عمر نجيب: الولايات المتحدة إسرائيل وداعش وأشياء أخرى الاقتراب من الفصل الأخير في معركة بلاد الشام

omar-najeb77

عمر نجيب

  مع اقتراب سنة 2017 من نهايتها تتسارع عمليات خلط أو بعثرة أوراق ومعطيات النزاع الدائر على أرض بلاد الشام منذ منتصف مارس 2011 والذي يتفق غالبية السياسيين والعسكريين أن نتيجته ستكون حاسمة على كل مجريات الصراع الأوسع الذي يشمل كل منطقة الشرق الأوسط الكبير، وكذلك عملية رسم الصورة الأحدث لموازين القوى العالمية بحكم مركزية المنطقة وتأثيرها على مسلسلات امتحان القوى والتنافس على مناطق النفوذ الدائر رحاها في أفريقيا وشرق أسيا وساحة المحيط الهادئ.

  خلط وبعثرة الأوراق ولد حالة يصفها بعض السياسيين بالفوضى التي يصعب في ظلها التحليل أو بناء تصورات للمستقبل، حيث تتبدل وتتقلب التحالفات وتتقاطع وتتضارب التصريحات والمواقف. تركيا عضو حلف الناتو وداعم العديد من الجماعات المسلحة المناهضة لدمشق وعلى مدى سنوات تتقارب مع روسيا وتتعاون معها ضد مجموعات مسلحة كانت قبل فترة قصيرة تتمتع بدعم الجيش والمخابرات التركية. أنقرة تساند حتى شهر نوفمبر 2017 جماعات مسلحة مناهضة لحكومة سوريا وروسيا تقصف وتدمر هذه التنظيمات. أنقرة التي كانت حتى وقت قريب تهاجم دور ايران في دعم الجيش العربي السوري أصبحت تنسق مع طهران بشكل متزايد سياسيا وعسكريا ليس في سوريا فقط بل في العراق كذلك. علاقات أنقرة توترت مع الرياض وتحولت إلى تعاون وتحالف عسكري مع قطر التي تساند مجموعات مسلحة في سوريا والعراق تعتبرها تركيا ومعها موسكو إرهابية. علاقات تركيا تزداد تأزما حينا مع بعض فترات الإنفراج مع واشنطن لأن الأخيرة تدعم تنظيمات كردية تعتبرها أنقرة تهديدا لأمنها القومي ولوحدة أراضيها

 واشنطن تسحب دعمها لتنظيمات مسلحة على الساحة السورية كالجيش الحر كانت تعتبر معتدلة وتنقل ثقل دعمها لأخرى. الطيران الأمريكي وضمن تحالف يضم على الورق أكثر من 60 دولة يقصف بآلاف الغارات حسب بيانات البنتاغون تنظيم داعش ويحرك قوات مثل قسد ضده، ولكن مصادر غربية وشرقية مثل موسكو ولندن تكشف أن الأجهزة الأمريكية تتعاون عسكريا وإستخباريا مع داعش خاصة إذا تعلق الأمر بتوجيه ضربات إلى القوات الروسية في سوريا أو بمنع تقدم الجيش السوري خاصة نحو الحدود مع العراق.

 إسرائيل تقدم الدعم العسكري لمجموعات مسلحة مختلفة تقاتل ضد سلطة دمشق بما في ذلك التنظيمات التي تؤكد أنها تشن الحرب في سوريا لتحررها من حكم الأسد حتى يمكن التفرغ لتحرير فلسطين.

 منذ 30 سبتمبر 2015 عندما بدأ التدخل العسكري الروسي خاصة بواسطة الطيران، لا يمر شهر دون أن تتحدث موسكو وواشنطن عن إتفاقيات وتفاهمات وعمليات تنسيق لمنع حدوث مواجهات مباشرة بين قواتهما، ولتسهيل التوصل إلى تسوية سياسية للأزمة، ولكن بين كل إتفاق وآخر يتبادل الطرفان الإتهامات ويقتربان مرحليا من عتبة المواجهة الأكبر قبل أن يبتعدا عنها في إنتظار يوم آخر.

  الأمر الذي لا تسوده الفوضى أو الضبابية فيما يخص هذه المتاهة، هو أن الحرب متعددة الأطراف على أرض الشام تسير لصالح دمشق وموسكو وحلفائهم منذ سبتمبر 2015 وليس هناك في الأفق حتى الآن وسنة 2017 توشك على نهايتها أي مؤشر أن الأوضاع ستتبدل.

