقه. ويرد الغنوصيون على الكنيسة التقليدية، بقولهم: (إنَّ طاعة رجال الدين تُسلّم المؤمنين إلى قيادة عمياء، تستمد سلطتها من إله العهد القديم، لا من الله الحق، وتربطهم إلى إيديولوجيا سقيمة وطقوس ساذجة: ص: 65)، لكن الألماني (كورت رودولف)، وهو من أهم شارحي الغنوصية، حسب السوّاح – يقول ما يلي: (إنَّ النصوص الغنوصيَّة، التي وصلتنا، في معظمها، يمكن فهمها باعتبارها: إعادة صياغة وتفسير لقصص العهد القديم، والمادة التوراتية غالبة فيها، على الرغم مما تبديه من نقد للفهم التقليدي للنص التوراتي. كل هذا يشير إلى أصول يهودية لهذه النصوص: ص: 74). كما أنَّ تعاليم مرقيون المنشق عن الكنيسة في عام 144م، والتي فصلت العهد الجديد عن العهد القديم، دفعت الكنيسة التقليدية في نهاية القرن الثاني الميلادي إلى (وضع أول مجموعة قانونية للعهد الجديد، وإلى صياغة قانون الإيمان المسيحي: ص: 80).

سابعاً: يقول (هـ. سبنسر لويس)، وهو من مؤرخي الحركات الغنوصية العرفانية السّرانية، شارحاً خلفية يسوع الثقافية، ما يلي: (يوصف المسيح في الأدبيات المسيحية بـ: (الناصري)، ويُراد به أنه قد عاش في مدينة الناصرة، فقد انتقل (يوسف وعائلته)، حسب متّى إلى الجليل، وعاشوا في الناصرة، ولكن كل الوقائع تشير إلى أن المدينة، لم تكن موجودة خلال حياة المسيح، وأنها أنشئت في القرن الثالث الميلادي (بسبب الحاجة إلى وجود مثل هذا الموقع لتفسير ما ورد في إنجيل متى)، وفي الواقع، يتابع (سبنسر لويس)، فإنَّ صفة (ناصري)، لم تكن تعني في ذلك الوقت (شخصاً من مدينة الناصرة)، وإنما شخصاً ينتمي إلى (شيعة سرّانية غير يهودية، تدعى: شيعة الناصريين)، وهي شيعة تضم وثنيين (كنعانيين فلسطينيين)، ويهويين جليليين حديثي العهد باليهودية، لأن اليهودية (لم تنتشر في الجليل إلاّ قبل بضعة عقود فقط من مولد يسوع). وقد رفض هؤلاء اليهود المحدثون (الشريعة التوراتية)، كلياً أو جزئياً. وكانوا ينتظرون المسيح الكوني. ويخلص (سبنسر لويس) إلى أن يسوع كان واحداً من شيعة الناصريين (وهم غير النصارى الذين شكلوا شيعة مسيحية – يهودية بعد موت المسيح)، وأنَّ المسيح تلقى الأسرار الناصرية في جبل الكرمل، وليس في أورسالم. ويختتم سبنسر لويس بأن المسيح قد تمَّ إعداده منذ الطفولة، على يد أبوين غير يهوديين ينتميان إلى شيعة الناصريين: ص93 – 95), لهذا يؤكد (فراس السواح)، أنَّ يسوع بشر برسالته في جليل الأمم. وأما عن (أبويه) فهو يقول: (ربَّما كانا على الديانة الكنعانية التقليدية، أو أنهما من أتباع جماعة روحانية من جماعات جبل الكرمل، وهذا ما نرجّحه: (السوَّاح: ص: 114 – 15)، لكنَّ السوّاح، رغم أنه يعترف بأنَّ مملكة فلسطين الأدومية (لم تكن يهودية)، وبيت لحم مدينة أدومية جنوبية بامتياز، إلاّ أنه يكرر بأن المسيح قد ولد في الجليل، حيث كانت دمشق تابعة للجليل، في محاولة لإثبات (ناصرية) المسيح الجليليَّة الدينية، بدلاً من (أسينيَّة) المسيح الدينية، الجنوبية، قرب بيت لحم الجنوبية الأدومية (غير اليهويَّة). وبدلاً من (طائفة النصارى) في قرية الكرمل الجنوبية، بسهل (زيف)، جنوب شرق الخليل. وبهذا يلتقي السوّاح، والصليبي حول (ناصرية دينية)، وليس ناصرية مكانية، لهذا يخترع السوّاح قرية وهمية في الجليل الفلسطيني، سمّاها (بيت لحم)، التي ربّما تكون موجودة بعد وفاة المسيح، تيمُّناً بـِ (بيت لحم الجنوبية)، وإذا  افترضنا أنه اعتمد على اسم (تلّ الحوم)، الذي هو (كفر ناحوم)، حسب مفسّري أطلس الكتاب المقدس، فالصحيح هو أن اسم (تل حوم)، اسم حديث.

ثامناً: ويقول السوّاح أيضاً، بأنه منذ عصر البرونز الأخير إلى عصر الحديد (وهو عصر كنعاني)، هناك استمرارية دينية، وهي هنا ديانة تقليدية كنعانية، وقد كان هناك – لاحقاً – اسم إله، يدعى (يهوه)، ولكنه غير المذكور في التوراة، فهو يُذكر في عدد قليل من النقوش التي اكتشفت في مدينة الخليل (حبرون) إلى جانب عدد آخر من (الآلهة الفلسطينية)، وتذكر مع (يهوه)، زوجته عشيرة، الإلهة الكنعانية المعروفة. وفي العصر الروماني، كان التركيب (الإثني) لسكان فلسطين، يضمّ أكثرية كنعانية فلسطينية، وجاليات يونانية، وأشورية، وديانات (وثنية)، ليس فقط في (جليل الوثنيين، وجليل الأمم)، كما قال السوَّاح، بل أيضاً في (بيت قَدْشا = بيت المقدس)، وبيت لحم الجنوبية، وحبرون الكنعانية أيضاً، و(لم تكن بيت لحم إلاَّ مدينة كنعانية فلسطية وثنية) مثل جاراتها، أو (كنعانية أدومية فلسطينية)، وثنية أيضاً.

