في ظل استعصاء عملية التفاوض.. وضياع الصوت السوري، ما أفضل ما تقوم به تنظيمات المعارضة السورية الآن؟

abdalla alhasan

عبد الله الحسن

في ظل هذا العقم السياسي والفشل العسكري في صفوف تنظيمات وفصائل المعارضة في جنيف واستانة وسوتشي قريباً، أصبح لزاماً علينا أن نعيد التفكير بطريقة أكثر فاعلية، ليس لأجل المعارضة واستمرارها، بل لأجل ما يمكن لثورة الشعب السوري استرداده بعد أن تم التلاعب بها من طرف أصدقائها قبل أعدائها.

كل الخيارات والسيناريوهات المطروحة تفيد بأن حظوظ المعارضة سياسياً وعسكرياً أصبحت معدومة، وحضورها يعني إعطاء الشرعية للاعبين الدوليين والاقليميين في الداخل السوري من أصدقاء المعارضة وأصدقاء النظام كي يتفاوضوا هم بين بعضهم البعض ثم يقودوا العملية السياسية بما يخدم مصالحهم دون مصالح السوريين كافة.

لقد أستطاعت تلك الدول أن تدير الحرب داخل سوريا بطريقة لا غالب ولا مغلوب حيناً من الزمن، ثم تطور الوضع نحو التدخل العسكري الروسي المباشر وما تبعه من تغيير في حسابات وتحالفات البعض مما جعل الأمر يميل إلى كفة دون أخرى، في النهاية استطاع الروس أن يحسموا الأمر بطريقة عسكرية في الداخل السوري تكللت في استرجاع مدينة حلب من يد فصائل معارضة، ثم تكبيل باقي الفصائل عبر حلفائها الاقليميين باتفاقيات خفض التصعيد في أستانة، واتفاقية خاصة بالجنوب السوري مع الولايات المتحدة والأردن، بالإضافة الى توجيه السلاح نحو داعش والنصرة، مما أدى الى شبه انتهاء الأولى وانحسارها الى منطقة البوكمال تحديداً بعد عمليات نوعية من فصائل قوات سوريا الديمقراطية المدعومة أمريكياً في الرقة ومحيطها، وقوات الجيش السوري المدعومة روسياً في مناطق دير الزور والبادية السورية، وارغام الثانية – جبهة النصرة – على اعادة تموضعها في منطقة ادلب وريفها والذي نتج عنه عمليات اعتقال لقياداتها المتشددة والأجنبية حدثت مؤخراً.

بعيداً عن أسباب التدخل الروسي ونتائجه القريبة، إلا أنه يحمل الكثير من الغموض والكثير الكثير من السلبيات فيما يتعلق بمستقبل سوريا والسوريين تحديداً، فعملية الحل السياسي ليست بأفضل من العسكري، لقد تلاعبت روسيا بها أيضاً وجيّرتها لصالحها، فمنذ دخولها عمدت إلى الركوب على اتفاقية جنيف١ عبر اجتماعات متعددة في فيينا انتهت باتفاقية فيينا٣ بين كل الدول اللاعبة وذات الصلة في الداخل السوري والتي نقلت بموجبها ما التبس تفسيره في جنيف١ حول قضية ”حكومة انتقالية“ إلى ”هيئة حكم انتقالية“ وقيدتها بقرار من مجلس الأمن.

وحالياً هي تحرز تقدم واضح في العملية السياسية، بعد أن استطاعت أن تكسر قواعد الاصطفاف حول سوريا في بناء ”المجموعة الدولية لدعم سوريا“ ثم قيادة العملية السياسية عبر توافقات ومصالح مجزأة بين من يدعم أطراف المعارضة، انتهت مؤخراً في اختراق صفوف المعارضة – المعطلة أساساً – ودمجها بمعارضة أقرب ما يمكن توصيفها ”بالموالية“.

لكن لم توضح روسيا تماماً ماذا تريد للمستقبل السوري، فهي تردد كثيراً على لسان رئيسها ووزير خارجيتها بأن ”سوريا هي التي تملك وتقود هذه العملية السياسية والشعب السوري هو من يحدد مستقبل سوريا“ كما ورد في بيان فيينا، لكن هذه عبارة تخفي الكثير من التدخلات الخارجية في مستقبل سوريا والسوريين، فوضع الميليشيا الايرانية والعراقية واللبنانية غير معلوم مصيره في سوريا، ومن غير المسموح التفاوض عليه، وقضية صناعة حزب الله السوري في الجنوب يلغي قرار وحق السوريين في المقاومة وتقرير المصير ويضعه في يد كيان طائفي تابع لدولة اقليمية وليس للدولة السورية، مما يعني تبعية وترسيخ للطائفية في المجتمع السوري ليكون أكثر شبهاً بالحالة اللبنانية والعراقية.