الولايات المتحدة خسرت

 نهاية شهر يونيو 2017 أكد روبرت فورد، آخر سفير أمريكي في العاصمة السورية دمشق في تصريح صحفي، أن الجميع كان يعتقد أن الحرب ستكون قاسية على الحكومة السورية، وأنها ستتفاوض على صفقة وحل تفاوضي بدءا من عام 2013، وسيذهب الأسد إلى الجزائر أو روسيا أو كوبا، وتكون هناك حكومة ائتلافية، لأن الجيش السوري سيكون ضعيفا آنذاك.

وقال فورد إن ما حدث هو العكس تماما، لقد ارتكبت الولايات المتحدة الأمريكية في عهد باراك أوباما خطأ جسيما”. وأضاف: “الأسد ربح، إنه منتصر، وسوف يبسط نفوذه على كل البلاد عاجلا أم أجلا، فالقضية أصبحت مسألة وقت”.

وأشار إلى أن روسيا انتصرت على الولايات المتحدة زمن أوباما، وقال إن وزير الخارجية الروسي لافروف كان يعامل وزير خارجية أمريكا السابق كيري كطفل.

وبخصوص الهدف النهائي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ذكر روبرت فورد إن الرئيس ترامب يريد تقليص النفوذ الإيراني، لكنه لا يعرف أن اللعبة انتهت، على حد قوله”.

واختتم بقوله: “إنهم تأخرو كثيرا، وأوباما لم يترك لإدارة ترامب الكثير من الخيارات لتحقيق هدفها”.

وفي حوار آخر له مع مجلة “الشؤون الخارجية” أكد السفير أن واشنطن لا تملك استراتيجيات جيدة في سوريا، وإنما كل استراتيجية تتبعها هي أسوأ من الأخرى. وتطرق إلى الحديث عن رغبة الجيش السوري الحقيقية في تحرير البلاد بأكملها واستعادة السيطرة عليها بمساعدة من روسيا.

يذكر أن فورد غادر دمشق عام 2012، لكنه ظل مبعوث أمريكا إلى سوريا حتى استقال عام 2014، وأصبح باحثا في “مركز الشرق الوسط” للأبحاث في واشنطن.

مناورات

 إذا كان هناك شبه أجماع ضمن التحالف الأمريكي على تأييد تقديرات السفير الأمريكي السابق في دمشق، فإنه يظهر أن هناك عمليات أستطلاع من جانب واشنطن ربما لخفض حجم الخسائر أو للبحث عن صفقات.

 يوم الجمعة 3 نوفمبر 2017 أفادت وكالة “رويترز″ أن رئيس مكتب الأمن الوطني السوري علي المملوك استقبل في دمشق مسؤولا أمريكيا رفيع المستوى، في أول اجتماع من نوعه منذ اندلاع الحرب السورية في عام 2011.

ونقلت الوكالة عن مسؤول إقليمي رفيع المستوى، مقرب من حكومة دمشق، قوله إن المسؤول الأمريكي، الذي لم يكشف عن اسمه، زار دمشق قادما من لبنان، مضيفا: “هذه هي خطوة مهمة، غير أن دمشق ليست مقتنعة بالموقف الأمريكي”.

وأكد المصدر أن المملوك أعرب أثناء اللقاء عن احتجاج الحكومة السورية على تواجد القوات الأمريكية في أراضيها، مشددا على أن دمشق تعتبر ذلك احتلالا.

من جانبه، رد المسؤول الأمريكي على ذلك قائلا إن هدف التواجد الأمريكي في سوريا هو تنفيذ المهام الاستشارية ومحاربة تنظيم “الدولة الاسلامية”.

صحيفة “الأخبار” اللبنانية كشفت أن المسؤول الأمريكي الذي زار دمشق كان ممثلا لأحد أبرز الأجهزة الأمنية الأمريكية ويتولى “منصبا رفيعا جدا”، وأنه كان يتابع اتصالات أجراها مسؤولون أمنيون أمريكيون، من بينهم مدير الاستخبارات الأمريكية “سي آي إيه” مايكل بومبيو، مع رئيس مجلس الأمن القومي السوري عبر أطراف ثالثة.