تاسعاً: يقول السوّاح: جاء يسوع لينتقض العهد القديم، لا ليكمله، ورسالته جديدة كل الجدّة عن رسالة العهد القديم، ولا يمكن بأي حال اعتبارها حركة إصلاحية يهودية، بل هي حركة مستقلة – ومع ذلك – يضيف – فقد أفلحت (اليهودية) في زرع شوكة في خاصرة المسيحية مع انطلاقتها الكبيرة، عندما تمَّ في أواخر القرن الرابع الميلادي، (الجمع بين كتاب العهد القديم، وأسفار العهد الجديد في كتاب المسيحيين المقدّس)، رغم رفض المسيح لليهودية، والوثنية التقليدية، وتجاوزهما نحو آفاق إنسانية أكثر رحابة: (ص: 137 – 138).

– وقد كتب الأسقف الكاثوليكي (فولتون شين)، كتاباً عن (حياة المسيح)، وممّا جاء فيه:

أولاً: اقترن ميلاد المسيح، بتقسيم التاريخ إلى شطرين: ما قبل الميلاد، وما بعد الميلاد، حيث ولد في بيت لحم، أي (بيت الخبز). وفرحت (أم يسوع)، بخبر (اليصابات)، نسيبتها التي حملت بابن في شيخوختها، حيث نراها تقوم وتذهب بسرعة في رحلة تستغرق عدَّة أيام إلى مدينة (حبرون)، لزيارة اليصابات (أمُّ يوحنا المعمدان).

ثانياً: أمر قيصر روما بإحصاء سكان الإمبراطورية الرومانية، وأن يذهب كل فرد إلى (المدينة التي ولد فيها). فترك يوسف، و(امرأته الحبلى)، مريم، (الناصرة)، ويمَّما شطر بيت لحم، على مبعدة خمسة أميال أو نحوها من (أورسالم): ص 18، لكن (فولتون شين: ص: 26)، عاد يقول بأن (يسوع لم يكن ابناً ليوسف)، اعتماداً على (متى) في سلسلة النسب الافتراضية، حين قال: (يوسف رجل مريم التي ولد منها يسوع). وهو يعتبر (العماد) في العهد الجديد، بديلاً من (الختان) في العهد القديم. ومعنى هذا، هو البدء بدين جديد.

ثالثاً: ذكر (فولتون شين)، قصة ذبح هيرودوس أنتيباس لأطفال بيت لحم، وقال إنه هيرودوس الثاني، وليس هيرودوس الكبير. كما يذكر قصة الرحيل إلى مصر، فلما مات هيرودوس الثاني عادت عائلة المسيح، لكنها سكنت (الناصرة)، ومن هنا أخذ تسميته (يسوع الناصري)، كما يقول (شين)، نقلاً عن (متى)، ويشير إلى أن أبويه أخذاه إلى أورسالم، وهو في (الثانية عشرة)، وأنَّ يسوع قد أقام في الناصرة حتى سن الثلاثين، وأنه قام بعمل (نجَّار البلدة): يصنع الأدوات المنزلية، ويصلح العربات للقرويين على مدى (18 عاماً). وقد تعلَّم (اللغة الآرامية) من أبويه، وليس بمستبعد أن يكون قد تعلَّم (اليونانية) التي كانوا يتحدثون بها في بعض ربوع الجليل: (ص: 39).

حراس المسيح ثلاثة رجال: (غسان كنفاني – عزالدين المناصرة- ناجي العلي). أُقلِّبً صورتي المعتمدة لكي تبدو شفافة في الماء- احترق قلبي من المنفى ومن عواء القطارات – ثلاثة رجال يحرسون المسيح لكن… أين مريم يا أبي.- (اللوحة للفنان المصري جودة خليفة – مع كولاج الرسامة اللبنانية فاتن نصر الله).

المسيح (عيسى بن مريم)، عند المسلمين:

في كتابها (المسيحية العربية وتطوّراتها)، تقدّم (سلوى بالحاج صالح – العايب)، قراءة لموقف القرآن من الديانة المسيحية في فصل خاص، (ص: 103 – 126)، نلخّص أهم ما ورد فيه على النحو التالي:

أولاً: يؤكّد القرآن أن عيسى هو المسيح، وقد نُسبت إليه هذه الصفة (إحدى عشرة مرّة). ومن الملاحظ أن كل السور التي وردت فيها، (مدنية). ولم يطلق القرآن صفة المسيح على عيسى في لحظة معينة من لحظات حياته كما قالت الأناجيل، ولكنه أطلقها عليه منذ ولادته، بل قبل ذلك: (إذْ قالت الملائكةُ يا مريمُ إنَّ الله يُبشّركِ بكلمة منه اسْمُهُ المسيحُ بْنُ مريمَ وجيهاً في الدنيا والآخرةِ ومن المُقرَّبينْ). وقد ترك عدم توضيح القرآن لمعنى كلمة المسيح، المجال واسعاً أمام المفسّرين، فقيل إنَّ عيسى، سُميّ المسيح، (لأنَّه ما كان يمسح بيده ذا عاهة إلاّ برئ من مرضه)، و(لأنَّه كان يمسح رؤوس اليتامى)، وهي عند جمهور المفسرين: (الصِدّيق)، كما تعني أن عيسى (ممسوح)، أي: (مسحه الله فطهَّره من الذنوب)، وتضمَّن (القرآن) وجهاً من أوجه معنى كلمة (مسيح)، ونعني بذلك (فكرة البعث): وقد ذُكر عيسى رسولاً ونبيّاً داعياً إلى التوحيد (في القرآن)، إحدى عشرة مرّة، وذكر ذلك في السور (المدنية)، باستثناء مرَّة واحدة، ورد في سورة مكيَّة، هي (الزُخرف). بل إنَّ تفضيل عيسى من جملة من فضّلهم الله من الأنبياء والرسل، يبدو واضحاً في القرآن: (تلك الرُّسُلُ فضَّلنا بعضهم على بعضٍ منهم مَنْ كلَّم الله ورفع بعضُهم درجاتٍ وأتينا عيسى ابن مريم البيّناتِ وأيَّدناهُ بروح القدس) – (البقرة: 253).

