لا يَجمع الشعب الفلسطيني سوى نهج المقاومه وهو اساس المصالحه الحقيقيه.. وخطاب ترمب موجه للدول الاخرى وليس للعرب.. فما هي المرحلة التي دخلت فيها القضيه الفلسطينيه وليست في حساباتنا؟

 

fouad bataineh.jpg666

فؤاد البطاينة

بعيدا عن التفاؤل بلا أساس، ورغبة في التفاؤل على أسسه، اقول القضية الفلسطينية متراجعه فلسطينيا اولا، ثم دوليا . خيار الصهيونية تصفيتها، ونحن لتاريخه ننساق معه واليه بسياسة التفاوض والاستنكار والتحذير والتهديد المفضوحه . ليس السقوط العربي وحده هنا هو المسئول بل للوضع الفلسطيني النصيب الأكبر . لأن القضية الفلسطينية ما خرجت يوما بالنسبة للانظمة العربية عن المزايدة والاستخدام أو المتاجره، وكانت مع هذا تتألق يوما بعد الاخر على يد شعبها عندما استطاع وحده أن يفرضها بالمقاومة، على جدول اعمال واهتمام عواصم العالم وشعوبه بعد موات سببه التوهم بمصداقية الانظمة العربية . وما نقل السفارة للقدس إلا ايذانا بمرحلة للقضية جديده وجرسا نتمناه سببا في صحوتنا.

لقد أوصل النظام العربي الرسمي القضية الفلسطينية الى مرحلة جديدة جدا قد لا تدخل في حساباته ولا في حسابات الكثيرين . وعلى الشعب الفلسطيني الانطلاق منها مبكرا . إنها مرحلة تخلت فيها امريكا واسرائيل عن اعتبار لوجود قضية فلسطينيه، ولا تحتاج لمسرحيات التفاوض ولا للحكام العرب، بل الحكام العرب يحتاجونهم . وخطاب ترمب كان مجاملة وتبريرا لدول العالم وليس للدول العربية، فهي ليست في حساباته . اسرائيل في مرحلة لم تعد فيها تريد او ترى امامها شريكا فلسطينيا ولا عربيا ولا تريد تدخلا او وساطة امريكية وغيرها ولا تعنيها معاهدات السلام التي وقعتها مع حكامنا. إنها دخلت مرحلة تستطيع فيها فرض ما تريده بواسطة الحكام او رغما عنهم.

من الذي يصنع القرار الفلسطيني ويتخذه اليوم، بالتأكيد هو النظام الفلسطيني الهش جدا ممثلا بالسلطة الفلسطينيه . والسلطة الفلسطينية بقيادة منظمة فتح تتماهى بسياستها المائعه والهلاميه تماما مع الانظمه العربيه المقاده امريكيا والمنضبطه اسرائيليا . وما كان لها هذا وهي سلطة على شعب تعيش معه تحت الاحتلال وقانون الإحتلال وسطوته.

 حركة المقاومه الفلسطينيه “فتح ” التي كانت الرائدة في تمكين الشعب الفلسطيني من اخذ زمام اموره بنفسه لتحرير وطنه بعيدا عن التجاذبات العربية والدولية، تحولت من حركة مقاومه الى حزب سياسي متراجع ومتعاون باسم السلطة الفلسطينيه، وهي تعلم بأن اسرائيل عندما حاورتها وفاوضتها في اوسلو وأدخلتها الى رام الله فانما فاوضتها كحركة مقاومة مؤثره لا كحزب سياسي، وتعلم بأن لا فكرة ولا سياسة ولا نهج قادر على جمع الشعب الفلسطيني وتوحيده سوى نهج المقاومه . فلا وجود لعملية سلام بين مسلح واعزل، بل عملية استسلام وقتل مريح . وعملية السلام الجاريه منذ ربع قرن تعني عملية التصفيه على نار هادئه.

هل ستستمر فتح في طرح نفسها سلطة سياسية باسم السلطة الفلسطينية متحدثة ومفاوضة باسم الشعب الفلسطيني لاسرائيل وللعالم على نهج غير النهج الذي أسست عليه والذي على أساسه وقف الشعب الفلسطيني معها . لا اعتقد بوجود فرصة اسرائيلية جدية لها تمكنها من الاصرار على نهجها الذي تسلكه منذ ربع قرن وهي عارية، حولت من خلاله نفسها والقضية الفلسطينية الى أسرى لدى الاحتلال قيد الذبح .ولم تترك لنفسها خيارا على مذبح السلطة والزعامة والمال في رام الله سوى التعاون الامني مع الاحتلال ضد مواطنيها، ووسيطة ووكيلة لعزل واسقاط نهج المقاومة في غزه بعد ان تخلت عن الملتزمين منها بنهج المقاومة في المنفى السياسي او السجون دون سؤال عنهم.

