أضعنا القدس الشرقية يوم قبلنا باحتلال إسرائيل للقدس الغربية

ali mouhsin hamid

علي محسن حميد

لم نكن في مستوى تحدي القدس. معظمنا فلسطينيون وعرب ومسلمون خذلنا القدس.ومهما صرخنا ومهما تظاهرنا ومهما حذرنا من عدم صواب وخطورة السياسة الامريكية نحو القدس بشكل خاص وفلسطين بشكل عام على أي مستوى فذلك ليس له وزن لدى الإدارة الامريكية التي خبرت تخاذلنا ورضوخنا وذُلّنا. قضية القدس تجعل مقولتي الأمة الإسلامية والتضامن الإسلامي محل شك وريبة . كانت بريطانيا تعمل حسابها لرد فعل مسلمي الهند إزاء سياستها في فلسطين ومثلها هولندا في اندونيسيا أما اليوم فلاأحد يعمل لنا أي حساب لأننا بدون وزن وبدون قيمة.عندما ناشد فيصل الحسيني قبيل وفاته كل العرب بدفع دولار واحد ثمنا للحفاظ على عروبة للقدس كان يصرخ في واد. اليهود دفعوا ويدفعون بسخاء من أجل استعمار فلسطين وطبقا لمذكرات جولدا مائير بدأوا عام 1903 بوضع حصالات زرقاء  في البيوت لجمع مبالغ زهيدة تزعم  مائير بأنها هي التي أشترت أراض في فلسطين. قد تكون حكاية الحصالة صحيحية لكن معظم أراضي فلسطين تم اغتصابها بقوة السلاح وبالتهجير القسري.بعيد إنشاء إسرائيل بأيام جمعت مائير ملياري دولار دفعة واحدة من يهود امريكا وبها تم تمويل دولة الاستيطان في سنواتها الأولى. أين العرب من هذا إذا كانوا فعلا يؤمنون بأن القدس هي مسرى الرسول(ص) وثالث الحرمين الشريفين وعربية الهوى والهُوية؟. لماذا كل هذا البخل على القدس وبعضهم في سعة من الرزق ومن الثراء الفاحش! اقترحت عام 1996 في مقر الجامعة العربية التبرع بمرتب يوم واحد لصالح القدس عندما فتحت إسرائيل باب النفق وهب المقدسيون لإفشال المحاولة الإسرائيلية التي كانت الثالثة ووافق المرحوم د. عصمت عبد المجيد على الاقتراح وتم جمع التبرع ولكني لاحظت تذمر كثيرين.لم يضيع  العرب القدس ببخلهم وحده بل  أضاعوها يوم صمتوا وقبلوا باحتلال إسرائيل للقدس الغربية وإعلانها عاصمة لها عام 1950 ونسوا أن قرار التقسيم نص على وضع خاص للقدس كلها وأن مندوبي دول امريكا اللاتينية بصفة خاصة  وكانوا الكتلة الأكبر في الجمعية العامة للأمم المتحدة لم يوافقوا على تقسيم فلسطين إلا بشرط ألا تصبح القدس تحت سيطرة  أي من الدولتين العربية أواليهودية.الكلام كثير حول عدم قانونية سياسة إسرائيل في القدس الغربية والشرقية وحتى عدم شرعية دولة إسرائيل لأن قرار التقسيم هو الذي أنشأ إسرائيل وطالما أن بعضه المتصل بقيام دولة فلسطينية لم يطبق فإن وجود إسرائيل يفتقر إلى الشرعية لأنها لم تلتزم بقرار الشرعية التي أنشأتها من العدم. كتبت مرارا بأن من الخطأ أن يتحدث العرب عن حل الدولتين بل عن حل لدولة واحدة هي الدولة  الفلسطينية وحدها لأن الحديث عن حل الدولتين يعني عدم وجود دولة إسرائيلية تحتل أر اضي الدولة الثانية التي قررتها الأمم المتحدة والحديث عن دولة فلسطين وحدها يذكر الناس بثغرة سياسية وقانونية خطيرة في شرعية دولة إسرائيل وبتزامن قيام دولتين في فلسطين وليس فقط دولة واحدة ومن ثم عدم شرعية دولة إسرائيل التي لن تضفى عليها الشرعية إلا بتطبيق قرار التقسيم كحزمة واحدة أي الإسراع وبدون تأخير بإقامة الدولة الفلسطينية. وكتبت بل واقترحت على السيدعمرو موسى أمين الجامعة  العربية الأسبق طرح قرار في الجامعة العربية  يطرح فيما بعد على الأمم المتحدة لمنع الهجرة اليهودية إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة  وأن توجه الهجرة إلى إسرائيل فقط لأن الهجرة تعني الاستيطان في الأراضي المحتلة والاستيطان يصعب حل قضية فلسطين ويزيد العنصرية والتطرف الإسرائيليين. الدكتور وليد الخالدي قال في 13 ديسمبر عام 2000 في حديث لقناة الجزيرة  بأن 88% من مستوطني الضفة وغزة و 77% من مستوطني الجولان المحتل امريكيين واوروبيين.  لقد صَعّبت الأمم المتحدة قبول عضوية إسرائيل فيها بما يرقى إلى عدم شرعية وجودها في الأمم المتحدة  إذا لم تحترم وتطبق قراراي الأمم المتحدة 181 و194 حول التقسيم  والوضع الخاص للقدس واللاجئين. وميثاقها يشدد على ضرورة تحمل الأعضاء مسؤلياتهم واحترام الميثاق وقد قدمت إسرائيل تأكيدات على تطبيقها للقرارات المتصلة بأربع قضايا رئيسية هي 1-الحدود و2- الحقوق الفلسطينية  و3-عودة اللاجئين و4- وضع القدس( حديث الخالدي) وكان من أكبر الانتهاكات لهذين القرارين وماتلاهما هو نقل عاصمتها من تل أبيب إلى القدس الغربية ونسف النظام الدولي الخاص بالقدس وعدم الاكتراث بقرارات أممية تصف سياسة إسرائيل باللاشرعية وتمسكت بقرار وضع القدس الخاص الذي أنشئت من أجله لجنة التوفيق التابعة للأمم المتحدة الخاصة بفلسطين التي كانت امريكا أحد أعضائها الثلاثة بالإضافة إلى تركيا وفرنسا.

