الأردن ناوَر استدراك القاهرة ولا يريد دورا في الضغط على الفلسطينيين: المعارضة التقليدية تدعم الملك وتؤكد ان الجهد الرسمي “الموجع″ وراء دعوى محكمة الجزاء الدولية.. لا مفر من زيارة الرياض ومحاولة لترتيب البيت العربي قبل قمة اسطنبول لتخفيف سيناريو “تخاطف الوصاية”.. ملف السفير السعودي حاضر لكنه اقل أهمية..

jordan-king-newwww.jpg777

برلين – “رأي اليوم” – فرح مرقه:

لا يريد ملك الاردن عبد الله الثاني لنفسه ان يكون ضمن أي ضغوط تمارس على الفلسطينيين في هذه المرحلة مهما كانت، الامر الذي يفسر بوضوح عدم ذهابه للقمة الثلاثية التي دعا اليها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بصورة استدراكية، وأعلنت عنها الرئاسة المصرية، لتنحسر لاحقاً لقمة ثنائية تجمع السيسي بالرئيس الفلسطيني المنتهية ولايته محمود عباس.

عمان اليوم ترى القاهرة ممثلة برئيسها وقد وضعت نفسها في موقع الوسيط بين الرئيس الفلسطيني وادارة الرئيس الامريكي دونالد ترامب، والتي يمثلها هذه المرة نائب الرئيس الامريكي مايك بنس، وهو ما لا تريد عمان لنفسها ان تكون طرفا فيه، إذ تعتبر اقناع الرئيس الفلسطيني للقاء بنس اضافة جديدة لسلسلة التنازلات في القضية الفلسطينية، وهنا تعلم أيضا ان التنازل خاصة في ملف القدس سيعني الكثير- اضافة للفلسطينيين- للأردن والملك والأردنيين.

أي مجسات لدى الدولة الأردنية لا بد رصدت أن البلاد تشهد حالة نادرة من الالتفاف حول المستوى الرسمي بما يتضمن الحكومة- التي نادى الشارع باسقاطها بسبب رفع الاسعار قبل أيام من إعلان الرئيس الامريكي دونالد ترامب نقل سفارة بلاده الاسرائيلية للقدس وإعلان الاخيرة عاصمة للاسرائيليين؛ وهذا الالتفاف خطير بنوعه أيضا فقد أزال وللمرة الاولى حواجز التوجس بين الشارع والمستوى الرسمي، ما يعني ان اي انقلاب عليه سيفقد المستوى الرسمي الشارع وبصورة كبيرة وغير مسبوقة بالضرورة، تناسبا مع قواعد الفعل ورد الفعل العلمية.

عمان تفهم، ان استدراك الرئيس المصري بدعوة ملك الاردن والرئيس الفلسطيني، في تنسيق ثلاثي “متأخر” في ملف القدس، بعدما كانت القاهرة نفسها قد تخلّت في سياق ذات التنسيق عن عمان في ملف المصالحة الفلسطينية الاخير، يأتي من قبيل دعوة لعمان للانضمام للتنسيق لما يسمى “صفقة القرن” والتي يشترك فيها عن الجانب العربي السيسي مع وليي العهد الاماراتي محمد بن زايد والسعودي محمد بن سلمان، وهو ما لم تكن فيه عمان منذ البداية بقرار واضح.

القاهرة- عمان- رام الله كانت ثلاثية انعقدت لعدة مرات وعلى مختلف المستويات اثناء القمة العربية الاخيرة التي ترأستها العاصمة الأردنية، ورعت اثناءها مصالحة بين مصر والسعودية على الهامش، الامر الذي انعكس بعد لقاء ترامب للزعماء الثلاثة (السيسي وعباس وعبد الله الثاني)، لتتفرد القاهرة امام عمان بعقد المصالحات الفلسطينية، تمهيدا للتسوية الكبرى التي تتضمن تخلي الفلسطينيين عن القدس وفق ما نُقل عن ولي العهد السعودي- وان نفاه سفير الرياض في الاردن بغرور-.

