هآرتس: السعودية تحاول منافسة ايران في العراق

SALMAN-KAMOUNII.jpg999

بقلم: تسفي برئيل

“قصة غرام” جديدة يتم نسجها بين دولتين بعد 14 سنة من الاغتراب المتبادل. فقد مرت بضعة اشهر منذ ادانة العراق للسعودية وطرد سفيرها، التي مثلت خطوة اخرى في اطار سنوات من العلاقة العكرة. ولكن في الشهر الماضي طرأ تغير: السعودية برئاسة الملك سلمان انشأت مع العراق لجنة تنسيق مشتركة قامت فعليا بالتوقيع على اتفاقات اقتصادية بوجود الراعي الامريكي، وزير الخارجية ريكس تلرسون.  وبعد بضعة اسابيع على انشاء اللجنة، اجتمعت مرة اخرى لتوسيع التعاون. خلال 27 سنة منذ احتلال الكويت من قبل صدام لم تهبط طائرات سعودية في العراق، وفجأة ظهر وفد سعودي تجاري رفيع المستوى في مطار بغداد، وتم استقباله بحفاوة، ايضا من قبل وسائل الاعلام العراقية.

“الاكتشاف الجديد” للعراق من قبل السعودية لا ينفصل عن الحرب الشاملة التي تديرها المملكة من اجل كبح نفوذ ايران. ولكن مثلما هي الحال في سوريا ولبنان، يبدو أن هذه العملية ايضا جاءت متأخرة جدا. لقد كان للسعودية فرص كثيرة من اجل التواصل مع العراق، مباشرة بعد حرب الخليج، لكنها فضلت مواصلة معاقبة العراق على أنه طور علاقات متشعبة مع ايران، حتى تحول الى دولة تحت وصاية ايران، والى الشريك التجاري الاكبر لايران. الجانب الاهم هو موافقة ايران على العلاقة المتجددة بين العراق والسعودية. يبدو أن سبب ذلك هو أن طهران متاكدة من التزام العراق تجاهها. واكثر من ذلك، اذا حسن العراق علاقاته مع السعودية وحظي بشرعية اكبر في العالم العربي، فان هذا يثبت أن علاقته الوثيقة مع ايران لا تحوله الى دولة منبوذة. هكذا، اذا كانت السعودية مستعدة لاستثمارات المليارات في العراق فان هذا جيد للعراق ولايران ايضا. وهذا هو نفس التكتيك الذي اتبعته ايران تجاه لبنان، الذي كان يحظى باستثمارات سعودية كبيرة دون أن يؤثر ذلك على قدرة ايران في التأثير على سياسة لبنان.

العلاقة بين السعودية والعراق يمكن أن تدلل على تحول استراتيجي للسعودية بخصوص الازمة السورية. الافتراض السعودي يرتكز على الواقع السياسي الذي رسخ روسيا وايران كاصحاب بيت في سوريا. قدرة السعودية على التأثير على الحل السياسي الذي ترسمه روسيا يتلخص في تأثيرها على مليشيات المتمردين الذين يحظون برعايتها. يبدو أن السعودية توصلت الى استنتاج لا مناص من أن تصل اليه، وهو أن عليها أن تختار لنفسها جبهات جديدة من اجل أن تحارب فيها ضد ايران، والعراق يمكن أن يشكل ساحة محتملة لمواجهة كهذه، لا سيما من اجل منع خلق ما اعتيد تسميته “محور الشر” الذي يربط ايران مع سوريا بممر بري.

 من اجل تحقيق هذا الطموح يجب على السعودية اقناع الحكومة العراقية برئاسة حيدر العبادي على ابقاء القوات الامريكية في العراق، رغم أن الحرب ضد تنظيم الدولة الاسلامية (داعش) وصلت الى نهايتها من خلال احتلال المدينة الاخيرة رافا، التي كانت تحت سيطرة التنظيم. العبادي ينتظر في الحقيقة ولديه اعلان رسمي عن انتهاء الحرب، لكن ايران سبقته عندما أعلن الرئيس حسن روحاني وقائد قوة القدس قاسم سليماني في هذا الاسبوع أنه “تم تحقيق الهدف بالكامل”. الحرب ضد داعش في العراق وصلت الى نهايتها. هذه التصريحات اعاقت داعش في تنفيذ عدد من العمليات الدموية في الايام الاخيرة، وهو ما زال حتى الآن نشيطا في بؤر في الصحراء الغربية للعراق في محافظة الانبار.

