المدينة العتيقة بالقيروان تفتح ذراعيها أمام عشاق معالمها

0000000000000

تونس/ ناجح الزغدودي/ الأناضول

منذ سنوات تتواصل أعمال الصيانة في مدينة القيروان وسط تونس، لتخرج في أبهى حلة للزائرين، الذين يقصدونها في مناسبات الأعياد الدينية، وخاصة ليلة السابع والعشرين من رمضان، واحتفالات المولد النبوي الشريف.

القيروان العتيقة، صنفتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونسكو)، عام 1988، ضمن التراث العالمي، بفضل عراقة تراثها الإسلامي، وانتشار العديد من المعالم والمباني التاريخية، التى تسطر أمجاد الحضارة العربية الإسلامية.

وتعبّر معالم القيروان عن خصوصيات معمارية جعلت منها تحفة عبقرية خلاقة من صُنع الإنسان، بفضل تخطيطها الهندسي الفريد الشبيه بمدينة بغداد الدائرية، وتقديمها شهادات فريدة من نوعها في البناء الهندسي والمعماري.

** مراحل تاريخية مختلفة

وتختزن المدينة العتيقة مراحل تاريخية مختلفة، بدءاً من تأسيس القيروان على يد الفاتح عقبة بن نافع، الذي خط جامع عقبة بن نافع، سنة 50 هـجري/670 ميلادي، مرورا بالعهد الأغلبي (800 م – 909 م)، الذي ترك بصمته في معالم عديدة، منها البرك الأغلبية، وصولا الى العهد العثماني (من 1574 إلى 1881 تاريخ دخول الاستعمار الفرنسي إلى تونس)، وتعبر عنه المساجد العتيقة والمقامات وزخارف الأبواب والقباب والأزقة والأقواس.

هذه المعالم الأثرية طالما ألهمت بهندستها وألوانها ونقوشها الرسامين والشعراء والأدباء، وأبرزهم الأديب الراحل، حسين القهواجي، الذي ألّف كتباً وروايات عديدة تدور أحداثها في المدينة العتيقة، منها مجموعة قصص “ليلة رأس العام الهجري”.

تتزين حومة الباي، إحدى حارات المدينة العتيقة، بمزهريات على الجدران، وتزيدها الزهرات المنقوشة على الأبواب والخط الكوفي العتيق على المآذن، رونقا وجمالا.

أما البلاط الصخري، فيوحي للمترجل بأنه يغوص في عمق التاريخ والأصالة، فتحدثه المعالم الشاهدة عن تاريخ قد لا يجده في الكتب.

** مسلك سياحي

وأدرجت وزارة السياحة التونسية المدينة العتيقة ضمن مسلك سياحي، يتضمن مساجد عتيقة، منها مسجد ابن خيرون، والجامع الحنفي، وأسواق الجرابة للحرف التقليدية، وبئر بروطة.

في حين تم تأهيل منازل عتيقة لتتحول إلى بيوت ضيافة ومطاعم سياحية ومعارض للزربية (السجاد) ومقرات لجمعيات، مثل جمعية صيانة المدينة في سيدي عبيد الغرياني، ومقرات حكومية، مثل مندوبية الثقافة في سيدي بن خود.

الباحثون عن عبق التاريخ لاستلهام روحانيات المكان وأمجاد الفاتحين، يتهافتون جماعات وفرادى، عند المناسبات الدينية والمواسم السياحية، لتأمل سحر العمارة والتقاط الصور التذكارية.

وتفتح المدينة العتيقة ذراعيها وأبوابها لاستقبال الزوار، وتهدي لهم منتجات تقليدية، مثل النحاس المطروق والمنتجات الجلدية ونسيج الحائك (لحاف تقليدي للمرأة القيروانية) والسجاد، وهي حِرف لا تقل قيمة فنية عن التحف المعمارية.

وتتبادل الحِرف فيما بينها ثقافة التنوع والثراء من نقوش وأشكال زهرية وهندسية و”الخمسة” (رسم شكل اليد لنبذ الحسد) والمصوغ (الخلال تشد به المرأة لحافها من جانبي الكتف).

وكذلك المرش النحاسي، الذي يوضع به ماء الزهر والورد ويرش به الضيوف في المناسبات الدينية والأفراح، وأشكال هندسية، مثل شكل حلويات المقروض (أو المقروط/ شكل معين)، ونصف الدائرة نسبة الى القباب، ورسوم الصومعة المربعة والمحاريب.

** رصيد معماري

وتجتهد إدارة المعهد الوطني للتراث (حكومية) في صيانة المعالم الأثرية للحفاظ على خصوصياتها المعمارية والهندسية والابقاء على قيمتها التراثية، بدعم من منظمة “يونسكو” ومنظمات عربية ودولية.

وقال المتفقد الجهوي للتراث في القيروان، جهاد صويد، للأناضول إن “هناك جهوداً لكي لا تخسر مدينة القيروان موقعها العالمي، حيث يوجد بالمدينة العتيقة أكثر من 86 مسجداً، و84 ضريحاً، و55 صباطا (قوس مسقوف يربط بين مجموعة من المساكن في خط متوازٍ)، و62 قوساً، و100 قبة فريدة، ما يجعلها ذات رصيد معماري متميز، إلى جانب آلاف المساكن”.

ورغم مرور الزمن، ما تزال المدينة العتيقة، ذات الشكل الهندسي الدائري الفريد والأزقة الضيقة المرصعة بتحف معمارية فريدة من المساجد والمنازل والأقواس والقناديل، صامدة شاهدة على دقة الهندسة المعمارية.

وتروي المدينة العتيقة حقبات تاريخية لحضارات عبرت وبقيت صامدة يحرسها سور القيروان العظيم وأبراجه الضخمة، التي كانت منصات لإطلاق المدافع ومراقبة العدو القادم من وراء الجبال غربا وجنوبا أو من البحر شمالا وشرقا.