ثانياً: ذُكر (الإنجيل)، في القرآن، في ثلاث عشرة آية، والإنجيل بهذا المعنى – كما تقول الباحثة – يختلف عن (الإنجيل) الذي يذكره المسيحيون، فهو كتابٌ مُنزَّلٌ من الله مثله مثل (التوراة والقرآن). وما دام الإنجيل كذلك، فهو إذاً غير (الأناجيل الأربعة). وهكذا، تضيف الباحثة (فإنجيل القرآن، هو الإنجيل الصحيح الرّباني، غير المتداول بين المسيحيين. (ص: 106). ولم يرد في القرآن تفاصيل محتوى هذا الإنجيل المنزَّل من الله، فهو له شريعة خاصة به: (لكُلٍّ جعلنا منكم شِرْعَةً ومِنْهاجاً ولو شاء اللهُ لجعلكُم أُمَّةً واحدة): (سورة المائدة: 5/ 48)، لكنَّ (القرآن)، يعتبر أنَّ (الإنجيل حُرِّف، ويتهم عدة أطراف بتحريفه: (ملوكٌ بعد عيسى، والنصارى أو بعضهم، أو فريق منهم بدون تحديد)، والمحرّفون هم أيضاً: (علماء النصارى، ورهبان النصارى). ولم ترد كلمة تحريف في القرآن، ولكن أشير لها بألفاظ أخرى، مثل: (التكذيب، الإخفاء، الباطل).

ثالثاً: يمكن حوصلة موقف القرآن من دين عيسى، كما تقول الباحثة، بأنَّ عيسى من ملّة إبراهيم، جاء مصدّقا به، وبكل النبيّين، وبموسى وتوراته، مواصلاً منهاجهم القائم على الدعوة إلى التوحيد، مُبشّر بمحمّد وبرسالته، فدين عيسى، حسب القرآن، هو (الإسلام) ولا شيء غير الإسلام، فلا ذكر لدين اسمه المسيحيَّة، أو النصرانية. وقد ورد في (سورة  آل عمران: 3/ 52) ما يلي: (فلمّا أَحسَّ عيسى منهُمُ الكُفْرَ قال مَنْ أنصاري إلى الله قال الحواريون نحنُ أنصار الله آمَنّا بالله واشهدْ بأنّا مُسْلِمونْ)، أي (مُستسلمون لأمر الله تعالى، مُقرّون بأن دينهم الإسلام). وكما نلاحظ – تقول الباحثة – فإنَّ الإسلام بمعناه العام، يعني: الخضوع لله الواحد، وتصديق أنبيائه ورسله. أي أنَّ (القرآن)، جاء لينزع عن (كلمة الله) ما علق بها من تحريف، وتشويه، ويختم سلسلة الأنبياء. وهو يتميز بدعوته إلى التوحيد المطلق.

رابعاً: تتمثل أهم العقائد المسيحية التي ردَّ عليها القرآن بقصد دحضها، في (عقيدة التثليث)، فقال القرآن: (قُلْ هو الله أحدٌ. الله الصَمَد لم يلد ولم يولد. ولم يكن له كُفُواً أحد: (سورة الإخلاص: 1 – 4). وقوله تعالى: (لقد كَفَر الذين قالوا إنَّ الله ثالث ثلاثةٍ)، وغيرها من الآيات. وقد جاء ذلك رداً على مقولة (الأب، والابن، وروح القدس)، التي تقول إنَّ عيسى بن الله.

أمّا حول (الحمل من عذراء)، فقد أيَّدها القرآن، فقد حملت مريم بعيسى، دون أن يمسسها بشر: (قالت أنَّى يكون لي غلامٌ ولم يَمْسَسْني بَشَرٌ ولم أَكُ بَغيّا: (مريم: 19/ 20)، بل إنَّ حَمْلها كان (بنفخ من روح الله)، و(بكلمةٍ من الله). يقول القرآن: (إنّما المسيح عيسى ابنُ مريمَ رسولُ اللهِ وكَلِمَتُهُ ألقاها إلى مريم وروح منه: (سورة النساء: 4/ 171)، أي أن عيسى حملت به أمه، بأمر من الله، و(لم تحمل به من الله) وفي ذلك فرق بَيِّنْ. قال القرآن: (لقد كذب الذين قالوا: إنَّ الله هو المسيح ابن مريم: المائدة: 5/ 72). وبقدر ما ينفي القرآن كل صفة إلهية عن عيسى، يؤكّد أنه بشرٌ كسائر الخلق، وهو عبدٌ لله. وكما نفى القرآن صفة الألوهية عن عيسى، نفاها أيضاً عن أُمّه (مريم).

خامساً: خصَّ القرآن (مريم) بسورة تحمل اسمها، وتعرَّض لها بالذكر، في نحو (ثلاثين موضعاً). ويعتبر تصريح القرآن باسمها، حدثاً مميزاً، لأن التصريح باسم النساء أمرٌ غير معهود عند العرب، كما تقول الباحثة، نقلاً عن القرطبي. وذلك لأن الله اصطفاها وميَّزها عن باقي النساء: (وإذْ قالت الملائكة يا مريم إنَّ الله اصطفاكِ وطهَّركِ واصطفاكِ على نساء العالمين): (سورة: آل عمران: 3/ 42). أمَّا (الروح القدس) في القرآن، فلم يرد بمعنى ثالث أقنوم في الثالوث المسيحي، فهو لا يُمثّلُ إذن، أُقنوما بالنسبة للقرآن، فهي عبارة مفرغة من المعنى الذي عناه بها النصارى، حيث في القرآن، قد تكون (مريم) هي الأقنوم الثالث الذي قال به النصارى.

سادساً: ناقش القرآن (عقيدة الصلب والبعث) المسيحية في أربع سور: سورة مريم، وهي مكيَّة، وثلاث سور مدنية هي: آل عمران، النساء، والمائدة. وقد نفى القرآن أن يكون عيسى قد صُلِبَ وقُتل، وهو ما يحرّم القتلة من التمتع بلذَّة الجريمة: (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شُبِّهَ لهم)، بل (رفعه الله إليه…): (النساء: 4/ 157 – 158)، أي أنه مات، ويُبعث يوم القيامة كسائر البشر.

