المغرب: شهيدات الخبز

rasheed-arkhabeech.jpg77

رشيد أخريبيش

استيقظن باكراً حَمَلن أكياسهُنّ وتوجّهن إلى حيث يُوزّع الدّقيق أملاً في العودة بما يسدّ رمق أبنائهن دون أن يَعلمنَ أنّ البحث عن لقمة العيش في هذا الوطن لن يؤدّي بهنّ سوى إلى الموت المحقّق .

ذهبت 15 امرأة ضحيّة لسيّاسة التجويع ،انتهت حياتُهنّ ليس دفاعا عن الوطن، وليس دفاعاً عن الدّين وإنّما دفاعاً عن حقّهنّ في العيش بكرامة داخل الوطن.

في ظّل العهد الجديد، وفي ظلّ مغرب الحقوق، وفي ظلّ بروباغندا غزو الفضاء لازال المغاربة يموتون من أجل كيلوغرامات من الدّقيق.

لم يرصد قمرهم الاصطناعي أولئك الجوعى الذين يتهافتون على الفتات،ولم يرصد أولئك الذين يتدافعون على قليل من الزيت، فأقمارهم على ما يبدو ترصد فقط أولئك الذين يخرجون إلى الشوارع للنضال من أجل الكرامة، ويرصد أولئك الذين يخرجون للاحتجاج في الريف وفي مناطق أخرى في المغرب من أجل العيش الكريم ومن أجل محاربة الفساد.

سيطلقون العنان لتبريراتهم كما العادة، وسيفتحون تحقيقات في الحادثة والتحقيقات في الوطن يعرف الجميع كيف تتم وكيف تنتهي وكيف تكون نتائجها دائما، وسيلعنون أنّ الحادث كان وراءه سوء التنظيم، وأنّ القانون سيعرف مجراه، هذا كل ما في الأمر .

شهيداتُ الخُبز لن يجدن من يذرف الدموع على طريقة موتهنّ المهينة، و لن يجدن حتّى من ينظر في عيون فلذات أكبادهن .

الشي الوحيد الذي يمكن أن يُقدم لشهيدات الخبز في هذا الوطن هو توفير الأكفان حُزنًا عليهنّ وربّما يذهبون بعيداً ليتكلّفوا بلوازم دفنهن ، وهذا أقصى ما يمكن لهؤلاء أن يفعلوا ،فالوطن عوّدنا على أن يتكلّف بنا ليس أحياء نرزق بل أمواتا.

يجب أن نفهم أنّنا في هذا الوطن مجرّد أرقام في أجنداتهم ،كرامتنا رخيصة إلى درجة لا تتصور ،وأرواحنا رخيصة من أي شيء آخر.

قلت لكم نحن مجرد أرقام، يريدوننا فقط لنضفي طابع الشرعيّة على صناديق اقتراعهم، ويريدوننا أن نمنح لهم التفويض لاستعبادنا ،ولمنحهم المزيد من الوقت لاستنزاف ثرواتنا، أمّا حياتنا وكرامتنا وظروف عيشنا، فهذا لا يعنيهم في شيء ،وما أحاديثهم عن الموّاطن وعن حقوقه، سوى مسرحيات لذر الرماد في العيون.

ألا يخجل من يتحدث عن الوطنية الآن بعد هذا الحادث الأليم؟ ألا يخجل هؤلاء من أنفسهم وهم يشاهدون موتَنا يعلو على القنوات الدولية وعلى الفضائيات ؟بماذا سنُجيب من يسألنا عن أحوال المغاربة؟

هل نخبرهم أنّ الوطن على ما يرام؟ هل نخبرهم أنّ المواطن يعيش في بحبوحة؟ أم نخبرهم أنّ دولة من يتشدقون بالحياة الكريمة ومن يرفعون شعارات دولة الحقوق ما تزال تقدّم الموت للمواطنين بالمجان.

لن نستغرب من أحوالنا ولن يفاجئنا موت شهيدات الخبز اللّواتي استُشهدن من أجل حقهنّ في العيش، ولن يُحّركنا موتنا الذي نشاهده كل يوم يطفو على السطح ،كلّ ما يحرّكنا في هذا الوطن هو التّفكير في الكرة وفي المهرجانات والمناسبات التي أصبحت تستهوينا أكبر من ممّا تستهوينا مصالح الشعب وقضاياه.

إذا كان الموت أقصى ما يمكن أن يصله الإنسان في هذا الوطن ، وإذا كان الوطن في أفضل حالاته لا يُنتج لنا سوى الموت، فإّنه لم يعد لدينا أي حلم هنا، احلموا كما شئتم أن تحلموا، استثمروا في البلد كما شئتم، استنزفوا خيرات العباد، اتركونا نموت في البر والبحر وأينما شئنا، لا تكلفوا أنفسكم عناء البحث عن الأكفان، كما لا تقيموا سُرادق العزاء بعد موتنا ،دعونا نموت بسلام. رحم الله الشهيدات وأسكنهن فسيح جناته.