مؤتمر مدريد 1991: شارك العرب ومعهم الفلسطينيون في مفاوضات مدريد أملا في تحقيق السلام بعد ضمانات امريكية طمأنتهم بعدم اعتراف امريكا بالسيادة الإسرائيلية على القدس الشرقية، وحينها قال وزير الخارجية جيمس  بيكر بأن على إسرائيل أن توقف استيطانها ولكن إسرائيل  كعادتها تتعامل مع كل إدارة امريكية على أنها “جازعة طريق” بالتعبير اليمني أي أنها تعتبرها حكومة ترانزيت لااعتبار لكل مايصدر منها إذا لم يناسب سياسة التوسع الاستعماري.

ثالثة الأثافي في القدس: تقيم سفارات الدول التي لهاعلاقات مع إسرائيل في تل أبيب ماعدا كوستاريكا والسلفادور وستكون امريكا الوسيط النزيه وراعية عملية السلام هي الدولة الثالثة. يبدو أن ترامب غير الحصيف والذي لايشرف امريكا أن يكون رئيسها يريد أن يزيد من شعبيته المتدنية وغير المقارنة بأي رئيس امريكي آخر باستقطاب اليمين الامريكي والكتلة الصهيو – مسيحية التي تزعم بوحدة  كاذبة للقيم المسيحية اليهودية لأن السلوك بل والسياسات المسيحية المعادية لليهود في امريكا واوربا ضد اليهود على مدى قرون المعروفة بالعداء للسامية الذي وجد هناك فقط وليس في الشرق الإسلامي ينفي هذا الزعم.

إن موقف ترامب يعني في ألف بائه بأن  القدس لن تكون عاصمة للدولة الفلسطينية وهوموقف يدل على الجهل السياسي والسفه والاستهتار بالعرب والمسلمين ونكوص عن الموقف الامريكي من القرارات الأمم المتحدة التي صوتت عليها بما فيها قراري التقسيم واللاجئين. الاستيطان كما قالت  نشرة للبي بي سي سيعتبر في نظر امريكا مشروعا وأن امريكا ستقف  ضد أي قرار ينتقد إسرائيل أويدين الاستيطان. إن الاعتراف بالقدس عاصمة يعني أن سياسة  امريكا ستكون دوما وبدون الاستثناء الذي حدث في نهاية عهد اوباما إسرائيلية 100% وستقبل الحدود البلدية للقدس كما حددتها إسرائيل بعد احتلالها لهاعام 1967 وكل التغييرات الديمغرافية التي كانت تقول واشنطن أنها لايجب أن تقرر مسبقا ننتائج التفاوض على حل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي. وابتداء من الغد ستعتبر المستوطنين وهم في الغالب امريكيين واوروبيين مواطنين إسرائيليين. ترامب يقول للفلسطينيين أنتم  لاتستحقون القدس عاصمة  لكم وبالتالي لاتستحقون دولة وأن مرجعيات الحل لم تعد ملزمة للإدارة الامريكية.  يقول المثل اليمني “الريال يشتي رطل عقل” لكن ترامب بدون عقل لفكر بالعواقب ومناشدة حليفيه في حلف الأطلسي تركيا وفرنسا بعد الإقدام على هذه الخطوة الطائشة ولو كان يعي قيمة القدس للمسلمين لترجم احترامه لعقيدتهم باتباع سياسة أسلافه .ترامب هو أول رئيس امريكي يعين مستوطنا سفيرا لبلاده في تل أبيب  وزوج إبنته  الصهيوني كوشنر مبعوثه إلى الشرق الأوسط وهو اليهودي والصهيوني الهوى الذي عاش في المستوطنات.

.

 رسالة صلاح الدين الأيوبي إلى ريتشارد قلب الأسد: للرسالة مغزاها وهي درس وعظة.تقول، “القدس إرثنا كما هي إرثكم. من القدس عرج نبينا إلى السماء.وفي القدس تجتمع الملائكة. لاتفكر بأنه يمكن لنا أن نتخلىعنها أبدا.كما لايمكن أن نتخلى عن حقوقنا فيها كطائفة مسلمة .أما بالنسبة إلى الأرض فإن احتلالكم لها كان شيئا عرضيا ، وحدث لأن المسلمين الذين عاشوا في البلاد حينها كانوا ضعفاء .ولن يمكنكم الله أن تشيدوا حجرا في هذه الأرض مادامت الحرب مستمرة”.

*سفير سابق للجامعة العربية في الهند وبريطانيا