سابعاً: كانت (القِبلَة)، عند النصارى واليهود، هي جهة الشام (القدس)، فحوَّلها الرسول محمد صلى الله عليه وسلم من القدس إلى مكَّة، ثمَّ نزلت الآية: (فَوَلِّ وجهك شَطْرَ المسجد الحرام): (سورة البقرة: 2/ 44). ويتعرض القرآن إلى تقاليد الأكل عند النصارى، فيعتبر طعامهم وطعام أهل الكتاب حلالاً، ما عدا الخنزير: (…وطعام الذين أوتوا الكتابَ حِلٌّ لكم): (سورة: المائدة: 5/5). وهكذا، تقول الباحثة (ص119) بأنَّ الديانة حسب القرآن واحدة هي الإسلام، تجمع إبراهيم وموسى وعيسى، وبالتالي، لا وجود لديانة اسمها: المسيحية، أو النصرانية: (إنَّ الدين عند الله الإسلام): آل عمران: 3/ 19).

ثامناً: اعتبر القرآن، (النصارى) من أهل الكتاب مع اليهود، للتمييز بينهم وبين الوثنيين. ويجمعهم مع المسلمين، وحدة في الدين. وتلاحظ (الباحثة)، اقتران توجه القرآن إلى أهل الكتاب، بالتوجه إلى (بني إسراءيل) أساساً، الذين خُصّوا بالتوراة، والإنجيل. فالقرآن يعتبر ضمنياً، (النصارى العرب)، موالين لأهل الكتاب، وإنْ خاطبهم في بعض المواضع من (سورة آل عمران: 3/ 64) على أنَّهم من أهله، لكنَّ الباحثة تلاحظ أنَّ النصارى في بعض الآيات القرآنية: (يتمتّعون بمكانة أحسن من مكانة اليهود)، رغم موقفه الحاسم بشأن عقيدتهم: (لتجدّنَّ أشدَّ الناس عداوةً للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدنَّ أقربَهُمْ للذين آمنوا الذين قالوا إنّا نصارى ذلك بأنَّ منهم قسّيسينَ ورهباناً وأنَّهُمْ لا يستكبرون): (المائدة: 5/ 82). وقد قسَّم القرآن، النصارى إلى قسمين: طائفة مؤمنة، وطائفة كافرة، لكن الأكثرية منهم (فاسقة). أما النصارى المؤمنون في (القرآن)، فهم: (الذين هادوا والنصارى والصابئين)، أي الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر، ويعملون الصالحات. ويدرج القرآن في الفئة المؤمنة من النصارى، طائفة (الحواريين) في عصر المسيح. أما قاعدة الجدل في القرآن مع أهل الكتاب، فهي: (ولا تُجادلوا أهل الكتاب إلاّ بالتي هي أحسن إلاّ الذين ظلموا منهم): (سورة العنكبوت: 20/ 46). وهو المعنى نفسه الوارد في الآية: (أُدعُ إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحَسَنة، وجادلهمْ بالتي هي أحسن): (سورة النحل: 16/ 125).

والخلاصة عند الباحثة، هي مديحُ القرآن لعقيدة عيسى بن مريم (المسيح)، التوحيدية، ومعارضة القرآن لعقيدة التثليث والصلب في الأناجيل الأربعة، أو ما سُميَّ بالمسيحية (لاحقاً) بعد وفاة المسيح.

– أمّا (ابن عساكر الدمشقي) في كتابه (تاريخ مدينة دمشق)، فقد أورد (سيرة السيّد المسيح)، (وقد ولد ابن عساكر عام 1105م في دمشق)، معتمداً على الأناجيل والقرآن والحديث. وهناك مجموعة من الأخبار رواها ابن عساكر في سرد سيرة المسيح، منها:

أولاً: قال ابن عباس: لما وهب الله لزكريا، يحيى بلغ ثلاث سنين بشّر لله مريم بعيسى، قالت الملائكة: يا مريم اسجدي واركعي مع المصلّين مع قرّاء بيت المقدس. وقال ابن عباس: قصَّ ذكر مريم على اليهود والنصارى ومشركي العرب، إذْ انتبذت من أهلها، يعني: خرجت من أهلها، مكاناً شرقياً، قال: كانت خرجت من بيت المقدس، مما يلي الشرق، فاتخذت حجابا، أي جبلاً بين مجلسها، وبين بيت المقدس. قال ابن عباس: فدنا جبريل فنفخ في جيفها (جيبها)، فدخلت النفحة جوفها، فاحتملت كما تحمل النساء في الرحم والمشيمة، ووضعته كما تضع النساء.

ثانياً: بلغني أنَّ بين آدم، وميلاد المسيح (5500 سنة). وبين الطوفان، وميلاد المسيح (3244 سنة). ومن إبراهيم إلى ميلاد المسيح (2713 سنة). ومن وفاة المسيح إلى الهجرة النبوية (933 سنة). ويروي ابن عساكر أن المسيح عاش في القرن الرابع ق.م!!!، اعتماداً إلى عامر بن شراحيل الشعبي (ت 721). أمّا وصف المسيح، حسب ابن عساكر نقلاً عن الأخبار، فهو: (رجلٌ أحمر بين القصير والطويل، سبط الشعر، كثير خيلان الوجه، كأنه خرج من ديماس يعني الحمَّام، فحال رأسه يقطر ماءً): ص:53. والمسيح، (رجل مربوعٌ إلى الحمرة والبياض، سبط كأن رأسه يقطر وإنْ لم يصبه بلل: ص:57).

ثالثاً: جاء عيسى إلى القدس، وهو في سنّ الثالثة عشرة، فقدم عليه (يوسف)، ابن خال أُمّه، مع أمّه مريم، وأقام عيسى في (إيلياء = القدس)، حتى أحدث الله له (الإنجيل): ص: 70. وجاء أنَّ زكريا، كفل مريم (ص: 76)، وأنَّ (مدينة نصيبين)، كانت مجالاً من مجالات حركة دعوة المسيح وتلاميذه (ص:93)، وأنَّ مريم كانت مهنتها (الغَزْل)، أي النسج: (كان عيس بن مريم يأكل من غزْل أمّه: ص:124). و(كان يأكل الشجر ويلبس الشعر، ويبيت حيث أمسى. لم يكن له ولد فيموت، ولا بيت يخرب، ولا يُخبئ غداءً لعشاء، ولا عشاء لغداء، وكان يقول: كل يوم يجيء معه رزقه: ص: 126 – 127)، وأنَّ (يحيى بن زكريا)، كان (رجلاً ضحَّاكاً بسَّاماً، إذا جلس لم يَزَلْ ضاحكاً وأصحابه يضحكون: (ص: 216)، وأنَّ اليهود لم يصلبوا المسيح في بيت خالته، بل صلبوا رجلاً يشبه المسيح، أخذوه وصلبوه (ص: 211)، وأنَّ عيسى عاش (120 سنة): ص: 222) وأنَّ عيسى مات في سن (الثالثة والثلاثين: ص: 226). وقال آخرون أن عيسى عاش (63 سنة)، أو (40 سنة): (ص: 225 + 227). وقال آخرون أن الفترة ما بين عيسى، ومحمد صلى الله عليه وسلم هي: ستمائة سنة (ص: 227).