يوجد لهذه التصريحات الايرانية تداعيات استراتيجية هامة، حيث أن تفسيرها هو أن ايران تستطيع الآن أن تسحب قواتها من المناطق العراقية وتطالب بأن تقوم قوات التحالف الغربي، وبالاساس الولايات المتحدة، بالانسحاب من الدولة. لا يوجد لايران مشكلة في سحب قواتها من العراق، لأنها ستواصل تمويل وتدريب المليشيات الشيعية العاملة كقوات مساعدة للجيش العراقي، التي تعتبر الآن جزء لا يتجزأ من الجيش العراقي. وبذلك تحافظ على الموقع العسكري الذي يوجد لها في العراق.

مسألة تواجد القوات الامريكية تحولت بناء على ذلك الى موضوع مختلف فيه في البرلمان العراقي، الذي يستعد للانتخابات التي يتوقع اجراؤها في شهر ايار القادم. عدد من اعضاء البرلمان يعتقدون أنه يجب الموافقة على الوجود الامريكي بشرط أن يقتصر على التوجيه والتدريب، لكن ليس كقوة عسكرية مقاتلة. عدد آخر من الاعضاء يعارضون بشدة وجود أي قوة اجنبية. في هذا الخلاف يمكن للسعودية أن تستخدم كرافعة تضغط على العبادي من اجل الموافقة على بقاء القوات الامريكية، لكن ليس هناك أي تأكيد على أن العبادي سيخضع لذلك. مثال على الصعوبة التي يمكن أن تفشل الضغط السعودي هو تصريح الانفصالي الشيعي مقتدى الصدر في هذا الاسبوع، بأنه سيدعم رئيس الحكومة الحالي في الانتخابات القادمة. الصدر، الذي لديه جيش خاص، كانت له مواجهات كثيرة مع العبادي، حتى أنه بادر الى تنظيم مظاهرات ضده حتى في هذه السنة ايضا. من الواضح أنه اذا كان الامر هكذا فان لهذا التحول المفاجيء سيكون ثمن: الصدر يعارض بشدة الوجود الامريكي في العراق، وربما أنه يريد جباية الدين من خلال الطلب من العبادي العمل ضد التواجد الاجنبي.

 اضافة الى التعقيد الدولي الذي سيضطر العراق فيه للمناورة بين طموحات السعودية والولايات المتحدة وبين ضغط وتأثير ايران، التي ستطلب من العبادي مواجهة المشكلات الشديدة في الداخل، التي اثارتها الحرب ضد تنظيم الدولة الاسلامية. عودة مئات آلاف المواطنين العراقيين الى منازلهم تجري ببطء شديد. وفي المدن التي تم تحريرها من داعش مثل الموصل ونينوى، فان الحياة بعيدة عن أن تكون طبيعية. مواطن عراقي عرف نفسه باسم بدران، قال لموقع “نقاش” العراقي “في الاسابيع الاخيرة جاء الى بيتي مقاتلين من خمس مليشيات مختلفة، وقاموا بفحص بطاقات هوياتنا”. جاره قتل على أيدي مجهولين والمواطنون يخشون من الخروج من البيوت خوفا من التعرض لهم من قبل رجال المليشيات الذين قسموا بينهم السيطرة فيى مدينة الموصل. موظفو الدولة الذين يعيشون في مدن تم تحريرها لا يحصلون على الرواتب رغم وعود الحكومة.