البعد الاردني عن “الركب العربي” في السياق بدا واضحا من عزله في ذلك الوقت، بينما اليوم يتجه نحو “ضمّه” بكل الوسائل، وهو ما فتح لعمان باب القاهرة امس وهو ما تجاوزه الاردن، بينما يفتح امامه اليوم باب الرياض، وهو اصعب من ان يتم تجاوزه. فالافلات من قمة القاهرة، لن يمكن عاهل الاردن من الافلات من الذهاب للرياض للاستماع للملك سلمان وهو يتحدث في ذات السياق من جهة، بينما يلوم عمان على السماح بحمل صورته شخصيا وصورة ابنه وولي عهده في الشوارع في اشارة لخيانة الاخيرين القدس، من جهة ثانية.

في النقطة الثانية تحديدا قد يشهد الشارع بعض انفعالات حكومية محدودة ارضاء للجانب السعودي، بينما باتت الرياض تعلم انها بعدما كانت اقرب لبعض الاردنيين خصوصا في الجنوب من قيادتهم، باتت بموقفها من القدس تتراجع شعبيتها بصورة ضخمة.

ما تريده عمان في المقابل هو التحضير جيدا لمؤتمر اسطنبول الذي يريد له عاهل الاردن النجاح اكثر من اي شيء اخر كونه المؤتمر الابعد عن اي تسوية مفترضة او متوقعة، وهو ما سيترك للاردن مجالا أكبر للمناورة، خصوصا والملك عبد الله يرى اليوم في روح المغامرة لدى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ما تتطلبه بلاده في ملف القدس اكثر من اي قيادة اخرى، ورغم التحفظات الامنية على تركيا باعتبارها راعية للاخوان المسلمين ورغم حاجز التاريخ الكبير.

محاولة طلب “تمثيل نوعي” للرياض في مؤتمر اسطنبول، كما تسربت الانباء، قد تكون غطاء عمليا لما هو اهم بالنسبة لعمان، وهو عدم “تخاطف” الوصاية على القدس كما حصل في المؤتمر الماضي الذي استضافته تركيا، حين اصرت الرياض على نسب الفضل لنفسها بينما التزمت عمان بنسب الفضل لاهالي القدس في حادثة ازالة البوابات الالكترونية الاخيرة، الامر الذي ترى فيه العاصمة الاردنية اضعافا كبيرا للموقف العربي اصلا في حضرة التركي الذي يعترف بوضوح بالوصاية الهاشمية.

عاهل الاردن اليوم على مشارف لقاء في الرياض مع عاهلها، وبانتظار الموقف السعودي الاوضح من ملف القدس، وهو بالنسبة للاردن ما سيوضح الكثير من التفاصيل، التي تعرفها عمان جيدا بخصوص الرعاية السعودية للتسوية الكبرى، ملفات من وزن السفير السعودي وتدخلاته بالسياسة الاردنية ونزقه قد تكون اقل اهمية من ذكرها على الطاولة، ولكنها بالتالي قد تكون ورقة جيدة في حالة التطرق لرفع رموز الرياض في الشوارع وبصورة محدودة.

عين ملك الاردن على اسطنبول وهو بالرياض، وان استمرت كذلك فهذا يعني ان الاردن ماضٍ في موقفه التصعيدي، والذي بدأ يجني ثماره ليس فقط بالاعتراف الدولي به، ولكن ايضا بتحريك دعوى ضده في محكمة الجزاء الدولية بسبب استقباله الرئيس السوداني عمر البشير في القمة العربية، ما يعني ان عمّان “أوجعت” عمليا في حملتها المستمرة في دعم القدس ورفض القرار الامريكي.

الموقف المذكور شهد ردات فعل غير مسبوقة من المعارضة التقليدية في الاردن فالقيادي الصقوري في الاخوان المسلمين الشيخ زكي بن ارشيد يرسل رسائله مذكرا بأن تحريك مثل هذه الدعوى معناه ان “الموقف الرسمي والشعبي الاردني محقّ”، وهذا بحد ذاته اعتراف من الاخوان بأنهم في الصف الثاني بعد الدولة والشارع في ملف القدس هذه المرة.

بكل الاحوال، لقاء عاهل عمان للملك سلمان لا يتوقع له ان يحدث الكثير من الفرق في الموقف الاردني، وان كانت محاولة واضحة لاعادة المرجعية الهاشمية للحضن السعودي الذي لا يريد بحال من الاحوال ان يستقطبها “العثمانيون” على حساب الرياض والقاهرة، خصوصا في ملف القدس وفي هذا التوقيت الحساس.