– أمَّا (ميشيل دوس) في كتابه (مريم المسلمة)، فيقول بأن اسم (مريم)، ذكر في القرآن، أكثر مما هو مذكور في العهد الجديد بأجمعه: نجده في أربع وثلاثين واقعة، مقابل تسع عشرة مرَّة في الأناجيل وأعمال الرسل، ويظهر الاسم في القرآن (ثلاثاً وعشرين مرّة من بين الأربع والثلاثين)، مشفوعاً بالإعلان عن اسم ابنها (المسيح عيسى بن مريم) أو ابن مريم فقط، وبالتالي، فإن مريم ليست مذكورة باسمها ولذاتها، سوى إحدى عشرة مرّة. بينما ذكرتْ في (العهد الجديد) بمجموعه، (تسع عشرة مرّة فقط)، بصفتها (أم يسوع)، رغم ظهور اسم مريم (55 مرّة): (ص: 20). وهذه المكانة التي خصَّ بها القرآن، مريم، تثير الدهشة، حسب ميشيل دوس، لأنها المرأة الوحيدة التي يشار إليها باسمها في القرآن كله، بل حتى (حوَّاء) أم البشرية، لا تظهر فيه إلاّ بوصفها (امرأة آدم). ولمريم هويتان، هما: (أُمُّ عيسى)، و(أختُ موسى وهارون). وهنا يتساءل ميشيل دوس: (كيف السبيل إلى التعرف في الوجه الوحيد نفسه على أنه شخصيتين اثنتين بينهما فاصل زمني، يناهز الألف عام!): ص 26. وهو يقول إنَّ (مريم) التي ما إن ولدت في الصحراء، حتى رجعت إلى قومها وهي تحمل وليدها، فاعتبروها بَغيّا، وصاحوا بها: (يا أخت هارون)، لكنها أشارت إلى الوليد فبادر يسوع الطفل، حسب القرآن إلى الردّ فتكلم للمرّة الأولى. ويقارن الباحث بينها وبين (مريم التوراتية، أخت موسى وهارون). ومريم التوراتية (ليست أُمّاً)، بخلاف مريم القرآن، ومريم الأناجيل. والقرآن (يقول ميشيل دوس) يُغفل ذكر آلام المسيح وموته على الصليب. وهنا نذكّر بموقف (الغنوصيين) الذي ينفون الصلب أيضاً، ويقول (بازيليد) بأن (سمعان الكنعاني)، هو الذي صُلب بدلاً من المسيح!. وقد ورد (يوحنا المعمدان) في القرآن، خمس مرات، بينما ذكر في العهد الجديد (94 مرَّة). فالمهمة الموكولة له هي الشهادة لسرّ عيسى بن مريم، وهو في القرآن (يحيى).

رائحة التاريخ: لا دُخان بلا نار!

في كتابه (يسوع التاريخ، 2005)، يقدّم (لطفي حدَّاد) قراءة موسَّعة للأناجيل الأربعة، وما تلاها من أناجيل أخرى، في محاولة لاكتشاف الفارق بين (مسيح التاريخ) و(مسيح الإيمان)، وهنا نحاول تلخيص بعض أفكار هذا الكتاب على النحو التالي:

أولاً: في الكتابات اليهويَّة: قال المؤرخ اليهوي، (فلافيوس يوسيفوس) ما يلي: (في ذلك الوقت عاش يسوع، رجل حكيم، لأنه أنجز أعمالاً مدهشة، جذب إليه العديد من اليهود واليونانيين). و(جمع قضاة السنهدرين، وأحضر أمامهم أخا يسوع، الذي يدعى المسيح، وكان اسمه يعقوب وآخرين، واتهمهم بخرق الشريعة، وأسلمهم للرجم، فانجرح شعور سكّان المدينة الذين يعتبرون معتدلي الفكر): ص 10 – 11. كذلك جاء في (التلمود) ما يلي: (صلب يسوع قبل الفصح بيوم واحد)، وهناك مخطوطة تدعى (Toledoth Jesu)، وهي مخطوطة (يهويَّة) أيضاً، تقول: (حاول تلاميذ المسيح أن يسرقوا جسده، فعرف بذلك بستاني، فجاء خفية ونقل جثمانه من قبر يوسف الرامي إلى قبر جديد آخر حفره له. وعندما جاء التلاميذ إلى القبر الأصلي، وجدوه فارغاً، فادَّعوا أنه قام من بين الأموات: ص 12). هذا ما ورد عن المسيح في الكتابات اليهويَّة.

ثانياً: أمَّا في (الكتابات الوثنية)، التي يرجع معظم تاريخها إلى القرنين الأول والثاني الميلاديين، فقد ورد فيها ما يدل على وجود شخص تاريخي بهذا الاسم، وبهذه الصفات:

  1. كورنيلوس تاسينوس (55 – 125م): (لكي يتخلَّص نيرون من التهمة (أي حرق روما)، استبدل المشبوهين، بمجموعة مكروهة معروفة باسم المسيحيين، وعاقبهم بفظاظة شديدة، ونكَّل بهم. فالمسيح، الذي اشتق المسيحيون منه اسمهم، كان قد أُعدم في عهد الامبراطور طيباروس على يد الوالي بيلاطس البُنْطي: (ص13).

  2. ثللوس (ت: 52م): ذكر أنَّ الظلام خيّم على الأرض حين مات المسيح، وشرح هذه الظاهرة على أنها (كسوف الشمس)، لكنَّ يوليوس الإفريقي، قال بأن الكسوف الكامل لا يمكن أن يحدث أثناء اكتمال القمر، لا سيّما أن المسيح، صلب ومات في فصل الاحتفال بالفصح، وفيه يكون القمر، بدراً مكتملاً: (ص: 14).