واتفاق التهدئة الذي أبرمته روسيا مع أمريكا ومن خلفها اسرائيل، هل هو ممتد وساري المفعول مع الدولة السورية، أم غير ملزم بالضرورة؟ وما هو مصير القواعد الأمريكية في الداخل السوري؟ واتفاق روسيا مع تركيا وتمكينها في قواعد عسكرية شمال سوريا وفي إدلب ومحيطها، هل له نهاية أم هو ممتد في المستقبل السوري؟

وما مصير ميليشيا الدفاع الوطني والفصائل المعارضة التي وقعت معها اتفاقيات منفردة؟ هل سيتم تصفية بعضها وتمكين أخرى ودمجها في الجيش السوري وقوى الأمن الداخلي بعد إعادة الهيكلة؟ وكذلك مستقبل الأكراد وفصائلهم المقاتلة؟

ثم ما مصير رجالات النظام السوري ورئيسه الذين تلطخت أيديهم بالدم السوري؟ وما مصير المعتقلين والمختطفين والمغيبين قسراً؟

ما يقودنا للتشاؤم أكثر هو دفع روسيا للركوب والسيطرة على قرار المعارضة بعد أن سيطرت على القرار العسكري والسياسي المتعلق بالقضية السورية بشكل كامل، وبالتالي تصبح منفردة بالقرار السوري سياسياً وعسكرياً وضمن المعارضة أيضاً.

لقد أخطأت المعارضة السورية حتماً حين وضعت كامل بيضها في سلة الأمريكيين والأوروبيين رغم الدعوات الكثيرة للتوجه نحو موسكو، لكن هذا لا يعني أن نتكيف مع الوضع الراهن ونبصم للروس بالعشرة، وبالتالي في ظل هذا الوضع السياسي المأزوم والمرتبط ظاهرياً بتوافقات دولية في جنيف١ وفيينا٣ ومن خلفها قرارات مجلس الأمن، وجوهرياً باتفاقيات جزئية – غير معلومة – مبنية على مصالح وتوافقات بعض الدول اللاعبة في القضية السورية والتي سحبت معها فصائل وتنظيمات المعارضة وجرّتها للدخول في فكرة الحل المطروحة وفق الرؤية الروسية، دون الأخذ بعين الاعتبار ما يتطلع إليه السوريين وبذلوا في سبيله الغالي والثمين.

بعيداً عن أخطاء المعارضة وتمكينها لأصدقائها من القرار الوطني السوري، فما تملك المعارضة السورية اليوم من خيارات وهي مثقلة بهزائم ونكسات وقرارات دولية ملزمة وتبعية تطيح معها بكل ما حلم به السوريين؟

لتعلم المعارضة السورية بأنها قد أصبحت بتنظيماتها ومنصاتها عبئاً على السوريين ومستقبلهم، ليس بسبب شخوصها – مهما كان لنا اعتراض أو تأييد لبعضهم – بل بسبب وضعها الراهن الذي حُشرت فيه، وبعيداً عن الأسباب الحقيقية التي أودت إلى ذلك، ومن الذي يتحمل المسؤولية، والأهم ليس تأييداً لفريق دون آخر، بل من منطلق الغيرة على مستقبل سوريا والسوريين، والبحث عن فعل أو تصرف يُخرجنا مما أصبحنا فيه، ويعيد قواعد التفاوض إلى مسارها الصحيح، فلا بديل أمامها ولا طريق إلا في حل كافة تنظيماتها ومؤسساتها السياسية بشكل كامل وفتح الباب أمام إعادة انتخاب جبهة سياسية وطنية موحدة، بوجوه جديدة غير متحزّبة نهائياً تمثل كافة السوريين وتتكلم بلسانهم وتعيد التموضع والتفاوض وفق قرارات وطنية وليس إملاءات أو ضغوط خارجية، ربما هذا سيسجل لها كفعل وطني حقيقي، تُخرج نفسها من شهادة زور يتم تلفيقها في جلسات التفاوض، سواء في جنيف أو سوتشي كما هو مقرر، وتقلب الطاولة على كل من يتلاعب بمستقبل ومصير الشعب السوري، ربما هذا الفعل الوطني الوحيد الباقي، ولا نملك خياراً آخر، لنأخذ عبرة من الشركات المفلسة، هي تحل نفسها وتصبح غير مسؤولة عن خسارتها عبر إعلان إفلاسها، وأجزم – كما جميع السوريين – بأن المعارضة السورية قد وصلت إلى هذا الوضع من زمن.

التاريخ شاهد وهو لا يرحم المغرر بهم كما المتخاذلين، والسوريون يسجلون كل صغيرة وكبيرة في ذاكرة هي الأكثر ألماً في تاريخهم قاطبة، وضياع المستقبل وتردّيه ليس خياراً أمام كل هذه التضحيات وكل هذا الدمار والتشرد.

آن لنا جميعاً أن نفعل فعلاً صحيحاً في واقع مرير وبعد تجارب كثيرة فاشلة، لنعيد الكرة إلى ملعب السوريين من جديد، هي ليست دعوة للحرب فلقد شبعنا حرباً، بل دعوة للسياسة والتفكير بوطنية ومسؤولية، سوريا ليست عقيمة، بل فيها قامات وطنية وازنة، وربما من المفيد أن نستذكر المؤتمر السوري العام في ١٩١٩ ولكم في التاريخ حياة.

كاتب سوري