يشار الى أن عضوة الكونغرس الأمريكي تولسي غابارد زارت دمشق منتصف يناير 2017، والتقت الرئيس بشار الاسد. وبعد عودتها الى واشنطن انطلقت ضدها حملة انتهت إلى قرار من لجنة خاصة في الكونغرس بإخضاعها لجلسات تحقيق، انتهت إلى أنها لم تخالف القوانين الأمريكية.

غابارد كانت قد التقت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل زيارتها لسوريا وقيل أنها حملت منه رسالة الى الأسد، وقد قدمت إلى البيت الابيض تقريرا عن زيارتها وملفات إضافية تمت إحالتها إلى الأجهزة الأمنية الأمريكية للتدقيق والمتابعة. وهو ما حصل، رغم أنه نقل عن مسؤولين في البيت الابيض قولهم إن ترامب لم يكن بمقدوره متابعة الملف، وإن المحيطين به انتقدوا تسرعه في هذه الخطوة، وفي إعلان أن لا مشكلة مع بقاء الرئيس السوري في منصبه.

عروض مرفوضة

تزامنا مع زيارة المبعوث الأمريكي، نقل زوار دمشق عن الرئيس السوري رفضه كل محاولة من جانب أي جهة في العالم لطرح حلول سياسية تستند الى تخلي السلطة المركزية، ولو بصورة مؤقتة، عن سلطتها الكاملة والمطلقة على كامل الاراضي السورية. وقال الزوار إن الأسد أبلغ حلفاء دمشق وأصدقاءها أنه ليس في وارد القبول بأي طروحات ترد ضمن مساعي الحل السياسي، تقضي بترك مناطق سورية تحت وصاية تركيا أو الولايات المتحدة أو الأردن، وأن دمشق لا تفاوض الأكراد على إدارة مناطق بصورة مستقلة، وأنه لن تكون هناك كردستان أخرى في سوريا. وشدد على أن المناطق التي ينتشر فيها الأكراد هي مناطق سورية، ولا خصوصية لها تسمح بتحويلها الى مناطق حكم ذاتي. وأكد أن الحكومة السورية ستواصل العمل لاستعادة السيطرة على كامل الاراضي السورية، سواء من خلال التفاوض والمصالحات أو من خلال المعارك العسكرية. ولن تقبل دمشق بأي محاولة لتغيير الأوضاع الديموغرافية أو السياسية في أي منطقة سورية.

موسكو تستعد لوضع جديد

يوم 2 نوفمبر 2017 جاء في تقرير نشر في موسكو: تستعد روسيا لسحب قواتها العسكرية تدريجيا من سوريا، وفي نهاية هذه السنة من المرجح أن يبقى عدد محدود من الوحدات العسكرية بقاعدتي حميميم وطرطوس. أما من الناحية السياسية، فسيكون على جميع الأطراف الجلوس على طاولة المفاوضات، بما في ذلك مختلف أطياف المعارضة السورية.

ونقلت صحيفة “سفابودنايا براسا” الروسية حديثا في البرلمان الكازاخستاني، للجنرال الروسي السابق فلاديمير شامانوف، الذي يترأس حاليا لجنة الدفاع في مجلس البرلمان “الدوما”، أكد فيه أن المهام الرئيسية للعملية العسكرية الروسية تم تنفيذها على أرض الواقع. وقبل نهاية هذه السنة، ستستعيد القوات الحكومية السورية السيطرة على الحدود السورية العراقية، كما سيمحى تنظيم “داعش” من الوجود باعتباره هيكلا عسكريا منظما.

حسب وزارة الدفاع الروسية، تسيطر القوات الحكومية بقيادة الرئيس بشار الأسد على نحو 75 في المئة من إجمالي الأراضي السورية.

وبشأن الصراعات المتصاعدة بين الجماعات المسلحة في سوريا والتي تضم حسب بيانات الأمم المتحدة أكثر من 30 الف أجنبي، تجيب الصحيفة الروسية بالقول، إن جماعات المعارضة على اختلافها وتنوعها، ليست فقط ضد نظام الأسد وإنما هي في حالة حرب بعضها ضد بعض. وفيما يتعلق بموقف الدول الضامنة للسلام، فهي مختلفة فيما بينها أيضا، فبينما تدعم كل من إيران وروسيا نظام الأسد، تدعو تركيا للإطاحة به وتدعم جزء من المعارضة.