  3. لوسيان اليوناني: إنَّ المسيحيين، ما زالوا إلى اليوم، يعبدون رجلاً – وهو شخصية متميزة، استنَّ لهم طقوسهم الجديدة وصُلب من أجلها، فأنكروا آلهة اليونان، وعبدوا الحكيم المصلوب: (ص: 14 – 15).

  4. تقرير بيلاطس البُنطي: وهو رقيم، ذكر أن جوستين الشهيد عام 150م، في أثناء محاكمته، أكد أن صلب المسيح، يثبته (تقرير بيلاطس): ص: 15.

  5. سينونيوس (120م): قال بأن أحد أسباب اضطهاد المسيحيين، هو إيمانهم بصلب المسيح وموته وقيامته: ص: 15.

  6. بليني الأصغر (112م): ذكر بأن المسيحيين كان لهم عادة الاجتماع في يوم ثابت معين قبل انبلاج الصبح، يغنون تراتيل للمسيح، ويرتبطون بقسم ديني، أن لا يرتكبوا أي عمل شرير، وأن يبتعدوا عن الغش والسرقة والزنى، وأن لا يتراجعوا عن كلمتهم): (ص: 15).

  7. كسلوس (الفيلسوف الأبيقوري (ولد سنة 140م): قال: احتمل المسيح، آلام الصليب لأجل خير البشرية: ص: 16.

ثالثاً: لم يكتب المسيح نفسه، أي فصل، ولم يُدوّن أي شيء أثناء حياته، أمَّا (الكتابات المسيحية)، فيجمع العلماء على أنه ليس من شاهدٍ عايش يسوع التاريخ، قام بكتابة أيّ نص عنه، بما في ذلك الأناجيل الأربعة والرسائل: كان (مرقيون) قد اقترح أن ترفض المسيحية (كتب اليهود)، وأن تجمع كتبها الخاصة بها في لائحة خاصة. أراد (مرقيون) أن يعتمد إنجيلاً واحداً، هو (إنجيل لوقا)، ورسولاً واحداً، هو (بولس). ورفض مرقيون أن تشتمل (كتب بولس، وإنجيل لوقا) على الكتابات اليهودية في كتاب (العهد الجديد). ثمَّ أصدر يوسابيوس العسقلاني، كتاباً في عدة أجزاء عن تاريخ الكنيسة، عام 325م. وهناك إجماع على أن (العهد الجديد) بكتبه المعترف بها من قبل الكنيسة، كتبت نهائياً في نهاية  القرن الأول الميلادي. وقد أعلن (المجمع الفاتيكاني الثاني) ما يلي: (تعتبر أمُّنا الكنيسة المقدسة، أن كتب العهد القديم، والعهد الجديد، كلها بجميع أجزائها مقدسة وقانونية، لأنَّ تلك الأسفار، كُتبتْ بإلهام الروح القدس): ص: 24. وقد تُرجم (العهد الجديد) إلى (1860 لغة)، ويرجح أنَّ أول ترجمة (عربية)، له، كانت في عصر الخليفة المأمون العبّاسي (813 – 833م)، وقد قام بالترجمة: (أحمد بن عبد الله بن سلام)، لكنَّ أهم الترجمات العربية، كما يقول الباحث، هي ترجمة (ابن العسَّال). أمّا (إنجيل برنابا)، فقد كتب بين (80 – 120م)، لكاتب من تلاميذ برنابا، وفيه، (تحذيرٌ للمسيحيين من المفهوم اليهودي للعهد القديم: ص: 32).

رابعاً: يبدو أن (جماعة الأسينيين)، هي طائفة منفصلة عن (اليهويَّة)، نظَّموا أنفسهم في (نظام ديري صارم)، وعاشوا عيشة جماعية في (قمران) شمال غرب البحر الميت، قرب بيت لحم. ويكتنف الغموض شخصية (معلم البرّ)، الذي ورد في مخطوطات البحر الميت، وهناك تشابه كبير بين هذا المُعلّم، والمسيح الذي نعرفه في كتابات العهد الجديد. وأوجه الشبه بين المسيحية، والأسينية، كثيرة وعميقة. وكان عددهم يقدّر بأربعة آلاف عند بداية التاريخ الميلادي، وكانوا يطلقون على أنفسهم اسماً هو: (بريث حداشة)، أي (العهد الجديد): (ص: 41 – 43). ويُعتقد أنهم عاشوا في الفترة (200 ق.م – 70م). كذلك عثر في قرية (حمره دوم)، بمركز (نجع حمّادي) بمحافظة قنا في صعيد مصر على (كتابات نجع حمّادي)، وهي تحتوي على (53 نصّاً) في (1153 صفحة)، كتبت باللغة المصرية القبطية، ومن بينها عدد من (الأناجيل غير المعروفة)، ومنها: إنجيل توما، إنجيل مريم، إنجيل المصريين، إنجيل الحق، ورؤيا بولس، وغيرها: (ص: 52). وقد كُتب (إنجيل توما) قبل منتصف القرن الثاني الميلادي، والأرجح أنه كتب في الفترة: (90 – 140م): (ص: 205)، ولفهمه، لا بُدّ من مراجعة الأفكار الغنوصية، وهي (معرفة باطنية حدسية)، وقد أنكر الغنوصيون (مسألة الموت على الصليب، وقيامة الجسد). و(غنوص)، كلمة يونانية، تعني (معرفة): (ص: 206 – 208). ويقول بعض المفكرين، أنَّ: (بولس)، هو الذي حوَّل (المسيح) من مُعلّم تاريخي إلى شخصية أسطورية، ذات أبعاد إلهية (ص: 248)، و(يسوع المسيح، حسب الإيمان المسيحي، مختلف جداً عن المسيح اليَهْوي، ويُعتقد أنه صُلب، بتاريخ، (30/ 4/ عام 30م): (ص: 252).