 الطبطبه على سلوك السلطة والفصائل الفلسطينية كلها ما عاد واردا وقد اوصلوا فلسطين بضجيجهم غير المنتج الى فريسة يحتار العدو من أين يبدأ في بلعها . القانون الدولي والامم المتحده والدول الصديقه ليست حلا ولا جزءا منه لضعفاء بل استسلام . وحدة الشعب الفلسطيني وتعبئته بثقافة المقاومه هو الحل الوحيد. والسؤال المركزي هنا هو على ماذا تقوم مساعي السلطة الفلسطينية الفتحاوية في المصالحة الوطنيه مع حماس وغيرها من فصائل المقاومة . هل تقوم على سبب الخلاف الرئيسي وهو النهج في التعامل مع العدو وطريقة التحرير، أم ستسمر على وقع استغلال أنات الجوع والمرض والحرمان لسكان غزة نتيجة الحصار الاسرائيلي المصري وهو وقع ساقط وعبثي بمصير فلسطين؟

من الواضح تماما للمتابعين لسلسلة مفاوضات المصالحة بين فتح وحماس وكل الفصائل الفلسطينية، بأنها تقوم على اهداف مختلفة جذريا، والوسيط المصري فيها واسطة للسلطة أكثر منه وسيطا . فهدف سلطة رام الله هو جعل غزة متماهية مع الضفة من حيث فرض الاجراءات الادارية والأمنية القائمة في الضفة وتطبيقها في غزه، وإلا ستبقى المدينة تحت الحصار وقصف الطيران الاسرائيلي . بمعنى أن الهدف هو اسقاط نهج المقاومه في غزه وان لا شراكة وطنية إلا على منظورها من القضية وعلى سلوكها في الضفه . أما هدف حماس فهو فك الحصار عن غزه دون المساس بالمقاومة وسلاحها . وهو في الواقع من أساسيات المصالحه الحقيقيه والشراكة الوطنيه.

ومن الدلائل على هدف السلطة المشار اليه، أنها بعد الإتفاق على المصالحة على أسس تغطي الكثير من الأساسيات، عادت تطلب تنفيذا لنصائح بتحجيم جدول اعمال اللقاء في القاهرة بين الفصائل الفلسطينية، وتطلب تاجيل البحث في أساسيات اللقاء والمتمثلة بملفات منظمة التحرير والمجلس الوطني وتشكيل الحكومة والانتخابات والمجلس التشريعي، ليبقى البند الفاعل هو تمكين السلطة من استكمال سيطرتها الادارية والامنية والمالية على غزه أو سيبقى الابتزاز بمحاصرة المدينة قائما. فهل بقي لسياسة السلطة وتلك النصائح مبررا ؟

قضيتنا ليست القدس وحدها رغم انها تمثل عنوانا لكرامة العرب حملة رسالة الاسلام، وعنوانا للقضية الفلسطينية، بل قضيتنا هي كل تراب فلسطين وكل مكونات القضية . ويلاحظ المواطن الفلسطيني والعربي بأن العالم الاسلامي ينتفض سياسيا واعلاميا لما يخص القدس فقط كاستحقاق لقدسية المدينه الدينيه، ونحن نشكره على هذا الموقف المتقدم بل المناقض لموقف النظام العربي الرسمي الشريك المباشر وغير المباشر في افتراس فلسطين وحقوق الفلسطينيين، إلا انه واعني الموقف الاسلامي لا يفعل الشيء نفسه إزاء كل مكونات القضية الأخرى وقدسية الإنسان الفلسطيني وحقوقه، ويعتبر ذلك شأنا فلسطينيا او عربيا وهذا صحيح بالمنطق الدولي . ولكن أليس هذا دافعا للشعب الفلسطيني يكفي ليتحمل مسئوليته في الوحدة الوطنية على خيار المقاومة وفي الاعتماد على النفس أولا ؟ وأليست الفعلة الأمريكية فرصة لاخذ الشعب العربي كله زمام أمره؟

الشعب الفلسطيني كله مطالب بنصرة نهج المقاومه الذي يتكالب عليه كل المتأمرين في الداخل الفلسطيني والخارج، ففي ذلك نصرة له ولفلسطين ولشرعة الأمم . وكل نفر في فتح مطالب بوقفة مع الضمير والتاريخ ليتذكر فلسفة وجود فتح حواء المقاومه الفلسطينية، ليعرف كيف سيكون موقفه بين نهج السلطة والمهادنة ونهج المقاومه . وهذا وحده هو الانقلاب على ما وصلت اليه القضيه من مرحلة جديدة لا لبس فيها، ووحده الذي يجعل من الفلسطينين رقما مختلفا لا يمكن تجاوزه.

كاتب عربي