وترى الصحيفة الروسية أن التسوية السياسية للنزاع السوري بعيدة المدى، ومن ثم يكفي القول إن قادة 18 حزبا من أحزاب المعارضة قد دعوا إلى عقد قمة بشأن التسوية السورية، التي تعتزم روسيا عقدها في سوتشي. ووفقا للممثل الخاص لروسيا في سوريا، ألكسندر لافرنتي، جاء هذا القرار عقب المحادثات في أستانا. وفي قمة سوتشي، ستتم مناقشة تشكيل حكومة انتقالية للوحدة الوطنية، فضلاً عن تنقيح الدستور السوري.

الدور الإسرائيلي

 تعاون إسرائيل مع التنظيمات المسلحة الموصوفة بالإرهابية ليس جديدا رغم أن تل أبيب تنفيه دائما، المحلل الإسرائيلي اليكس فيشمان المعروف بعلاقاته الوثيقة مع رئيس الحكومة نتنياهو ومع أجهزة الجيش والمخابرات الصهيونية قدم صورة لهذا التحالف في تقرير له نشر يوم 24 يونيو 2017 وجاء فيه: الفوضى هي فرصة ايضا. كل من يستطيع الاستفادة من الفوضى في سوريا موجود هناك. واسرائيل ايضا تقوم بعصر هذه الليمونة حتى النهاية، وإلا فانهم سيعصرونها.

إن ما نشر في صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية حول المساعدات التي تقدمها اسرائيل للمتمردين في هضبة الجولان السورية هو كما يبدو طرف جبل الجليد العائم للعملية التي تستمر منذ سنوات.

 دائما كانت هناك مصلحة امنية مشتركة. المتمردون في الجولان مثل عشرات مجموعات المتمردين في ارجاء سوريا هم اولا وقبل كل شيء تنظيمات محلية التواجد. اللون السياسي والأيديولوجي والديني لهذه المجموعات أهميته ثانوية. هدفها هو مواجهة الجيش السوري وحلفاءه والبقاء في مناطق سيطرتهم.

جزء كبير من مجموعات المتمردين في هضبة الجولان تبنى الايديولوجيا السلفية المتطرفة لجبهة النصرة، وهي نسخة اخرى للقاعدة، وهي عدو لدود ليس فقط للنظام السوري، بل ايضا لإيران وحزب الله. وحسب اسرائيل، اللون الديني المتطرف لهؤلاء المتمردين ليس مهما، وما يهمهم هو البقاء، ويمكن الحصول على ولائهم من خلال الدعم المادي الذي يضمن أمنهم.

يمكن استنتاج أن اسرائيل لا تدقق دائما في حلفائها، طالما انها تحصل على المقابل الأمني الملائم. هذا ما يتبين مما نشر في الصحيفة الامريكية المهمة. وحسب وجهة نظر اسرائيل، عدو عدوي هو صديقي. واذا كان مقاتلو جبهة النصرة يحاربون داعش في جنوب هضبة الجولان، والاثنان معا يحاربان حزب الله والجيش السوري، فهذا جيد.

37 مليار دولار

 يتفق الساسة في واشنطن وتل أبيب أن موسكو تناور بنجاح وتسقطهم في تصورات خاطئة حول تسويات وفي النهاية تحقق مكاسب إضافية بينما هم يحصدون المزيد من الخسائر، لقد أنفقت واشنطن وحلفاءها أكثر من 37 مليار دولار لإسقاط دمشق وتدمير الجيش السوري في حين أن موسكو لم تخسر حتى مليار دولار لدعم دمشق بواسطة قواتها الجوية وبعض الوحدات البرية. والأسواء ربما عسكريا هو تمكن الجيش الروسي من رصد وتحليل أفضل وآخر تقنيات الأجهزة الحربية الأمريكية خاصة تلك المتعلقة بمقاومة الصواريخ أرض جو، وجو جو، فواشنطن تزود إسرائيل بآخر تقنياتها حتى تستطيع مواصلة ضرب أهداف داخل سوريا حتى ولو إنطلاقا من شمال إسرائيل أو من الفضاء الجوي اللبناني، والروس وفي كل مرة تتحرك فيها الطائرات الإسرائيلية يتوصلون إلى كشف أحدث التقنيات الأمريكية وهذا ليس مفيدا لهم فقط في الساحة السورية بل كذلك لو وقعت حرب في أوروبا أو حرب عالمية ثالثة.