خامساً: ولد المسيح (عام 4 ق.م)، حسب الباحث لطفي حدّاد، في الخامس والعشرين من كانون الأول. وقد تكون (قمران)، إحدى محطاته التبشيرية، وكان مُعلّماًَ من الطبقات الفقيرة). وكانت لغة (الشعب الكنعاني الفلسطي) في زمن المسيح، هي (الآرامية). أمّا (سِفَتْ كنعن)، فهي اللغة الدينية للطائفة اليهوية في أورسالم. ومات المسيح، حسب لطفي حدّاد، (سنة 30م)، وبعد عام 37م، انتقلت الجماعة المسيحية إلى (طبقة فحل (بلا)، ومنها، نشروا المسيحية في شرق نهر الأردن. ويعتبر (إنجيل متى)، آرامياً، كتب في الأصل باللغة الآرامية، ويوصف بأنه (الإنجيل الفلسطيني)، ويُقصد: منطقة: فلسطين، والبقاع اللبناني، وسوريا، وتمَّ تدوينه قبل عام 100م. أما (إنجيل متى) المعتمد في العهد الجديد، فله صبغة يونانية. ويقول الباحث، بأن (سلسلة النسب): خاطئة بالتأكيد تاريخياً، وأن مقتل أطفال بيت لحم، ليس له ما يؤيده في كتب التاريخ، وأنَّ (يوحنا المعمدان) يشبه (رهبان قمران الأسينيين)، وهو تاريخي، وقد سُجنَ لأسباب سياسية، أي (تخوفاً من التفاف الجموع حوله)، وقُتل لأسباب دينية (قصة سالومي): (ص: 260 – 263).

خلاصة: من هو المسيح:

ولد السيّد المسيح في الخامس والعشرين من ديسمبر، عام 4 ق.م، ومات في عام 30م. وكانت ولادته في مدينة (بيت لحم) الجنوبية، القريبة من (قمران الأسينية)، ومن (أورسالم)، عاصمة مملكة فلسطين الأدومية، وقريباً من (يوطة = يطّا حالياً)، قرب (خِلّْ إيل = حبرون)، التي كانت مسقط رأس (يحيى بن زكريا = يوحنا المعمدان). وكانت بيت لحم آنذاك أدوميةً، عقيدتها (وثنية كنعانية فلسطينيَّة)، وذلك في عهد هيرودوس الكبير (حَرَد العربي العسقلاني). أما المسيح، فقد عاش في عهد ابنه (هيرود أنتيبا). أمَّا اسم المسيح، فهو (عيسى بن مريم) عند المسلمين، أو (عيسى النجّار) في بعض الأناجيل. أمَّا (المسيح)، فهو لقبه عند الولادة، أمّا (يسوع الناصري)، فهو لقبٌ ديني، ربّما أطلقته الأناجيل عليه فيما بعد، رغم أنه لم يتفق مع مفكر (طائفة النصارى) في جنوب فلسطين، في (قرية الكرمل)، بسهل (زيف)، جنوب شرق الخليل، وهي طائفة، غير يهويَّة، سابقة للمسيحية. وكان أبواه (مريم، ويوسف النجّار)، حسب بعض الباحثين، (كنعانييْنْ وثنييْنْ)، أو أنّهما ينتميان دينياً إلى (طائفة النصارى). ويجمع الباحثون على أن (المسيح) قد عاش (33 سنة فقط)، وأنَّ دعوته استغرقت ثلاث سنوات فقط. وكانت دعوته موجهة إلى كلّ أبناء الشعب الكنعاني الفلسطيني، سواءٌ أكانوا (وثنيين)، أو ينتمون إلى الطائفة اليَهْويَّة، أو من الجاليات اليونانية، والرومانية في فلسطين. وأصبحت دعوته موجهة (لاحقاً) إلى شمال فلسطين (جليل الأمم)، وإلى جنوب فلسطين (الأدومي)، وإلى بيريا، (شرق الأردن)، كذلك إلى الجنوب اللبناني، الكنعاني (الفينيقي)، خصوصاً: صور وصيدا، والبقاع، وسوريا. كانت هذه جغرافيا، حركة المسيح ذات الطابع الشعبي. وعلى الأرجح، أنَّ المسيح، كان ينتمي إلى الطبقة الفقيرة الفلسطينية. ويميل بعض الباحثين إلى أنَّ المسيح في مرحلته الأولى والأخيرة (بيت لحم، حبرون، قمران)، و(أورسالم)، لم يكن يميل إلى الأفكار الأسينية، كما أنه، لم يتفق مع الأفكار (النصرانية)، رغم أنه تأثر بهما. وبالتالي يمكن تقسيم حياته إلى أربعة أقسام:

  1. مرحلة الولادة والطفولة في بيت لحم، ثمَّ علاقته مع أورسالم حتى الثامنة عشرة من عمره.

  2. مرحلة التعميد، رُبَّما في سن الثامنة عشرة، وربّما في سن الثلاثين في نهر الأردن، وفي هذه المرحلة الجنوبية، تنقل في الأمكنة التالية: (بيت لحم، حبرون (خِلّْ إيل)، يوطة (يطّا حالياً)، قمران، (قرية (الكرمل) الجنوبية، جنوب شرق الخليل، حيث إقامة (طائفة النصارى)، وأورسالم، وربّما نهر الأردن). هنا اكتسب التجربة الأولى، على يد مُعلّمه الأوَّل (يوحنا المعمدان)، الذي ربَّما كان أسينياً، أو نصرانياً، وإذا كان هيرود أنتيباس قد حكم (الجليل) في الفترة (4 ق.م – 39 ق.م)، أو (34 ق.م)، وأنَّ حادثة اغتيال يوحنا المعمدان، قد حدثت في أواخر حكمه، فنحن نقدّر أنَّ عائلة المسيح، ارتحلت من (بيت لحم) إلى (جليل الأمم)، بعد حادثة مقتل يوحنا المعمدان، أو ربّما قبلها بقليل. وكان المسيح، جاهزاً للدعوة، التي استمرت ثلاث سنوات في الجليل. وكان للمسيح أتباع يلتقي بهم في أدوم الجنوبية أيضاً: (بيت لحم، القدس، الخليل، بئر السبع، أريحا).

  3. مرحلة الجليل: كانت عائلته قد استقرَّت في الجليل، بعد اغتيال معلمه (يوحنّا المعمدان)، وكانت حركته الأساسية مع تلاميذه، تنطلق من الجليل، باتجاهات متعددة: أورسالم، أدوم، شرق الأردن، صور وصيدا، وقرى الجليل نفسه، وحوران السورية.