 لقد نشر في هذا الاسبوع أن حوالي 800 أرملة وطفل من ابناء تنظيم الدولة الاسلامية الاجانب تم نقلهم الى منشأة اعتقال في بغداد من المنشأة التي كانوا فيها في شمال الدولة خوفا من أن يقوم المدنيون بالانتقام منهم. في مدينة الانبار التي حررت قبل سنتين تقريبا، ترفض السلطات تجنيد مواطنين من ابناء المكان في صفوف الشرطة رغم النقص في القوة البشرية. اذا كان قد عمل في المحافظة قبل الحرب اكثر من 28 ألف شرطي، فان العاملين فيها الآن اقل من النصف. شقيقان من ابناء المدينة من عائلة بيجاري، اللذان انضما الى قوات القبائل التي حاربت ضد داعش، حصلوا على تعهد بأن يتم تجنيدهم للشرطة بعد انتهاء الحرب. في هذه الاثناء أحدهما قتل والآخر جرح واصبح معاق. التعهد لم ينفذ ولم يتم دفع تعويضات على الاصابة.

مواطنون من المدينة قالوا إن النظام يرفض تجنيد سكان المنطقة السنة خوفا من أنهم ما زالوا مخلصون للدولة الاسلامية. إن تنكر النظام يدفع السكان الى الانضمام الى “مكان العمل” الوحيد المفتوح امامهم، صفوف المليشيات المحلية التي يوجد لكل واحدة منها ولاءها القبلي الخاص بها. هذا ايضا مصير أكثر من 4 آلاف شرطي خدموا في الشرطة قبل الحرب، والآن لا يتم قبول عودتهم الى العمل.

إن الخوف المبرر من مقاتلي داعش العراقيين الذين نزعوا الزي العسكري ويبدون الآن كمدنيين، يجبر القوات الامنية على القيام بفحص مشدد من اجل منع اعادة تنظيمهم، وجمع السلاح الكثير الذي بقي في أيدي مدنيين بعد الحرب، والدفاع عن المدنيين الابرياء الذين يعيشون في المناطق التي كانت تحت سيطرة التنظيم من تصفية الحسابات. هذه مهمات ثقيلة جدا على الشرطة والجيش، والتي تتطلب ايضا الحفاظ على النظام العام. ونتيجة لذلك، آلاف العائلات تنتظر الفحص والتحقيق ولا تستطيع العودة الى بيوتها.

ولكن من ينجح في العودة يجد أنه ليس له ما يعود من اجله. مئات آلاف المنازل هدمت وهي بحاجة الى استثمارات ضخمة، ما زالت الحكومة غير مستعدة لاستثمارها. العراق هو دولة غنية، ولديه احتياطي نفط يعتبر الثالث في العالم بعد ايران والسعودية. ولكن لديه عجز في الميزانية يبلغ 20 مليار دولار تقريبا، ودين يقدر بـ 133 مليار دولار. في السنة القادمة سيبدأ العراق في دفع تعويضات للكويت بسبب الاضرار التي تسبب بها في حرب الخليج الاولى. وليس واضحا من أين ستأتي الاموال لاعادة تأهيل المدن وتعويض المصابين في الحرب. المواطنون السنة قلقون بدرجة كبيرة من أن سلم اولويات الحكومة سيميز ضدهم وسيجدون انفسهم على هامش ميزانية الدولة بصورة ستزيد من الشعور بالاحباط الكبير الذي يوجد لديهم اصلا. من هنا ستكون المسافة الى المواجهة العنيفة مع النظام قصيرة وخطيرة.

هذا التطور يقلق ايران، التي ايضا في فترة ولاية رئيس الحكومة السابق نوري المالكي طلبت الاهتمام باحتياجات السكان السنة من اجل منع المواجهات التي من شأنها أن تمس باستقرار الدولة. المالكي عمل بالضبط العكس، ودفع السكان السنة الى مساعدة داعش في احتلال مناطق في العراق. وبصورة متناقضة ايران من شأنها هذه المرة أن تكون الدرع الواقي للسنة العراقيين، ليس فقط من اجل استقرار النظام في العراق، بل من اجل كبح “المؤامرة” السعودية لأن تضم الى صدرها القطاع السني واستخدامهم كوسيلة للتأثير في العراق. بهذا الشكل يمكن أن تنمو لها حلبة المصارعة الاقليمية القادمة والتي لا تبشر بالخير. المصدر