 جاء في تقرير نشرته وكالة فرانس برس يوم 18 نوفمبر 2017: يواجه التفاهم الذي لا يزال في بداياته بين فلاديمير بوتين ودونالد ترامب حول مصير سوريا صعوبات بعد مواجهة في الأمم المتحدة وقبل سلسلة اجتماعات دولية ستكون حاسمة بشأن مستقبل هذا التعاون.

نشر الرئيسان الأمريكي والروسي في 11 نوفمبر بيانا مشتركا حول النزاع السوري في بادرة نادرة نظراً لسوء العلاقات بين واشنطن وموسكو، أعلنا فيه انه “لا يوجد حل عسكري” للنزاع وأيدا “الحل السياسي” عبر عملية جنيف التي ترعاها الأمم المتحدة. وإن لم يكن في الأمر اختراق، غير أنه شكل بداية للطرفين اللذين يتدخلان عسكريا في سوريا ويختلفان تماما بشأن دعم روسيا للنظام السوري برئاسة بشار الأسد.

لكن الإعلان المشترك الذي لم يأت على ذكر مصير الرئيس السوري، وهي نقطة الخلاف الرئيسية، استقبل بالتشكيك في الولايات المتحدة.

وكتبت صحيفة واشنطن بوست ساخرة إن “الأمر رائع الى حد يصعب تصديقه”، وقالت ان بوتين “لا يعير الاتفاقات الموقعة اي اعتبار”.

وكتبت صحيفة وول ستريت جورنال ان بوتين “هو الذي يحقق مكاسب”، واضافت “لقد علمتنا ست سنوات من النزاع السوري ان الواقع العسكري الميداني هو الذي سيحدد معالم السلام المقبل”.

وسرعان ما اختلف الجانبان على تفسير النص المشترك حول النقطة الحساسة المتعلقة بمناطق خفض التوتر في جنوب سوريا، وفق ما يقول جوزف باحوط الباحث في معهد كارنيغي للسلام الدولي في واشنطن.

وقال باحوط ان “الامريكيين يقولون إن الروس التزموا بابعاد الجيش السوري وحزب الله وإيران وحلفائهم عن الحدود الإسرائيلية والأردنية، لكن الروس يقولون إن الأمريكيين لم يفهموا شيئا”.

ولم يكن من شأن استخدام روسيا حق النقض الخميس والجمعة 16 و 17 نوفمبر 2017 في مجلس الأمن الدولي لاجهاض مشروعي قرار لتمديد مهمة الخبراء الدوليين الذين يحققون بشأن الاسلحة الكيميائية في سوريا سوى أن يسمم الأجواء المتوترة أصلا. وتم في المقابل رفض مقترح روسي مضاد.

إنعدام الثقة

 السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة نيكي هايلي قالت إن روسيا “تبرهن على انها ليست محل ثقة في العملية التي تقود إلى حل سياسي في سوريا”، في ما بدا أنه تشكيك في أهمية الإعلان الصادر عن ترامب وبوتين.

وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية هيذر نويرت إن روسيا “أولت مجددا الاهمية لحماية نظام الأسد”.

ولا تشيع هذه التصريحات أجواء مطمئنة قبل مباحثات ستجري حول مستقبل سوريا في حين باتت هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية فيها قريبة.

فبعد خمسة أيام من تأكيده مع ترامب تمسكه بعملية جنيف المقرر أن تعقد جولتها المقبلة في 28 نوفمبر، دعا بوتين رئيسي تركيا وإيران الأربعاء إلى لقاء قمة في منتجع سوتشي على البحر الأسود. ورجب طيب أردوغان وحسن روحاني هما شريكا بوتين في عملية استانا التي يشارك فيها الأمريكيون كمراقبين.

وقال جوزف باحوط إن “كل ما يفعله الروس هو من أجل افراغ عملية جنيف من اي معنى ولكي تحل محلها عملية يسيطرون عليها تماما”. واضاف “على الإثر، رد الأمريكيون عبر تشجيع السعودية على عقد اجتماع للمعارضة السورية في الرياض” من الأربعاء إلى الجمعة.

فهل لا تزال الولايات المتحدة مقتنعة بان روسيا هي شريكتها في عملية جنيف؟. لقد ردت المتحدثة باسم الدبلوماسية الأمريكية على هذا السؤال الجمعة بقولها “لا أعرف”.

