القدس تمنح عمّان الفرصة التاريخية: الأردن الرسمي يتماهى مع الشارع وصعود نادر لعقليات الدولة العميقة المنفتحة يفتح للملك ابواب الرياض مجددا بعد عزلة طويلة.. المرجعية الهاشمية تصر على التقارب مع العثمانية تاركةً التموضع التاريخي فتقلق مرجعيّتي مصر والسعودية.. ونظرية “أبو عودة” عن فلسطين “غزّية” تقترب..

 

salman-jordan-king.jpg888

برلين- “رأي اليوم” – فرح مرقه:

فتحَ تجاوز عاهل الاردن لحاجز التاريخ مع الاتراك وما تلاه من تحركات اردنية المجال مجددا أمام عمان ليتلقى مليكها دعوة للعاصمة السعودية الرياض للقاء الملك سلمان تحت عنوان مناقشة ملف القدس، بعدما قامت العاصمة السعودية “بقصد” بتجاهل عمان كمرجعية اولى في ملف القدس في تحركات ولي عهدها (الامير محمد بن سلمان) حول القضية الفلسطينية.

الرياض تدرك تماماً معنى تجاوز عاهل الأردن الملك عبد الله الثاني حاجز التاريخ بعدّة أميال وهو يستعدّ لزيارة تركيا للمرة الثانية خلال اقل من اسبوعين للمشاركة في المؤتمر الاسلامي الذي دعا له الرئيس التركي، فالعاصمة السعودية تفهم أن ذلك معناه بالضرورة تباعداً نادراً من المرجعية “الهاشمية” عن المرجعيتين الدينيتين الاخريين في الشرق الاوسط (الازهر والكعبة) المتمثلتين سياسيا بالقيادتين السعودية والمصرية، لصالح تركيا العثمانية وهو ما كان يراهن الجميع انه لن يحصل بسبب حاجز التاريخ.

عاهل الاردن، وبالتزامن مع إعلان الرئيس الامريكي القدس عاصمة للاسرائيليين، تماهى تماما مع الموقف الشعبي المطلوب وهو يشخصن المسألة ويتحدث عن كونه لن يسمح بذلك وانه “شخصيا” صاحب الوصاية على القدس ومقدساتها، الامر الذي انعكس فوراً على الموقف الرسمي الاردني وبصورة نادرة أيضا ليتلقى الأردنيون دعوة من حكومة بلادهم للتعبير عن غضبهم والنزول الى الشارع.

في دعوة غير مسبوقة في الملكية الرابعة في الأردن، رأى العالم وعلى كل الشاشات رجال الأمن الأردنيين يتقدمون المظاهرات في بلادهم ويدوسون العلم الاسرائيلي المرسوم على الارض، وهو ما ساهم في إعادة عمان العاصمة- التي عزلتها قيادتا الرياض والقاهرة خلال الاشهر الماضية عن القضية الفلسطينية- إلى الواجهة بالتلازم مع القدس، خصوصا والعالم الغربي ممثلا برئيسة خارجية اوروبا فدريكا موغريني وممثلي دولا اساسية في مجلس الامن للإشادة بالموقف الاردني وطلب الاستماع للملك شخصيا.

من هذه التفاصيل يمكن فهم تلقي عاهل الاردن لدعوة من الرياض لزيارة الملك سلمان الثلاثاء، وهو ما قد يؤكد حضور ملك الاردن لمؤتمر اسطنبول (الاربعاء 13 ديسمبر/ كانون اول) كما وعد في مؤتمر صحفي مع الرئيس التركي رجب طيب اردوغان الاسبوع الماضي، خصوصا والرياض تشاهد الرئيس الفلسطيني محمود عباس يهرول لعمان بعد اعلان ترامب مباشرة.

ملك الاردن اليوم في موقع اقوى بكثير مما كان هو شخصيا يتوقعه من الاردن الذي يعرفه، وهنا لعبت ذهنية جديدة في المعادلة الاردنية الدور الاكبر، فبإشارته ان القدس موضوع شخصي له، لأول مرة يتم التقاط الاشارة على المستويين الحكومي والامني بذات الاتجاه، فالحكومة تصرفت على هذا الاساس وركّزت كل جهودها على القضية، وهنا لا يمكن الفرار من الاشادة بذكاء اللعبة التي لعبتها الحكومة إذ تنحى رئيس الوزراء الدكتور هاني الملقي (احد عرابي معاهدة وادي عربة) عن الواجهة بقصد مرصود منه، لصالح نائبه القوي وصاحب المقولة الشهيرة “بوصلة لا تشير إلى القدس خائنة” الدكتور ممدوح العبادي ليقدّم الاخير الدعوة الحكومية الفريدة للشارع بأن يتوافد لنصرة القدس.

