هآرتس: من الذي سيدافع عن الاسد بعد انسحاب روسيا من سوريا؟

 putin-assad66

بقلمتسفي برئيل

“الاصدقاء والوطن بانتظاركم”، هذا ما أعلنه بوتين لجنوده في قاعدة سلاح الجو الروسية في شمال سوريا. هذه بشرى ممتازة  للجنود والمستشارين والطيارين الذين “أنهوا مهمة محاربة الارهاب في سوريا”، كما قال بوتين – فقط لم يزل غير معروف لهؤلاء الجنود متى يجب عليهم حزم أمتعتهم، وكم بالضبط سيغادرون الدولة. هل ينوي بوتين سحب قواته كجزء من الجهود السياسية التي تجري في هذه الايام في جنيف، أو أنه سيبقيها في سوريا الى حين اتضاح نتائج المحادثات التي انسحب منها ممثلو النظام وعادوا اليها مرة اخرى في يوم الاحد؟ سؤال حاسم آخر هو هل روسيا ستنسحب من الاشراف على المناطق الآمنة في جنوب سوريا ووسطها، أو أن هذه المهمات ستستمر حسب المخطط الذي اتفق عليه مع الولايات المتحدة وايران وتركيا.

إن اعلان بوتين لا يبين بالتفصيل شروط سحب القوات ولا حجم الانسحاب ولا موعده، وهكذا يمكن التقدير أن النية ليست ترك الساحة السورية نهائيا، بل تقليص بصورة جزئية الوجود الروسي. المناطق الحاسمة مثل المناطق الامنية والنشطة في الحدود الشرقية للدولة سيتواصل عملها كالمعتاد.

 في يوم الخميس القادم يتوقع أن يعقد في الاستانا، عاصمة كازاخستان، منتدى النقاش حول المناطق الآمنة من اجل البحث في تنفيذ الاشراف وتوزيع المسؤولية بين روسيا وايران وتركيا. على خلفية اعلان بوتين سيكون هذا لقاء يجب أن يهم جدا اسرائيل، لأنها تتوقع رؤية اذا كان الرئيس الروسي سينجح في اقناع الايرانيين بابعاد قواته عميقا نحو الشرق في جنوب سوريا. الى أبعد من 25 كم. تركيا من جانبها تنتظر موافقة روسية لتمكين قواتها من تعميق سيطرتها على شمال الدولة لكبح توسع منطقة السيطرة الكردية، الامر الذي يتوقع بحثه ايضا في مؤتمر الاستانا.

إن تعهد بوتين بضرب المنظمات الارهابية اذا رفعت رأسها يوضح أنه لا ينوي ترك الساحة العسكرية، أو تغيير الاستراتيجية التي اتبعها حتى الآن وغير ميزان القوى لصالح الاسد. ولكن الانسحاب – حتى لو جزئيا – سيضع في يده شرعية للمطالبة بأن تترك كل القوات الاجنبية سوريا. إن نيته ستكون بالاساس موجهة نحو القوات الامريكية والتركية التي لا تحظى بشرعية مثل القوات الروسية والايرانية التي “تم استدعاءها” من قبل الاسد، كما أوضح قبل نحو اسبوعين وزير الخارجية الروسي سيرجيه لافروف. إن تأييد هذا يمكن ايجاده في الصيغة التي اختارها بوتين والتي تقول إن القوات الروسية نجحت في هزيمة معظم قوات داعش، لهذا لم يعد للولايات المتحدة التي بررت تدخلها العسكري في سوريا لمحاربة داعش، ما تفعله في الدولة.

لقد رد البنتاغون بشك وأعلن أن “اعلان روسيا عن سحب قواتها لا يتلاءم دائما مع تقليص القوات، ولا يغير سلم أولويات الولايات  المتحدة في سوريا”. ولكن كان للولايات المتحدة حتى الآن فقط هدف معلن واحد لتدخلها في سوريا وهو القضاء على داعش. بعد أن أعلن رئيس الحكومة العراقي في الاسبوع الماضي أن داعش هزم في بلاده، وضمت روسيا الى ما حدث في العراق النجاح في سوريا، فليس من الواضح ما الذي قصدته ادارة ترامب عندما تحدثت عن سلم الأولويات في سوريا.

 إن نجاح روسيا، التي بالتأكيد ستلعب دورا هاما في المعركة الانتخابية للرئاسة التي ستجرى في شهر آذار القادم، لم يتم التعبير عنه فقط بصورة غيرت ميزان القوى في صالح الاسد. هي تظهر بصورة بارزة بشكل خاص بكونها أبعدت الولايات المتحدة عن الساحة، وادارة نسيج مركب من عدة حالات لوقف اطلاق النار المحلي التي مكنت في النهاية من اقامة المناطق الآمنة. ولكن هذا الانجاز يصعب أن يبقى قائما بدون مظلة عسكرية تشرف من جانب على منع الهجمات في المناطق الآمنة، ومن الجانب الآخر تواصل القتال ضد معارضي النظام المصنفة كمنظمات ارهابية. من اجل تحقيق هذين الهدفين يحتاج النظام الى قوات روسية هامة، واساسا الى سلاح الجو الروسي.

إن انسحاب القوات الروسية ايضا حتى لو كان كبيرا ونفذ قريبا، فانه يبقي وبشدة مسألة التدخل العسكري الايراني في الدولة. الافتراض الاساسي الاسرائيلي والامريكي هو أن ايران ستسعى الى استغلال انسحاب القوات الروسية من اجل تعزيز وجودها في الدولة، عن طريق زيادة عدد القواعد العسكرية وارسال عدد كبير من المقاتلين. ولكن ليس هذا هو السيناريو الوحيد المحتمل. روسيا وايران لا تديران لعبة حاصلها صفر في سوريا. وهما لا تتنافسان على قلب الاسد، المرتبط بهما بصورة مطلقة.

في كل اتفاق سياسي على مستقبل سوريا، فان مكان الطاغية السوري سيكون مضمونا على الاقل في المدى القصير، والسؤال هو كيف سيتم تقسيم “الغنائم” الاقتصادية والسياسية بين روسيا وايران. اذا لم تتمكن أي واحدة منهما من ابعاد الاخرى عن الساحة، وهناك مصالح لهما في استقرار الدولة وانشاء دولة كانتونات. إن تحقيق هذه المصالح مرتبط بالتفاهمات التي سيتم التوصل اليها بين روسيا وايران، وليس بصراع عسكري على سيطرة جغرافية تقتضي تعزيز القوات في سوريا لفترة زمنية طويلة، وهو وضع ليست أي واحدة منهما معنية به، كما أنه توجد لهما تجربة في تحقيق التأثير في دول اخرى بوسائل اقتصادية وسياسية وليس عسكرية بالضرورة.