وقالت هيذر نويرت “هناك نقاط كثيرة لا نتفق بشأنها مع روسيا، ولكن هناك نقاطا نتفق عليها” مثل وقف اطلاق النار الذي أقر في الصيف في جنوب غرب سوريا والرغبة في توسيعه إلى منطقة أخرى.

لكن ليس لدى واشنطن سوى بدائل معدودة.

وقال دبلوماسيون غربيون إن الدوائر العليا الأمريكية تقر في جلسات خاصة بأن الأسد وبوتين بدعم من إيران كسبا الحرب فعليا قبل سنتين وإنهما يعززان اليوم انتصارهما.

وذكر مسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية “قلنا بوضوح أننا لن نعمل مع نظام الأسد، ولن نعمل بالطبع مع الإيرانيين لذلك علينا أن نجد وسيلة للعمل مع روسيا أينما كان الأمر ممكنا”.

دعم لم يثمر

 يوم الأحد 19 نوفمبر 2017 ذكرت وكالة فرانس برس أن الجيش السوري وحلفاؤه سيطروا مجددا الأحد على كامل مدينة البوكمال الواقعة في شرق البلاد على الحدود مع العراق، بعد طرد تنظيم الدولة الاسلامية منها.

وتمكن الجيش السوري في التاسع من الشهر من طرد التنظيم من المدينة بعد أكثر من ثلاث سنوات من سيطرته عليها، لكن عناصر التنظيم تمكنوا بعد أيام عدة من السيطرة عليها مجددا.

موسكو إتهمت في حينها واشنطن بدعم مقاتلي داعش ومحطة ال “بي بي سي” البريطانية نشرت فيديوهات تبين كيف سمح الأمريكان لمقاتلي التنظيم بنقل مقاتليهم واسلحتهم الثقيلة والخفيفة نحو ساحة المعارك في منطقة الحدود عمليا تحت حماية الطيران الأمريكي.

وتأتي السيطرة على المدينة الأحد إثر هجوم بدأه الجيش مع حلفائه الخميس بدعم جوي روسي.

وأفاد المصدر العسكري بأن التنظيم “أبدى مقاومة عنيفة وحاول استخدام المفخخات والانتحاريين، لكن محاصرة المدينة مكنت الجيش من حسم المعركة والسيطرة عليها بالكامل”.

وأكد المرصد السوري لحقوق الانسان استعادة الجيش السيطرة على المدينة، وتتركز الاشتباكات حاليا وفق المرصد، في محيط البوكمال التي كانت تعد آخر معقل بارز للتنظيم في سوريا، حيث لا يزال يسيطر على 25 في المئة من مساحة محافظة دير الزور الغنية بالنفط والحدودية مع العراق.

سباق الحدود

 سقوط البوكمال في يد الجيش السوري وفشل مخطط واشنطن لتمكين حلفائها في قوات سوريا الديمقراطية “قسد” من تسلم المدينة من داعش بإسلوب “التسويات”، شكل صدمة جديدة للمخططين في البنتاغون.

 جاء في تقرير نشر في بيروت يوم الأحد 19 نوفمبر: منذ تمركز القوات الأمريكية في منطقة التنف وقطعها طريق دمشق بغداد، كانت العين على معبر البوكمال القائم بوصفه أهم المعابر بين سوريا والعراق. وتمكنت دمشق وحلفاؤها من كسب معارك متعددة ضد داعش والفصائل المدعومة أمريكيا، على مدى أشهر، ووصلوا إلى دير الزور وبعدها الميادين والبوكمال، ليكسروا ما اعتبرته واشنطن يوماً بمثابة “خط أحمر”.

عادت مدينة البوكمال الحدودية إلى سيطرة الجيش وحلفائه بشكل كامل. الإعلان الثاني للتوالي خلال عشرة أيام، عن تحرير المدينة، جاء ليثبت طرد التنظيم من آخر المدن التي يسيطر عليها في سوريا، بعدما خسر بلدة راوه، آخر معاقله في العراق. المدينة المهمة وعقدة الربط بين بغداد ودمشق، كانت من أولى المناطق التي خرجت عن سيطرة الدولة السورية في عام 2012. كذلك حل فيها تنظيم “داعش” منذ بداياته.

