العِراق يَحتفل بانتصارِه الكَبير على “الدولة الإسلاميّة” والقَضاءِ عليها.. ولكن أينَ البغدادي؟ وهل انتهتْ هذهِ “الدّولةُ” فِعلاً؟ ولماذا يَستمر تواجد القوّات الأجنبيّة إذن؟ وأينَ مكان “العِراق الجَديد” في التّحالفات الإقليميّة؟ ولماذا نُرحّب بتَعافيه وعَودَتِه عَربيًّا ومُسلمًا؟

baghdaay abadi.jpg 555

احتفلت الحُكومة العِراقيّة اليَوم رسميًّا بانتهاء الحَربِ على “الدولة الإسلاميّة” أو “داعش”، بَعد سيطرة قوّاتِها بالكامل على الحُدود السوريّة العِراقيّة، وقال السيد حيدر العبادي رئيس الوزراء أن معركة العِراق القادمة هي ضِد الفَساد.

هذا الانتصار يُوصف بأنّه الأكبرُ للعِراق وجَيشِه وشَعبِه مُنذ الاحتلال الأمريكيّ عام 2003، حيث انهارت آمال “الدولة الإسلاميّة” وأنصارِها في الحِفاظ على دَولةِ الخِلافة التي أعلنَ زعيمُها البغدادي إقامتها من فَوق مِنبر الجامع النّوري الكَبير في المُوصل صيف عام 2014.

من حَق السيد العبادي الاحتفال بهذا الإنجاز الذي مَسح عارًا كبيرًا لحِقَ بالدّولة العِراقيّة وقوّات جَيشِها يَتمثّل في انهيارِ هذا الجيش، مثل بَيت العَنكبوت، أمام تَقدّم قوّات “الدولة الإسلاميّة” في المُوصل وباقي المُدن العِراقيّة المُجاورة، ولكن ربّما من المُفيد التريّث وعدم الإغراقِ في التّفاؤل من قبيل الاحتياط، لأن هذهِ “الدّولة” تَلقّت هَزيمةً فوقَ الأرض، ممّا يَعني أن خيارَ نُزولِها تَحتها ما زالَ قائِمًا ومُمكِنًا، وأن العمل السريّ الإرهابيّ الانتقاميّ من غير المُستبعد أن يكون عُنوان المَرحلِةِ المُقبلة.

كان لافتًا أن التّحالف السّتيني الذي قاتَلها طِوال السّنوات الثلاثِ الماضية في سورية والعِراق لم يَقتل أو يأسر زعميها البغدادي، أو أركانِ قِيادَتِه، أو يَكشف لنا سِر كيفيّة نَجاتِه، ومَكان تواجُدِه الرّاهن، إذا كان الحالُ كذلك، ولم يُقدّم الوثائق التي يُمكن أن تُسلّط الأضواء على هذهِ القِيادة ومُخطّطاتِها المُستقبليّة، وهُناك تقاريرُ أمريكيّة تَقول أن أكثر من ثلاثةِ آلافٍ من مُقاتليها لم تُلقِ السّلاح.

لا نُريد أن نُقلّل من أهميّة هذا النّصر بطَرحِ مِثل هذهِ التّساؤلات المَشروعة، ولكن هذا لا يَعني إغفالَ العَديد من الحقائقِ المُهمّة أبرزها القَول بأنّ خَطر هذا التّنظيم الحَقيقيّ يأتي من أيديولوجيّتِه والحَواضن الشعبيّة التي وَفّرت له البيئة المُلائمة للصّعود وتَجنيدِ عشراتِ الآلاف من المُقاتلين داخل سورية والعِراق أو خارجهما، وهي حَواضن ما زالت مَوجودةً وإن بصُورةٍ أقل دِفئًا بالمُقارنةِ ممّا كان عليه الحال قبل ثلاث سنوات، كما أنّه، أي التّنظيم، نَجح في إقامة أكثر من عشرة فُروعٍ (ولايات) في العَديد من دُولِ العالم مِثل ولايات سيناء واليمن وليبيا وأفغانستان، والسّاحل الإفريقي وباكستان والهند، إلى جانب سورية والعِراق.

تنظيم “الدولة الإسلاميّة” انتقلَ من كَونِه مُشكلةً عَسكريّةً، لتحوّله إلى مُعضِلةٍ أمنيّةٍ بعد تَبنّيه العَمل السريّ، وهذا يَعني أن الذّريعة التي اتّخذها التّحالف الأمريكي للتّواجد على أرض سورية والعِراق قد تَبخّرت، وأن على جميع هذهِ القوّات الأجنبيّة على أرضِ العِراق وسورية يَجب أن تَعود إلى بِلادِها، لأن استمرارَها يُشكّل انتقاصًا لسِيادة البَلدين، وباتت مَسؤوليّة مُحارَبَتِه مَسؤوليّة تَقع على عاتِق أجهزةِ الأمن والمُخابرات في كُل من سورية والعِراق.

السيد العبادي لا يُمكن أن يُحقّق أيَّ تَقدّمٍ في مَعركةِ إعادة الأعمار إلا بَعد اجتثاثِ الفَساد المُستفحِل في العِراق بَعد القضاء على هذا التّنظيم، وإعادةِ بِناء الدّولة العِراقيّة على أُسسٍ غير طائفيّة، وهي اتّهامات جَرى تَوجيهها إليها بقُوّةٍ مُنذ بِدء الاحتلال الأمريكي.

العِراق الجديد الحقيقي يَجب أن يكون عِراقًا لجَميع أبنائه على قَدمِ المُساواة، دون أيِّ تَهميشٍ أو إقصاء لأيِّ مُكوّنٍ من مُكوّناتِه، تَسوده العَدالة الاجتماعيّة، والتّوزيع العادِل للثّروة والتّنمية مَعًا، وإذا لم يُحقّق هذهِ المَطالب المُلحّة، والجوهريّة، فإنّ “الدولة الإسلاميّة”، أو تَنظيماتٍ أُخرى مُماثلة قد تَعود مُجدّدًا إلى السّاحة، وهذا ما لا نَتمنّاه.

أمرٌ آخر مُهم، وهو ضَرورة استعادةِ العِراق العَظيم لدَورِه وقيادَتِه الإقليميّة، والانضمام بكُل قوّةٍ إلى مِحور المُقاومة، حاضنته الطبيعيّة، وما يُثلِج صَدرنا في هذهِ الصّحيفة “رأي اليوم” تَعافيه المُتسارع، والاحتجاجات الحاشِدة التي سادت عاصِمته ومُعظم مُدنِه تَضامنًا مع الشّعب الفِلسطيني، واحتجاجًا على القَرار الأمريكيّ العُدوانيّ العُنصريّ بالاعتراف بالقُدس المُحتلّة عاصِمَةً للكَيان الصّهيوني.

مَرحبًا بالعِراق العَربيّ والإسلاميّ، وعَودَتِه، فلولا إخراجه من المَيدان بغَزو واحتلال أمريكيين مُجحِفين، لما تَجرّأ الرئيس ترامب الإقدام على مِثل هذا القرار، ولما تَحوّلت قضيّة فِلسطين ومُقدّساتِها إلى قضيّةٍ ثانويّةٍ، وتَعرّضت سورية وليبيا واليمن إلى ما تَعرّضت له من مُؤامراتِ التّفتيت والقَتل والدّمار.

“رأي اليوم”