أمنيا، يبدو ان القيادات الجديدة ايضا والذهنية الاكثر انفتاحا أخذت زمام المبادرة، وبصورة نادرة ليرى الاردنيون دولتهم الى جانبهم تماما في احتجاجات هدفها القدس، وهنا ايضا يمكن فهم عدم التدخل العنيف لافشال اي احتجاج حمل صورة او شعارا غير القدس مثل تلك التي حملت صور ولي العهد السعودي وابيه الملك سلمان واعتبرتهما ضد القدس.

قرار الدولة العميقة هذه المرة يبدو اوضح من كل المرات السابقة، وهو يظهر “الحقيقة كما هي” في الشارع الاردني، وهو تحديدا ما يساعد الملك وطاقمه “العميق” بالاضافة للمؤسسات للتصدر على الطاولات جميعا حين يتعلق الامر بالقدس، وهو ايضا ما يجعل بقية الدول عاجزة عن اي اجراء ضد عمان في هذه الخطوة تحديدا، فهي اليوم (وهنا الحديث عن الرياض بصورة خاصة وبشكل اقل عن مصر التي اعتمدت الازهر كمرجعية للرفض بينما الموقف الرسمي بقي خجولا) في اي خطوة ستكون في زاوية الخيانة.

بكل الاحوال، عمان اليوم تستعيد القها في العالم من بوابة القدس وهي البوابة التي لطالما كانت قريبة للاردن اكثر حتى من السلطة الفلسطينية، وهذا ما كان ليتم لولا المواقف النادرة التي حصلت خلال الايام القليلة الماضية، والتي انبأت بأردنٍ مختلفٍ حين يتعلق الأمر بالقدس وعلى الصعيدين الرسمي والشعبي، لدرجة تُردم فيها الهوّة بصورة غير مسبوقة.

الأكثر أهمية من ذلك، مجموعة ملاحظات يجب على عمان تدوينها وحفظها في الايام القادمة بصورة تضمن لها استغلال اللحظة لصالح الاردنيين والفلسطينيين معاً، كون كل التصفيات المتوقعة للقضية الفلسطينية ستكون على حساب الاردن والاردنيين حسب خبراء، وهنا بالوصول لسيناريو الاعتراف بفلسطين على حدود “غير محددة” الا في قطاع غزة، وهذا سيناريو تنبأ فيه ووضحه الاردني الاكثر خبرة في القضية الفلسطينية المفكر عدنان ابو عودة لـ “رأي اليوم” قبل ايام.

من هنا على العاصمة الرسمية ومؤسسات الدولة التأكد من انها فهمت درس الحقائق الظاهرة في الايام الماضية، فالاردن الرسمي أقوى وأكثر حضورا طالما انحاز للشارع وتماهى معه؛ كما انه ايضا “أهم” دولياً حين يتخذ مواقفا “واضحة وقاطعة” بخصوص القضايا القريبة منه ومن مصالحه، بينما يضعف على الساحة الدولية اذا ما استمر في سياسة الحياد.

إضافة الى ذلك، فإن العقلية الجديدة التي برزت اليوم في الدولة ينبغي رعايتها وتحصينها وتقديمها، وهذا يتطلب بالتزامن اضعاف اي تكلّس في المفاصل الرئيسية للدولة وازالته، وهنا الحديث عن المؤسسات الثلاثة الكبرى بالدرجة الاولى: القصر والحكومة والمؤسسات الامنية.

بالتزامن مع كل هذا، على عمان ان تنتبه لمن خذلوها جيدا، فرهانها على الحلفاء التاريخيين (واشنطن والرياض والاسرائيليين) يبقيها في مرحلة التبعية، بينما من الواضح ان هناك رهانات اخرى (كالرهان على الاتراك وحلفهم الجديد المتشكل) سيمنح الاردن قوة أكبر على الصعيدين السياسي والدولي.