  4. مرحلة أورسالم: هي قمَّة التجربة، حيث واجه الطائفة اليهويَّة، وعلى رأسها (الفريسيين)، بعقيدته الجديدة (العهد الجديد) في أورسالم. فاستقوت الطائفة اليهوية بالحاكم الروماني بيلاطس البُنطي، واعتقلته، وحاكمته في (مُجمَّع الأديان)، الذي كان يضمُّ: الآلهة الكنعانية الفلسطيَّة، والآلهة اليونانية – الرومانية، والإله يهوه. الوثني أيضاً، وكهنة يهوه، هم الذين حكموا عليه بالصلب حتى الموت، كما تقول العقيدة المسيحية، أو أنَّ الذي صُلب هو شخص آخر، كما يقول بعض الباحثين، ربّما كان: (سمعان الكنعاني) أو: يهوذا الأسخريوطي. أوْ (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شُبّه لهم)، حسب الإسلام. وقد كانت وفاته، بتاريخ (30/ 4/ 30م). وبعد أكثر من ثلاثين سنة كتب (بولس) رسائله، وبعد أكثر من ستين سنة من وفاة المسيح، بدأت كتابة بعض (الأناجيل)، حتى اكتملت في مطلع القرن الثاني الميلادي. ولم يكن أي كاتب من كتبة الأناجيل قد شاهد المسيح. كما أنَّ المسيح نفسه، لم يدوّن أي نصّ في حياته. وبالتالي، فالمسيح (عيسى بن مريم)، الملقب (دينياً) بيسوع الناصري، من قبل كتبة الأناجيل، لم يكن أسينياً، أو نصرانياً، وإنما أسَّس (ديناً جديداً)، هو: العهد الجديد. كان كنعانياً فلسطينياً، يتكلم اللهجة الآرامية الكنعانية، وكان تلحميّاً جنوبياً، حسب الولادة، وجليلياً شمالياً، حسب فترة الدعوة، ولم يكن (يَهْوياً) على الإطلاق.

مراجع:

– القرآن الكريم.

– الكتاب المقدس (العهد الجديد): جمعية الكتاب المقدس، ط4، بيروت، 1993 – (الأناجيل الأربعة): ص: 1 – 178.

  1. كمال الصليبي: البحث عن يسوع، دار الشروق، عمَّان، 1999م.

  2. فؤاد بطاينة: شيطانية الأسفار، وخطأ الغرب التاريخي، مطابع الدستور، عمَّان، 2007.

  3. عبّاس محمود العقّاد: حياة المسيح، مكتبة الأسرة، القاهرة، 2002.

  4. جورجي كنعان: والمسيح هو المشكلة، بيروت، 2001.

  5. كمال الصليبي: المرجع السابق.

  6. مخطوطات (قمران – البحر الميت): الكتب الآسينية، حققّها: أندريه دوبون – سومر، ومارك فيلوننكو – ترجمة: موسى ديب الخوري، دار الطليعة الجديدة، دمشق، 1998.

  7. عبده وازن: سقطة المؤرخ، ملحق جريدة النهار، بيروت، 22/ 1/ 2000.

  8. نقولا أبو مراد: الافتراض المشبع بالذاتية، المرجع السابق.

  9. نقولا أبو مراد: كيف يُقرأ المسيح في عالم اليوم، ملحق جريدة النهار، بيروت، 23/ 12/ 1999م.

  10. فراس السوّاح: الوجه الآخر للمسيح، دار علاء الدين، دمشق، 2004.

  11. فولتون شين: حياة المسيح، ترجمة: نجيب غالي، مكتبة المحبة، القاهرة، (د. ت).

  12. سلوى بلحاج صالح – العايب: المسيحية العربية وتطوراتها، دار الطليعة، بيروت، ط2، 1998.

  13. ابن عساكر الدمشقي: سيرة السيّد المسيح، تحقيق: سليمان علي مراد، المعهد الملكي للدراسات الدينية، دار الشروق، عمّان، 1996.

  14. ميشيل دوس: مريم المسلمة، ترجمة: عبود كاسوحة، دار قَدْمُسْ، دمشق، 2008.

  15. لطفي حدّاد: يسوع التاريخ، مؤسسة جذور الثقافية، توزيع: الدار العربية للعلوم، بيروت، 2005.

  16. إنجيل برنابا: ترجمة: خليل سعادة، القاهرة، 1908: أعادت نشره، مكتبة النافذة، القاهرة، 2006: عثر عليه عام 1709 بنسخة إيطالية. –

– برنابا، ورد اسمه في (أعمال الرُّسل)، التي يُنسب تدوينها إلى (لوقا)، وجاء أنَّ برنابا، هو الذي شهد لبولس، بالإيمان. وكان مع بولس يمارسان التبشير في قبرص. وقد وُجد إنجيل باسمه يدلّ على أنه من الحواريين. ويذكر التاريخ أن هناك أناجيل كثيرة حرّمتها الكنيسة، ومنها: (إنجيل برنابا) المكتوب باللغة الإيطالية.

– أما المترجم (خليل سعادة، 1908)، فيقول بأن الاختلافات بين إنجيل برنابا، والأناجيل الأربعة هي:

  1. 1. قوله إن يسوع، أنكر إلوهيته، وأنكر كونه ابن الله، أمام الناس.

  2. 2. تضحية إبراهيم كانت باسماعيل، عكس التوراة (إسحق).

  3. 3. أنّ الذي صُلب، هو يهوذا الأسخريوطي، وليس المسيح.

  4. 4. إنَّ رسول الله المنتظر، هو محمد (رسول الله) – (ص: 149-150).

– كذلك يذكر (إنجيل برنابا)، الحواريين، وهم: (1. أندراوس. 2. بطرس.

3. برنابا. 4. متّى. 5. يوحنّا. 6. يعقوب. 7. تَدَّاوُس. 8. يهوذا. 9. برثولماوُس. 10. فيبلُبُّس. 11. يهوذا الأسخريوطي. 12. يعقوب) – (ص: 64).

– ويرى البعض أن إنجيل برنابا، قد يكون مترجماً عن العربية، أو الآرامية، وبالتالي، قد يكون مترجماً عن (المصدر أو الأصل الشرقي). كما يرى آخرون، أنه ربّما، هو منقولٌ عن (إنجيل النصارى العرب المفقود)، ولهذا يسمّيه بعض الباحثين: (إنجيل العرب).

  1. 18. نقولا زيادة: المسيحية والعرب، ط3، دار قَدْمس، دمشق، 2001.