النصر في المدينة يحمل رمزية كبيرة، لكونها شكلت أيضا معبراً لقيادات بارزة في صفوف “القاعدة” نحو الميدان السوري، ليتفرقوا على خريطة الفصائل “الجهادية” التي أذكت نار الحرب. ويأتي حضور حلفاء دمشق الكبير في المعركة، ليعزز من بعدها الاستراتيجي، خاصة أن جهودا كبيرة بذلتها واشنطن وغيرها لمنع هذه اللحظة من التحقق. وهي جهود لم تتوقف حتى الآن.

التسليم الأمريكي بسيطرة دمشق وحلفائها على البوكمال، حضر سابقا بشكل غير مباشر على لسان عدد من مسؤولي “التحالف الدولي” آخرها لقائد عملياته، الجنرال جيمس ب. غرارد، ولكنه أُرفق بتأكيد أن السيطرة من الجانب العراقي لن تسمح بأن تكون المدينة “معبراً لإيران” نحو سوريا. الخطط الأمريكية لخنق الإنجاز الميداني تحضر عبر النفوذ الأمريكي المتنامي في العراق، كما في وجود قوات خاصة مجهزة عسكريا في محيط “الممر”، جنوبا في منطقة التنف “الآمنة”، وشمالا على ضفة الفرات المقابلة للبوكمال، التي يبدو أنها حتى اليوم منطقة نفوذ لأمريكا وحلفائها “قوات سوريا الديموقراطية”. وبينما تحتفظ واشنطن بمنظومة صواريخ “هيمارس″ التي يصل مداها إلى 300 كيلومتر في التنف، تبعد الضفة الشمالية 3 كيلومترات عن المعبر الحدودي الرسمي. ومع إعلان واشنطن غالبية الفصائل الحليفة العاملة مع الجيش في تلك المنطقة أنها إرهابية، تكون قد خلقت لنفسها المبرر لأي استهداف عسكري لاحق لتلك الفصائل. ورغم تلك الإمكانيات، فإن تجارب واشنطن السابقة في البادية والحدود لم تكن موفقة لها، إذ فرضت دمشق وحلفاؤها إرادتهم في عزلها على حدود التنف ومنعها من التقدم نحو البوكمال. كذلك فشل “التحالف” في تشكيل ذراع “عربية محلية” من أبناء دير الزور، من شأنها أن تسبق تحرك الجيش والحلفاء نحو مدن المحافظة وبلداتها. واليوم يعمل مع “قسد” على مكون جديد من أبناء عشيرة الشعيطات، المنشقين عن “داعش” وعن “درع الفرات”، بعدما وصلت معاركه إلى حدود قراهم شمال نهر الفرات.

موقف أنقرة

بينما يقترب “داعش” من مراحله الأخيرة في الشرق، تكثف النشاط الديبلوماسي للدول المعنية بالملف السوري وللأطراف المعارضة، إذ عقد وزراء خارجية روسيا وإيران وتركيا اجتماعا ثلاثيا مغلقا في أنطاليا التركية، تمهيدا لقمة سوتشي المرتقبة بين زعماء البلدان الثلاثة. ورغم قلة ما رشح عن الاجتماع، فقد أكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أنه “تم التوصل إلى اتفاق” بشأن “جميع القضايا الرئيسية” المتعلقة بالقمة المرتقبة. ورأى ضرورة أن “توفر محادثات أستانا الظروف الملائمة لكي تكتسب عملية محادثات جنيف في نهاية المطاف أدوات فعالة لتسوية المهام، في ضوء قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254″. وفي مقابل الحديث الروسي العام، كانت تركيا أكثر دقة بشأن تطلعاتها من المؤتمر، وقال وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو إنه أبلغ نظيريه الروسي والإيراني عدم قبول بلاده مشاركة “حزب الاتحاد الديموقراطي” الكردي في أي اجتماعات دولية. ولفت إلى أن الغرض من هذه القمة هو “إجراء تقييم لأهم الإنجازات التي حققتها الدول الضامنة الثلاث حتى الآن والخطوات التي يجب اتخاذها”. وقدر أن “الظروف على الأرض في سوريا أفضل بكثير مقارنة بالعام الماضي، لكن لا يمكن الحفاظ على هذه الإنجازات من دون تتويج هذه المرحلة بإيجاد حل سياسي”. وأتى الاجتماع عقب ساعات فقط على دخول رتل عسكري تركي كبير جديد إلى ريف حلب الغربي. ونقلت وكالة “الأناضول” أن الرتل العسكري تمركز في المرحلة الأولى في منطقة قريبة من عفرين، قبل أن ينتقل إلى خط إدلب عفرين، في وقت لاحق. ونقلت مصادر معارضة أن التعزيزات التركية دخلت من بلدة كفرلوسين، واتجهت نحو منطقة الشيخ عقيل في ريف حلب الغربي.

تقلص خيارات تل أبيب

 يشكل الانتصار في مدينة البوكمال إحدى أهم المحطات التي كشفت محدودية التأثير الإسرائيلي المباشر في المجريات الميدانية في الساحة السورية، رغم تقديرها المخاطر العالية التي ينطوي عليها التواصل البري بين إيران وسوريا عبر العراق، على معادلات الصراع مع إسرائيل ومجمل المشهد الإقليمي.

وبمعايير الأمن القومي الإسرائيلي، والمصالح الأمريكية الإقليمية، كانت تل أبيب تنتظر أن تتمكن إدارة دونالد ترامب من فرض خط أحمر يمنع التواصل البري مع العراق، كجزء من خطة احتواء مفاعيل انتصار محور سوريا إيران حزب الله على الساحة السورية. ومن هنا، شكل النصر في عقدة التواصل بين العراق وسوريا محطة اختبار كاشف وإضافي عن مدى تصميم الإدارة الأمريكية على خياراتها في مواجهة تصميم وإرادة المحور المعارض لها.

تحرير مدينة البوكمال يجسد عمليا التواصل البري الذي كانوا يتخوفون ويرفعون في تل أبيب الصوت تحذيرا من مفاعيله. فهو يشكل مدخلا لتعزيز المفاعيل الإقليمية لانتصارات المحور المعادي لهم في الساحة السورية، وتعبيدا لمسار تصاعدي سوف يكون له تداعياته الاستراتيجية على معادلات الصراع مع حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة. ووفق دراسة صادرة عن “معهد أبحاث الأمن القومي في تل أبيب”، يشكل الجسر البري بين إيران والنظام السوري وحزب الله، عبر العراق، “تهديدا وجوديا كامنا على إسرائيل” على المدى البعيد.

منذ تبلور في وعي صناع القرار السياسي والأمني في تل أبيب انعدام الرهان على إمكانية سقوط الرئيس بشار الأسد، وانتقال الجيش السوري وحلفائه إلى مرحلة تحرير الأراضي من الجماعات المسلحة، حددت إسرائيل مجموعة خطوط حمر تهدف إلى محاولة احتواء مفاعيل فشل رهاناتها وهزيمة خياراتها على الساحة السورية. فإلى جانب الخطوط الحمر المتصلة بالقدرات النوعية والاستراتيجية، طالبت إسرائيل بمنطقة عازلة بعمق 60 كلم عن حدود الجولان المحتل، وأعلنت أنها لن تسمح بتكريس الوجود الإيراني في سوريا، وبناء قواعد عسكرية إيرانية على الأراضي السورية.

لكن النصر في مدينة البوكمال بما يمثله من تجسيد للتواصل البري بين سوريا والعراق، يشكل التفافا وتقويضاً للمخطط الإسرائيلي الأمريكي في احتواء انتصار المحور المعادي. مع ذلك، أدركت تل أبيب منذ البداية محدودية خياراتها الذاتية في مواجهة هذا المسار. من هنا، كان رهانها الأساسي على ما يمكن أن تتخذه إدارة ترامب في هذا المجال، وهو ما صدر آنذاك على لسان وزير الاستخبارات يسرائيل كاتس، الذي توقع ألا تسمح الولايات المتحدة بذلك.

يوم الأربعاء 15 نوفمبر 2017 نقلت وكالة “انترفاكس″ عن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قوله إن بلاده لم تتعهد بضمان انسحاب أي قوات إيرانية من سوريا.

وتأتي هذه التعليقات بعد أنباء نقلت عن مصادر ديبلوماسية أمريكية، تفيد بتعهد موسكو ضمن سياق اتفاق “تخفيف التصعيد” في الجنوب السوري بالعمل مع إيران لسحب قواتها العاملة في سوريا. ولفت لافروف إلى أن الوجود الإيراني والروسي العسكري في سوريا هو “وجود شرعي”، لكونه تم بطلب وتنسيق مع الحكومة السورية، للمشاركة في الحرب ضد الإرهاب، على خلاف “التحالف الدولي”.

عمر نجيب

Omar_najib2003@yahoo.fr